القوارب لن تغير مجرى الأنهار


 

iPhone Social media

استغرقت في النقاش مع الصديق البرفيسور رياض عبد حول مواضيع في الفكر والثقافة والسياسة والتحليل الاجتماعي اثناء تجوالنا في يوم لندني مشمس جميل، بدأ مشوارنا حيث التقينا في ساحة ماربل ارتج Marble Arch عبر حدائق الهايد بارك وصولا الى نايس برج، تخلل هذه الجولة استراحة شاي في بحيرات البجع في الهايد بارك، خلال هذا الوقت كان يرافقنا بصمت ولدي منتظر الذي انشغل عنا بعالمه الخاص.

انتهت الجولة الجميلة ولم تثمر نقاشاتنا الا متعة الجدل وتعميق الحوارات بين الاصدقاء، بينما الرحلة بالنسبة لمنتظر انتجت ما لم اكن اتوقعه واتخيله!!!
انتهى منتظر مع نهاية الجولة من انتاج فلم وثائقي قصير ينتمي لعائلة IPhone Social media وقد اطلق على الفلم اسم يوم واحد في لندن One day in London لم يكن منتظر خطط مسبقا لانتاج فلم، ولكنه استثمر وقت انشغالنا بالنقاش، لتصوير عدد من مقاطع الفيديو والصور الفوتوغرافية عبر جهاز الايفون الخاص به، ثم شكل منها هذا فلما قصيرا .

iPhones Social media او اعلام الايفون للتواصل الاجتماعي ليس تطورا تقنيا وفنيا كما نفهمه فحسب، بل انه حلقة جديدة في مراحل تطور الحياة وتفاعل الانسان معها، نعم انها ستنتج في القريب العاجل شكلا جديدا للعالم، واساليب جديدة للتفاعل والتفكير.

اعلام الايفون المجتمعي يعني حضور اكبر للفرد في المجتمع، وهو المؤشر الاول لذوبان الجماعات الاجتماعية بوصفها الحلقة الوسيطة بين الفرد والمجتمع، وسيكون المجتمع المعولم بمواجهة الافراد، وهي مرحلة لا تتوقف عند حدود الافكار والابداع الفني ونقل التجارب الفردية وتحريك الراي العام في مجال حقوق الانسان والممارسة السياسية، بل هي نمط اقتصاد يذيب الشركات الوسيطة بين المنتج والمستهلك، فالمستهلك بات بمقدوره التعاقد online عبر الانترنت مع كبريات الماركات العالمية والتبضع والدفع ويتم إيصال البضاعة الى المنزل Delivery، وهذا يعني ان حاجة الافراد للدولة ستنخفض كما ان حاجتهم للجماعة ستصبح شبه منعدمة، وهنا اقصد بالجماعة العرقية والاثنية والدينية لتقوم مكانها الجماعة الفردية التي تتشارك بالافكار والرغبات بعيدا عن القطيعية المجموعاتية.

هذا الجيل سوف ينتج اعلاما فرديا، ومتلقٍ فردي وهو ما اخذ شكله الاولي من خلال موقع you tube الذي سوف ينهي الاعلام التقليدي عبر القنوات التلفزيونية التقليدية والفضائية ايضا، اعلام يطوّع اللغة والصورة والمكان والجغرافيا، اعلام اكثر حياة وتفاعل واقدر على التعبير المباشر عن ارادة الافراد في اطار الاجتماع الكوني.

هذا الجيل لن يكتفي كما يحلوا للبعض تسخيفه وتوصيفه بالسطحية والانطوائية، ولن يصاب بالتوحد والانعزال عن واقعه كما نتخيل، شاشة الايفون لن تكون سجنا لانسان اليوم، بل نافذته على العالم الجديد، جيل الايفون لن يصابوا بقصر النظر، ولن يحتاجوا للنظارات التي حفرت انوفنا واذاننا، ولن تطبع الاقلام اثرها في سباباتهم، ولن يترك الحبر أثره على ثيابهم، ولن يتكلفوا الكثير لامتلاك الفكرة ولا فهمها ولا نقلها للاخرين، تذكروا اعزائي ان الالة الطابعة تسببت بثورات اجبرت الكنيسة ان تخرج الكتاب المقدس من سجن الكهنة، ليصبح بمتناول كل بيت مسيحي ما احدث ثورات تنوير كبيرة في المسيحية، كان اهمها ترجمة مارتن لوثر الكتاب المقدس، وهكذا بالنسبة سائر العلوم والمعارف التي تحولت بفعل الطباعة من اقطاعيات تديرها الطبقات الرفيعة والسامية، الى مفردات يومية يتداولها ابناء الفلاحين وعمال البناء، ما ادى لعالم جديد وانسان جديد ونظم اجتماعية وسياسية جديدة، احد اهم نتائجها الغاء العبودية وتشريع القوانين الدولية لحقوق الانسان، وهنا يمكن ان تتخيل كيف سيكون مستقبل الحياة مع الايفون!

بتصوري ان الحياة ايفون Iphone Life ستكون مختلفة اكثر مما نتخيل، ولن تتوقف عن حدود التغيير السياسي والاقتصادي، انها ستنتج اديان مختلفة وثقافات مختلفة، او بعبارة ادق اديان تحضر فيها الارادة الفردية والمساهمة الفردية بشكل اوضح واكبر وثقافات مجتمعية كذلك، التجدد حقيقة ماثلة وتيارها كالموج العاصف، وجميع محاولات الاحتواء سوف لن تقدم شي، وكل ما ينبغي علينا الاصغاء لمتطلبات هذا التحول الحضاري المهول فالقوارب لن تغير مجرى الانهر.

المقال السابقمفهوم الجريمة الابوية
المقال التالىرسائل الوسائل
يث التميمي باحث وكاتب عراقي يعيش في بريطانيا ولد في مدينة الكاظمية على شواطئ بغداد أكمل دراسته في الحوزة العلمية في النجف الأشرف، تخصص في مجال دراسات الفكر الاسلامي، رئيس المركز العراقي لإدارة التنوع، عضو الجمعية العلمانية العالمية، ناشط مدني وسياسي، لديه عدد من الأبحاث والدراسات واللقاءات التلفزيون....
المزيد عن الكاتب

لا تعليقات

اترك رد