تنشئة الأطفال في الوطن العربي

 

دراسة
الطّفل العربي لا ينال ما يستحقّه من العناية في الأسرة وفي الشّارع وفي المدرسة ، الطّفل العربي مظلوم ويعاني من وطأة السّلطات المبثوثة هنا وهناك ، ولذلك نرى كثيرا من النّتائج الوخيمة ، وإنّنا في هذا المقال ننسّب الأمور ، فثمّة من الأُسر العربيّة من أحسنت تربية أطفالها واحتضنتهم الاحتضان الصّحيح بما يمكّنهم من التّوازن واكتساب الثّقة في النّفس والقدرة على التّعلم في راحة وسكينة ، فوفّرت الغذاء والأمان و الاحترام لهذه البراعم ، و لعلّ ذلك موصول بنتائج هؤلاء الأطفال الطّيبة في دراستهم . إلاّ أنّنا نعود إلى الحال الغالبة على نسبة تسعين في المائة من أطفال الوطن العربي . إنّهم يعانون التّهميش و الجوع و العري و الانقطاع المبكّر عن الدّراسة و القهر والظّلم و الاغتصاب و التّشغيل المبكّر من طرف آباء أميين لا همّ لهم إلاّ تحصيل النّقود ، فكم من عائلة أرسلت ابنتها تعمل حارسة في بيت أثرياء أو شغّالة تخدم أصحاب البيت بكلّ ذلّ و إجحاف .

حال الطّفل :1
إنّ الطّفولة من منظور سيكولوجي واجتماعي هي أهمّ مرحلة عمريّة من مراحل النّمو ، و أخطر فترة زمنية ، ففيها يترسخّ كلّ شيء يتلقّاه و يعيشه الطّفل ، ممّا يدفعه إمّا إلى الصّلاح أو إلى الخراب ، و أحيانا يعيش الطّفل شبعانا مكسوّا و لكنّه يعاني القهر والظّلم من الأب أو الأمّ أو الأخ الأكبر أو الأخت الكبرى أو الأستاذ في المدرسة ، فيحسّ بالقهر و يعيش منزوعا من كلّ ثقة في النّفس ، ذليلا ، و تتكوّن في شخصيته عقدة الشعور بالدّون ، فيكون محروما من الإدلاء برأيه و التّعبير عن دواخله ، ممّا يدفعه مع مرور الزّمن إلى العنف و الإرهاب أو إلى التبرّم من النّاس ، أو الانعزال من المجتمع ، و الانسحاب من الحياة العامة ، و كذلك نتيجة أسباب تتعلّق بالعوز العائلي و الفقر ، يرى لداته يلبسون و يأكلون ، وهو محروم من أنواع من الطّعام أو اللّباس ، و لأنّ الأب لا يقوم بدوره في توعية الطّفل ويشرح له سبب ذلك ، ويحاول أن يقنعه أنّ أهمّ شيء في الحياة هو لباس الأخلاق ، وطعام العلم ، فهو الغذاء الحقيقي الّذي يعوّض الإنسان و يدفعه إلى تحقيقه كلّ ما يحتاج إليه .
إنّ دور الآباء في تربية أبنائهم التّربية السّليمة على القيم الإنسانية والإسلاميّة الصّحيحة ، منها طلب العلم ومحبّة النّاس و التّفاؤل و الطّموح و التّعاون مع الآخرين في طلب العلم والعمل ، و الصّدق و الوفاء و الصّبر ، مع مراقبة الأبناء في الشّارع وتوجيههم و الحوار معهم ، و حضّهم على العمل الصّالح و المطالعة ، و ممارسة الأنشطة الثقّافية و الرّياضية ، وتنمية ملكة الإبداع ، وتشجيعهم المتواصل ، كلّ ذلك و غيره ، يؤدّي إلى النّجاح ، وتحسين الأحوال ، والارتقاء بالمجموعات و المجتمعات والأمّة ، و يحفظ الطّفل من غائلة الإرهاب والتّطرّف و الحقد و البغضاء و الحسد ، وما أكثر هذه الأمراض و الّتي أدّت إلى تفتّت العائلات وتسبّبت في الصرّاعات الّتي تعانيها الكثير من العائلات ، إنّها صراعات تنتقل من باطن شخصية الطّفل التي لم تحسن عائلته تربيته ، إلى غيره و تبرز في سلوكه الشّاذ و أنانيته المفرطة و إقصائه لغيره و كثرة الوساس والشّك في الآخر ، ممّا يهدّم حياته مع كبر سنّه ويسيء إلى عائلته وإلى المجتمع ، وما أكثر هذه المصائب الّتي تتخبّط فيها عائلات العرب وعروشهم وقبائلهم .

علاقة الطّفل العربي بالمنظومات التّربوية :2
كثيرة هي النّتائج السّلبية الحاصلة من سوء تربية الطّفل ، و لعلّ هذه الثّغرات قد استغلّتها قوى أخرى عدّوة لتدمّر أجيالا وأجيالا ، وتضعهم في دوّامة الحيرة . ثمّ نربط دور الأسرة بدور الدّولة الّتي أساءت تربية أجيال وأجيال بسبب سوء التّصرف و الاختيار للبرامج التّربوية والّتي تكون خاضعة في أحيان كثيرة لإملاءات قوى خارجية ، ولا يستطيع أيّ كان أن يُنكر ذلك أو يحاول أن يغطّي عين الشّمس بغربال ، كثير من الدّول في الوطن العربي تعمد إلى تغيير البرامج التربويّة بصورة آلية كلّ سنة أو كلّ سنتين ، تبديل البرامج تجارة رابحة للمطابع ، و تجريب سلبي يرهق الأسرة و الطّفل ، و يكشف فشل المحاولات الإصلاحية في التّربية ، وسبب ذلك هو جعل الطّفل في موضع المفعول به وليس الفاعل في علاقته بالمنظومة التّربويّة ، نجد كثيرا من التّنظيرات و التأويلات من ذلك العمل ببرنامج الكفايات الأساسية في التعليم الابتدائي ، والذي تخلّصت منه فرنسا منذ سنوات ، وهي منتجة هذا البرنامج ، و إلا بماذا تفسّر العدد الهائل لموادّ التّدريس في التّعليم الابتدائي مثلا ، و الحال أنّ الطّفل في حاجة إلى تهيئة نفسيّة و تعليمه النّطق و الكتابة الصّحيحة و تشجيعه ليعبّر بطلاقة ، فندرّبه على استعمال قواعد العربية وقواعد اللّغة الفرنسية ، ونحبّب إليه الكتابة و القراءة و نشجّعه على ذلك بما ينمّي مواهبه ، و لا نصبّ فيه الدّروس صبًّا وكأنّه وعاء ، بلا تفسير و لا شرح ، بل بسرعة تامّة لإنهاء البرنامج المقرّر ، أو لإرضاء مفتّش المادّة أو الإدارة ، ولعلّ ذلك ممّا تسبّب لاحقا في تدّني مستوى التّلاميذ في التّحرير والتّعبير و الإبداع ، فمن لا يمتلك اللّغات لا يستطيع التّعبير عن أفكاره و لا يقدر على تحديد أهدافه و لا على توظيف ما درسه في حياته . و تلك هي الطّامة الكبرى الّتي يعاني منها طفل اليوم رجل المستقبل . إنّها أجيال تتعلّم و لكنّها لا تقرأ ما تكتب ، وإذا قرأت و كتبت فإنها لا تفهم ما تقرأ و تكتب ، حيرة كبيرة في صفوف المتعلّمين تنتقل شيئا فشيئا إلى الجامعات . نتائج ذلك في مناظرة الباكلوريا و في الجامعات .

مقـترحات و حلـول لـوضع الطّـفل الــعربي :3

1/3 دور الأسـرة :
هذا الطّفل الّذي يعاني الويلات هنا وهناك ، لابدّ أن تعتني به الأسرة في طعامه ولباسه ، وتشجّعه على المشاركة في النّشاط الثقّافي و الرّياضي و العلمي ، داخل نوادي ثقافيّة في المدارس و المعاهد و دور الثقّافة . وكذلك تأخذ العائلة الطّفل في رحلات إلى البحر و إلى الجبال و إلى المدن الأثرية و إلى المصانع و المؤسسات و إلى المكتبات الكبرى ، وإذا تيسّرت الأسباب حبّذا تكون الرحلات إلى دول أخرى متقدّمة . لابدّ أن يقدّر الآباء أهميّة هذه الأعمال التي يقومون بها تجاه أبنائهم ونتائجها على شخصية الطّفل سيكولوجيا و اجتماعيا . فأحيانا تجد أطفالا لا يعرفون البحر في دولهم ، نعم لا يعرفون البحر ولا يعرفون مدن بلدانهم ، بل ولم يشاركوا في مباريات ثقافية أو رياضية ولو مرّة . هذا لون من ألوان الظلم الّذي يعانيه الطّفل .

2/3دور الــدّولــة :
وغير بعيد عن دور الأسرة نحو الطّفل ، فالدّولة مطالبة بمزيد الاعتناء بالطّفل ، لا ننكر جهودا في هذا المجال ، ولكن لابدّ أن يهتمّ قطاع التّربية بالأنشطة الثقّافية والرّياضيّة والعلميّة ، وتكلّف الدّولة مدراء للأنشطة الثقافية في مديريات التربية في كلّ مدينة عربيّة ، وكلّ مدير الأنشطة الثقافية بمديرية تربية يقوم بإنشاء نواد ثقافية مثلا نوادي المسرح و نوادي الموسيقا ونوادي الإبداع العلمي ، ونوادي المحاضرات و الأمسيات و نوادي السينما و نوادي الكتابة القصصية والشعر و نوادي الرياضة بكلّ اختصاصاتها ، هذه النّوادي يشرف عليها أستاذ الاختصاص ، وتقع مراقبة نشاط هذه النّوادي دوريا ، بل وتشريكها في مباريات و منافسات جهوية ووطنية يتوّج فيها الفائز فردا أو فريقا بالجائزة . على أن تقع برمجة مهرجانات ثقافية أو رياضية أو علمية مثلا كلّ ثلاثة أشهر أو كلّ نصف سنة أو كلّ سنة . و يتخلّل ذلك كلّه تشريك الأطفال في تقديم المقترحات و التّسيير و الحوار .

ويهتم مدير الأنشطة الثقّافية ببعث إذاعات داخلية في الإعداديات و المعاهد و يؤكّد على فسح المجال للإعلان عن مسابقات أو عن أسماء فائزين أو عن موعد رحلات . كلّ ذلك يبعث الأمل و يشجّع الطّفل على الإبداع و التّواصل و الأمان الباطني و الخارجي .

كذلك يؤكّد مدير الأنشطة على بعث مكتبات بالإعداديات و المعاهد ، أو تفعيل دورها إن كانت متوفّرة ، وذلك بتكليف أستاذ الاختصاص بالإشراف على المطالعة وتشجيع الأطفال على المطالعة ، و إجراء مباريات في الثقّافة العامة و المطالعة ، تكون الأسئلة فيها حول الكتب العلمية أو الروايات العربية أو الفرنسية أو الانقليزية أو غيرها التي تمّت مطالعتها .

خــلاصــة :4
و الحاصل أنّ الأمّة تحدّق بها المخاطر من كلّ جانب ، و أمن الطّفل هو أمن الأسرة وأمن الوطن ، و مكسبنا الوحيد ليس المال ولا الثروات ولا البترول ولا الذهب ولا الفسفاط و لا الدّسائس أو أو ، مكسبنا هو طفل اليوم لأنّه رجل المستقبل . لنعد ونستثمر في هذا الكنز الثّمين . لنعد إلى الطّفل و نغدق عليه كثيرا من العطف و اللّطف و العناية ، فنحبّبه في العلم و الصّبر و الأمل و نكسبه الثّقة في النّفس فلا تبعثره أيّ ريح من رياح الحياة خفيفة أو ثقيلة . لابدّ أن نعود إلى أطفالنا نحتضنهم نربّيهم نحاورهم نصادقهم نقترب منهم ، بما أوتينا من قوّة و قدرة وسبيل . لا نخنع و لا نبخل و لا نترك للأهوال و لا للأغوال فرصة كي تنال من طفل اليوم ، إنّه الإرهاب و الفشل المدرسي والضّياع والمخدّرات و الأمراض و البطالة و عقوق الوالدين و التنكّر للوطن و الحيرة ، كلّها وغيرها تتهدّد الطّفل

لا تعليقات

اترك رد