ساتيا جيت راي معلم السينما الهندية الكبير

 
الصدى-ساتيا-جيت-راي-a

لا تزال سينما ساتيا جيت راي أهم ما قدّمته السينما الهندية وأنضج تجربة عبر مسيرتها، وعندما تبدأ بالكتابة عن شخصية شغلت العالم بالطول والعرض وتناولها الكثير من النقاد ، تقع في قضية إشكالية إذ أن المداخل كثيرة ولكن تحتار في اختيار المدخل الأكثر جدوى للإبحار في عوالم أفلامه وإضاءة ملامح غفلت عنها بعض الدراسات.
ساتيا جيت راي الذي تعامل مع السينما الهندية بعيداً عن النماذج النمطية، إذ خلّصها من الاستخدام المفرط للرقص والغناء والجو الميلودرامي والصدف الساذجة إلى واقع حقيقي يعج بسجلات الحياة اليومية، وكأنك تشاهد أفلام جان رينوار أو واقعية السينما الإيطالية.

لا يكتفي بالوقوف عند الضفاف، بل يغوص راي في عمق الواقع الهندي بتفاصيله ومشكلاته الاجتماعية والسياسية والثقافية، لم يدرس السينما ولكن أفلامه دُرّست في أشهر كليات السينما بالعالم، يكتب السيناريو ويرسم شخوصه ويكتب القصص أيضاً، كان يعتبر كل عمل صغير في الفيلم مهما كان حجمه عملاً كبيراً؛ لذا كان يقوم بعدة أعمال في الفيلم الواحد، كما كان يشاهد الفيلم الذي يحبه عشرات المرات، إذ كان انتقائيا جدا في مشاهداته.

يعتبر رائد النهضة في إقليم البنغال بعد رابندرا ناث طاغور، فهو حكواتي ومصمم وقاص وموسيقي وسيناريست ومخرج اقتبس عدة قصص لطاغور وعالجها سينمائياً، يحاول اقتفاء ما هو جوهري كي يكون السلم الذي ترتقي به الطبقة الوسطى في الهند الحديثة، فإن كان لليابان زعيمها السينمائي أكيرو كيروساوا، ولإيطاليا فيليني، ولتركيا يلماز غوني، ولفرنسا تريفو ، فللهند ساتيا جيت راي أعظم شخصية قدمتها السينما الهندية.


سليل العائلة الأدبية :
الصدى-ساتيا-جيت-راي

ولد ساتيا جيت راي في كالكوتا عام 1921، لعائلة شغوفة بالأدب ولها باع طويل بالفن، جدّه أبندرا كاشور راي مؤلف و رسام و ناشر و فيلسوف، وأبوه الشاعر المعروف سوكومار راي 1 الذي عرف بأشعارهو قصائده المحفوظة في ذاكرة الأطفال البنغال، كذلك نشر للأطفال مجلة سمّيت بسانديش وحظيت بشعبية واسعة، مات والده وكان عمر ساتيا سنتين، ربّته أمه في بيت أخيها وسط عائلة كبيرة، وكانت عائلة قريبة من الطاغوريين، تخرج من الكلية الرئاسية في كالكوتا والتحق بإحدى الجامعات في شانيشيدكيتان لدراسة السينما، وكانت الجامعة فيسفا باهارتى تمثل مركزا لليقظة الهندية في الأدب والفنون كما أن مؤسسها شاعر الهند العظيم طاغور ، وبعد تخرجه عمل مصمماً للإعلانات التجارية، ومن ثم مصمماً لأغلفة الكتب، ومن بين الكتب التي زينها نسخة مختصرة من رواية باتربانشالي للأديب المعروف بيبهوتي بهوشان ،

في غضون ذلك، بدأت بذور الموهبة السينمائية وميوله الفنية تلوح في الأفق، فأسس عام 1947 جمعية كالكوتا السينمائية، كما كتب عدة مقالات عن مشكلات السينما الهندية ومما قاله في إحدى مقالاته: إنه أمر لايصدق أن هذا البلد الذي أبهر العالم بفنه وشعره وموسيقاه يعجزعن تقديم فيلم واقعي يكون بعيدا عن كل هذا الإسفاف والتهريج الذي نراه حاليا.

كانت الجمعية الوسيلة الوحيدة لمتابعة عروض السينما العالمية، وكان الملتقى فرصة للإلتقاء بعدة شخصيات سينمائية بارزة كجان رينوار وجون هيوستون، وفي الفترة الممتدة ما بين عامي 48 و49 تعرّف على جان رينوار الذي كان يصّور فيلم النهر ورافقه طوال فترة تصوير الفيلم وساعده باختيار أماكن التصوير، وكتب عنه لمجلة أكسفورد، وتم إرساله إلى لندن لتلقي المزيد من التدريب وهناك شاهد ما يقارب المئة فيلم، شأنه شان زميله بيمال روي تأثر جدا بفيلم سارق الدراجات الإيطالي وأيقن أنه بعد هذا الفيلم لا مناص له سوى أن يعالج الواقع بالسينما، كباقي رواد التيار السينمائي الهندي الواقعي الذين تأثروا بالواقعية الإيطالية، وخلال عودته إلى الهند عبر البحر وعلى ظهر السفينة كتب نص فيلم باتر بانشالي، و أثناء عودته عام 1949 تزوج من ابنة عمه باجويا راس؛ وأنجبت له ولدا وحيدا سانديب الذي أصبح مخرجا أيضا.

أغنية الطريق ” باتر بانشالي” :
أخرج راي أول أفلامه عام 1955 بعنوان أغنية الطريق ( باتر بانشالي) والذي يعد تأشيرة الدخول لمهرجان كان السينمائي، يمثل الفيلم نقطة التحول في مسيرة راي، والبذرة الأولى للتجربة السينمائية الناضجة، من خلال تصوير فرادة الفرد ووحدته في حالة الحزن الموجع بسبب الموت والكفاح المستمر اليومي من أجل الحياة.

يعد الفيلم صدى حقيقياً للوجه الإنساني للفقر في المناطق النائية، لذلك من الصعب الشعور بطعم الجمال الصرف دون أن تكدره المؤثرات السوداوية الأخرى.

يقول المخرج والناقد الهندي تشيداناندا داس جوبتا عن فيلم أغنية الطريق ” ميلاد حقيقي للسينما الهندية، عرض في نيويورك وحاز على استحسان النقاد، أما في الهند فكان الجمهور منشغلا بالويسكي وفقط قلة من متابعي الفيلم عرفوا حقيقته، وهناك من صرخ غشنا الأوغاد كل هذا الوقت؛ هذه هي الأفلام الحقيقية “.

فيلم قوي البناء منبثق من الواقع الهندي بقصة بسيطة معالجة بأسلوب رزين، ممثلين جديين، مقتصدي الأداء والحركة دون المبالغة الفجة، بلا أغاني أو رقصات، حتى اختير شريطاً كلاسيكيا وثورة جمالية، كما نجح في دور السينما بكالكوتا، على الرغم من المنافسة الشديدة للسينما التجارية التي كانت في أوجها مع أفلام راج كابور وديليب كومار.

في عام 1957، أخرج راي فيلم صالون الموسيقى” Jalsaghar” لينحى منحى فيلم الفهد لفيسكونتي، بتصوير انهيار الطبقة الاجتماعية بأسرها لصالح الجديد القادم، هذا الانهيار لم يهتم راي بتصويره اجتماعيا وسياسيا بل انسانيا وسيكولوجيا من خلال حكاية راجا الذي صار على شفير الانهيار الطبقي، ولكن ذلك لم يبعده عن شغفه بالموسيقى التي يعشقها، بل يحفزه الأمر إلى إقامة حفل موسيقي يجد فيه مسك الختام في صالون بيته.

أما في فيلم الخلاصة يعود راي إلى التيمة الأساسية في معظم أفلامه؛ العودة إلى القرية، ومزاج المدينة المسيطر على مخيلته، من خلال شخصية أموليا الذي اجتاز امتحانات الثانوية العامة في كالكوتا، ويتم التحضير لتزويجه لفتاة تتفاخر بأنها تغني، أما أموليا فتعحبه الفتاة المشاغبة التي تعيش على هواها حياة صبيانية، ويتزوج منها وبعد فترة تتركه، ولكنها تعود له حين تتأكد من صدق مشاعره وحبه لها.

عوالم آبو ” Apur Sansar ” 1959 :
عوالم-آبو-يفتتح فيلم عوالم آبو على مشهد ستارة ممزقة تبدو للوهلة الأولى للمتفرج على أنها شراع سفينة ممزق وسط الرياح الهائجة، وصوت صافرة القطار لا يفارق خلفية المشهد كمؤثر صوتي أساسي، ليؤثث أجواءا مشحونة كعادته بالواقعية الهندية.

آبو كاتب قصص قصيرة فقير ويتيم، يرافق صديقه لحضور عرس وتنقلب الظروف بشكل مفاجئ في القرية ليصبح هو العريس، تموت زوجته عند ولادة ابنه، فيترك كل شيء خلفه حتى ابنه، ويغادر ثم يتذكر طفولته البائسة ويجدها في عيني ابنه فيقرر العودة إليه.
في الفيلم مشاهد تم الإشتغال على أدق التفاصيل فيها؛ مشهد العربة في الفيلم مؤثث بطريقة موحية وذكية، حيث نافذة صغيرة يرى منها المتفرج كل ظلال الماضي والرجوع إلى مرحلة اليتم الأولى بعملية تهيئة نفسية للمتلقي كي يؤكد العودة إلى الجذور الأولى وصوت دقات الساعة يفرض على المتلقي نوعا من انتهاء الزمن وصيرورة الطبيعة البشرية، كل الأمور في الفيلم توحي لنهاية مبكرة والوصول إلى المحطة الأخيرة ( القطار – الساعة – السفينة)، كما قطار الرواية التي يكتبها آبو يعمل بحبكة جديدة.

وعندما يريد راي لبطله أن يعود إلى الحياة السابقة من جديد، يؤديها بدلالة فنية مدهشة؛ يظهر بطله وهو يروي ظمأه من ينبوع ماء دافق (موسيقى الماء بنغمة عالية دلالة على رجوع انسيابية الحياة في حالة إحياء وانتعاش لبطل الفيلم).

ومن أكثر اللقطات التي حركت مشاعر المشاهدين، المشهد الذي يصفع به آبو رسولا من القرية يخبره أن زوجته ماتت، بالإضافة إلى المشهد الذي يلتقي بابنه في المشاهد الأخيرة بالفيلم، يتذكر طفولته واليتم الذي عاناه، كما صوت صافرات القطار التي لا تتوقف وحالة التكرار ، بإحالة ضمنية لدورة الحياة، أبدع الموسيقار الكبير رافي شانكر وضع الموسيقى التصويرية للفيلم.

وفي فيلم ديفي عام 1960، يعود راي إلى التاريخ بأحداث تجر ي عام 1860 قبل 100 عام من إنجاز الفيلم، في منطقة شانديبور من إقليم البنغال، ويتحدث عن المعتقدات الدينية والأساطير الشائعة التي تعمل بالمصادفة الساذجة، وتنكشف، حتى تنهار الاعتقادات الراسخة في القرية.

الفيلم مقتبس من قصة لبرابات كومار موخرجي ومأخوذة بدورها من فكرة لطاغور، وهو ثاني فيلم يجمع راي مع الممثلة الهندية -والدة سيف علي خان- شارميلا طاغور.
الصدى-sar

الجانب الديني والغنائي حاضران بقوة في أفلام ساتيا جيت راي، وكأنها سخرية مضمرة من الأساطير الدينية فأبطاله يشبهون الآلهة بأشكالهم ولكن أفعالهم تشوبها التصرفات الإنسانية الصرفة.

يهتم راي بالغناء والموسيقى والرقص ومرد ذلك إلى الثقافة الهندية بحد ذاتها، للتقرب من الآلهة فالإله كريشنا في الديانة البوذية يحمل ناياً بيده.

كما أن تأثير الموسيقى على أفلام راي جلي وواضح؛ ويعاز ذلك كونه بالمقام الأول موسيقيا، و كما يقول رافي شانكر ” أعظم فنون بلادي الموسيقى، الخاصية الفريدة في بلوغ قلوب البشر وعقولهم على الفور ولأنها متجذرة في الطبيعة ذاتها”.

يعتبر عام 1961 الأكثر غزارة في الكم، حيث أخرج فيلم ثلاث نساء ، وهو مقتبس من ثلاث قصص للشاعر الهندي طاغور، أعد راي السيناريو و الموسيقى كما في معظم أفلامه بالإضافة إلى الإخراج، كما أخرج فيلما عن حياة الشاعر الهندي العظيم طاغور باللغة الإنجليزية.

أما في فيلم مدير البريد الذي أخرجه في نفس العام، حيث ازدحام الدوائر والوصول إلى مكان جديد، ومحاولة التأقلم مع الوقائع الحديثة، يصل بطل الفيلم من كالكوتا إلى إحدى القرى النائية وتتعلق به خادمته اليتيمة، وحين تطلع على شغفه بالشعر تتفاخر بالغناء وهي الخاصية المشاع في القرية والتي يتفاخر بها أحد الفلاحون.

يجتمع الشعر والموسيقى والغناء وتتشكل علاقة روحية وروابط قوية بين هؤلاء الناس في المنطقة النائية والمنعزلة عن المدينة الكبيرة، الفضاء المنعزل والجو المناسب لتذوق الغناء والشعر، الطبيعة الصحية لولادة الإبداع، وعلى النقيض تكريس عدمية المدينة.
حالة الانعزالية في القرية لا تروق للبطل فيمرض ويهاجر، ويترك مكانه لموظف جديد، ألأمر الذي يثير استياء معشوقته الصغيرة.
وليس بعيدا عن حكايا القص، ينطلق فيلم المجوهرات المفقودة عن قصة رجل عجور يحكي قرب سلم النهر قصصاً لعابر السبيل، يحكي له حكاية تتأرجح بين الحقيقة والوهم؛ الملك مانيبوسان يعيش في منزل فاخر مع زوجته مانيماليكا التي تعشق المجوهرات وتخاف أن يفشل زوجها في العثور على مبلغ يعوض بها خسارته، فتجمع مجوهراتها وتهرب بمساعدة أحد أقاربها، وبعودة الزوج يتخيل زوجته تهيم في المنزل وقد تحولت إلى شبح، ويتضح من سياق الفيلم بأن الرجل الذي يستمع إلى الحكاية هو نفسه الزوج مانيبوسان، جملة حوارية واحدة كانت كفيلة بكشفه نطقها الرجل المتخفي، لتتجلى الحقيقة، ويمضي في طريقه وسط دهشة المعلم العجوز؛ لقد استمتعت بسماع القصة ولكن بعض أحداثها غير دقيقة.

موتيفة الحكايا داخل الفيلم، متداولة جدا في الأفلام الهندية ويعود ذلك إلى طبيعة الهند بحد ذاتها كما كانت قصص ألف ليلة وليلة وكليلة ودمنة.

المدينة الكبيرة ” Mahanagar ” 1963 :
يبدأ تتر الفيلم بمشهد مقتضب لانحدار خط السلكي للتروماي، في إسقاط غير مباشر لحالة تردي مدينة كالكوتا، فالانحدار من أعلى إلى أسفل، ثم تنتقل الحركة إلى لقطة عامة لغرفة قديمة والخلفية الصوتية صوت القطارات في دلالة لحالة التغيير التي تتعرض لها كالكوتا.

يحكي الفيلم عن مصاعب موظف بنك حين يتم إغلاق البنك، فيصبح عاطلا عن العمل فتضطر زوجته للعمل كمندوبة مبيعات وينبذها كل أهل البيت، بدءاً من والد زوجها المدرّس الذي فنى عمره بتدريس الطلبة وخرّج أجيالا والآن ليس لديه نقود كي يشتري نظارة يرى بها، في نهاية الفيلم تشتري له زوجة ابنه نظارة بدلالة توحي على أن حرية النساء هي المناص الوحيد في الحفاظ على البلاد ووضع الرؤية الصحيحة لكل تلك الغشاوة السابقة كي يرى الجيل القادم مستقبلا مشرقا أكثر.

حلم الجدّ الذي فنى عمره بالتدريس وتخرجت أجيال من تحت يديه بامتلاك نظارة، إحالة ضمنية تؤدي إلى و تكريس لمقولة ويل لأمة ضل مثقفوها، وربما هي الحالة الصحية لأمثاله من المثقفين بعدم الرؤية الواضحة كي لا يشاهدوا بكل ما وصل إليه العالم من قبح وتردي الجمال وفشل حركات التحرر وانهيار أحلامهم، وربما هو أيضا إسقاط لأن هذا الجيل ضعيف البصر لم يكن يعرف ماذا يريد.
الأب الذي خرج أجيالا اصبح لا يرى شيئاً، هشاشة العالم إبان فترة الاستقلال عن المستعمر الإنجليزي وحالة الفوضى، مع صوت خلفية القطار التي تنشر تضاداً معاكساً لعقلية تأبى التغيير، القطار يدل على التغيير السريع. ولكن العقلية القديمة بطيئة لا تتغير.
كاميرا راي في الفيلم، تعرف زواياها الحساسة لتنقل الحالة الشعورية المطلوبة، متى يجب أن تكون الزاوية عالية ومتى منخفضة، تتنبأ للمشاهد الفطن بوقوع الحدث قبل آوانه.

وخير مثال على ذلك، مشهد اكتشاف الزوج لأحمر الشفاه المخبأ في حقيبة زوجته، تمتلأ الشاشة بفقاعات الصابون التي ينفثها ابنه، لوحة سينمائية عملاقة للدلالة على كشف الأكذوبة، بمعناها المباشر ، ولكن في المعنى الضمني ما هي إلا دلالة على الأكاذيب التي عاشها جيل كامل بكبت حرية المرأة والنظر إلى المرأة العاملة على أنها ناقصة أخلاق ودين.
أما فيلمه شارولاتا ( المرأة الوحيدة) عام 1964، اختير كأحد أهم كلاسيكيات السينما أثناء الاحتفالية المئوية بتأسيس السينما الهندية، القصة عن رواية للشاعر الهندي رابيندراناث طاغور بعنوان Nastanirh وتجري أحداثه في البنغال في القرن التاسع عشر.
وقد حصل شارولاتا على ترحيب حار ونقد استثنائي وهو غالباً ما يعتبر أفضل فيلم لساتياجيت راي. وإذ كان راي بنفسه يقول إنه الفيلم الذي احتوى على أقل عدد ممكن من العيوب والشوائب وإنه إذا سنحت له الفرصة لإعادة إخراجه، يخرج الفيلم نفسه. وحاز الفيلم على عدة جوائز منها الدب الفضي لأفضل مخرج.
الصدى-ساتيا-جيت-راي

بعد مرحلة 1965 تحول راي من الأسلوب الواقعي إلى الأسلوب الفج، نتيجة منطقية لتغير الظروف أفول العصر الذهبي لنهضة نهروو وبدء ظهور الشيوعية وذبول ثمار التنمية والثورات،

يعتبر راي مؤرخا فعلياً لتاريخ الهند، ففي فيلم ديفي الآلهة يؤرخ حقبة الثلاثينات في القرن 19، أما فيلم لاعبا الشطرنح فيجسد خمسينات القرن 19، أما عوالم آبو فيؤرخ للسنوات الأولى من القرن العشرين.

في فيلم نوبي وباغا عام 1968 بالأبيض والأسود، تجسد الموسيقى الطريفة من خلال عوالم هجائية معادية للسلطة، إدانة الحرب، طغيان الديانات والديكتاتوريات، ونظرة لا هوادة فيها تشوبها روح الهزل وخاصة عن البطالة والفساد وافتقاد القيم.
اقتبس راي عددا من قصص الشاعر الهندي رابندرا ناث طاغور، وعالجها دراميا وسينمائيا، كما أنجز فيلما تسجيليا عن حياته، في فيلم inmer eye عام 1972، يصور دور رسام فاقد البصر “بينود بهاري موخرجي “.

وفي فيلم بالا عام 1976، يتحدث عن حياة الراقصة بالا ساراسواتي، حيث الرقص التيمة الأساسية للفيلم، مسلطا الضوء على واحدة من أكثر الراقصات شهرة في تاريخ جنوب شبه القارة الهندية، تعرّف راي على فنها عام 1935، عندما كان صبيا ذو 14 عاما، ثم أصبحت سارسواتي أعظم راقصة معاصرة للرقص الكلاسيكي الطقوسي في جنوب القارة الهندية، ثم أنجز عنها فيلما عندما بلغت 58 عاما، يكشف الفيلم عن علاقة وطيدة بين الموسيقى والرقص والديانات المختلفة في الهند، حيث كانت الراقصات يعشن في المعابد، ويرقصن وفق الطقوس الدينية، طريقة للتقرب من الآلهات التي يقدسونها، ولعل نظرة سريعة على تماثيل الآلهات، في الديانة البوذية يعطيك لمحة سريعة عن ذلك؛ إذ أن الآلهات تتجلى تماثيلهن وهن إما في حالة رقص أو عزف موسيقي، مما أدى إلى طقوسية شعائر الرقص في السينما،

أما في مملكة الجواهر 1980، ترتكز قصة الفيلم على المجوهرات والمضمون والأحداث ويجمع البناء السينمائي أسلوب أفلام الطريق والكوميديا الموسيقية الغنائية ولا تعمل الموسيقى والأغاني منحى التسلية، وإنما تتعدى لتؤدي دروها الجوهري في المساهمة بالتصاعد الدرامي للحدث، تؤدي درو المواجهة السلمية ضد الحرب في مغامرات غوبي وغابا، ودور الديكتاتورية في مملكة الجواهر.
دعوة صريحة إلى التصالح، حيث مشهد الختام في الفيلم يشد الأهالي بالحبل تمثالا عملاقا للمهراجا الديكتاتور الذي كان يحكمهم، ويشارك في تحطيم الصنم المهراجا نفسه وحاشيته بعد ان تم غسيل أدمغتهم، بواسطة جهاز اخترعه أحد العلماء السحرة.

الأيام الأخيرة :
بعد فيلمه البيت والعالم الذي عرض في مهرجان كان عام 1984، كان راي يمر بفترة نقاهة بعد اصابته بذبحتين صدريتين، وخضوعه لعملية جراحية في ميدنة هيوستن بالولايات المتحدة الأمريكية، ورغم أن الأطباء نصحوا بشكل صارم بتجنب العمل في السينما ريثما يتماثل إلى الشفاء، إلا أن نشاط راي لم يتوقف واصل بالكتابة للأطفال والمشاركة في تحرير مجلة سانديش، وترجم بعض قصصه إلى الإنجليزية، وجمعها بكتاب أسماه حملة وحيد القرن، وحكايات فانتازية أخرى نشرها عام 1987 عن دار نشر دوتون، ثم انشغل بكتابة السيناريوهات وتأليف الموسيقى لعدد من أفلام التلفزيون التي أخرجها ابنه سانديب، وفي عام 1987 أخرج راي فيلما وثائقيا عن حياة أبيه الشاعر الكبير سوكومار راي، ثم أنجز فيلمه عدو الشعب عن نص لهنريك إبسن، وإثرها تعرض لمتاعب صحية جديدة في قلبه أودت بحياته عام 1992، بعد إنجازه البطولي لفلمين روائيين أغصان الشجرة عام 1990 والغريب 1991.

ثورة ملح جديدة بنكهة سينمائية :
اختار ساتيا في أفلامه 36 التي أخرجها أن يكون هامشيا في مواضيعه الاجتماعية بأسلوب فني متقصد، يترك هامشاً واسعا للممثلين لإظهار قدراتهم كما يترك للموسيقين حريتهم، بأسلوب كلاسيكي يعد وريثا للمفهوم التقليدي للفن حيث الجمال غير منفصل عن القيم الأخرى.

تقول مؤلفتا كتاب موسيقى السينما الهندية” كان ساتيا جيت راي شديد الحذر في اختيار موسيقى أفلامه فقد اختار على سبيل المثال رافي شانكر ليضع موسيقى ثلاثية آبو واختار ولايت خان ليضع موسيقى جالساغر “.

في لاعبا الشطرنج تجسيد للإنهيار الأخير لمجد المغول، وفي حجرة الموسيقى إنهيار النظام الإقطاعي، أما في عوالم آبو فتداعي بنيان البراهمة بين الهند التقليدية والحديثة، ويقظة النخبة الهندية، والوصول لمرحلة الصحوة للأفكار المتطورة كما في فيلم شارولاتا، وتحرر المرأة في المدينة الكبيرة وانهيار التقاليد البالية برمز النظارة المكسورة.

كما صوّر معاناة العاطلين عن العمل بعد عقود من الاستغلال في فيلم الخصم، والموت الحتمي للضمير في مجتمع فاسد في فيلم الوسيط، سينما راي هي سينما ثورية على الواقع المتردي، ثورة ملح جديدة سلاحها السينما.

ساتيا جيت راي الذي تعلم الإخراج من التعرض المتكرر للأفلام الناضجة سينمائيا، قضى أيامه في دراسة افلام هوليود وتعلم منها أسلوب السرد المنطقي، على عكس التيار التجاري حيث صراع الخير والشر، في أفلام راي الخير مطلق لا أشرار في أفلامه، الظالم والمظلوم ضحيتا المجتمع، وأن الإنسان لا يختار زمان ومكان ولادته والظروف المحيطة به، وفي هذا السياق الضيق يختار ان يحدد ويناضل سلفاً من أجل البقاء والاستفادة من الفرصة المتاحة.

هناك نظرة فلسفية كامنة وراء كافة أفعال راي، تجد متعة الولادة والحياة وتتقبل الموت بلطف، والتحرر من الخوف والقلق لكن عدم وجود الغضب عنده، وتهدئة الانفعالات المتهورة والعمل المباشر التسجيلي جعلت أفلامه غير محببة من الأجيال الناشئة وجيل الشباب.
وإن كان استمد جماليات أفلامه نتيجة تأثره بالواقعية الإيطالية وتقاليد السرد الغربية والموسيقى الغربية، لكن محلية الهند والثقافة الهندية حاضرة بأفلامه بقوة وغير مغتربة حتى نال على إعجاب استثنائي من المخرج الياباني الكبير أكيرو كيراساوا، يصنفه بعض مؤرخي ونقاد السينما من الصفوة التي أسهمت في تطور حركة الصناعة السينمائية في النصف الأول من القرن الماضي.
كتب عنه المخرج والناقد الهندي تشيداناندا داس جوبتا كتاباً كاملا بعنوان سينما ساتيا جيت راي، تضمن نقداً كاملا لأفلامه صدر عن ترجمة محمد محمد عثمان من إصدارات مشروع كلمة للترجمة في أبي ظبي عام 2014، ويعد تشيداناندا داس جوبتا صديقه الذي أسس معه جمعية كالكوتا عام 1947 ودورية الفيلم الهندي عام 1957.

بالنسبة الى الممثلين، بخاصة غير المحترفين، يملي راي كل زاوية تبعاً لوضع الرأس، وكل حركة صغيرة، ويتأكد من أن الإيماءات ذات المغزى الإنساني. أما مع المحترفين، فيترك الكثير للفهم الصامت، ولكن يملي عليهم الأوضاع والتحركات في كثير من الأحيان بوضوح تام. ويرى أن اللقطة تكون جميلة فقط إذا كانت صحيحة في سياقها،

وما يميز أفلام راي الى هذا إنما هو الانتماء إلى إيقاع حياة الناس، وفي معظم الأفلام، نادراً ما استخدم الحوار لمجرد نقل المعلومات، وقد يكون الحوار عبارة عن نصف جملة، وما تبقى يكون متضمناً بحركة أو حدث ما. وقد يقدم الحوار معلومات وفي الوقت ذاته يؤسس أو يعزز علاقة ما.

أسس راي لسينما ذات طابع إنساني، تنحو نحو التأمل والإيقاع البطيء، وتعطي الأولوية للشخصيات أكثر من التصاعد الدرامي للأحداث، وتحمل قدراً من البساطة الظاهرية رغم تعقيدها الداخلي، كما بقيت ذاكرة كالكوتا مسيطرة على مزاجه السينمائي.
الرشاقة التي تتميز بها أفلام راي، سببها الطريقة الهامشية التي يتعامل بها مع الصدمات، وتجنب الإجراءات، والقرارات، والأحداث، فحيثما كان يحاول أن يكون مباشراً، كانت النتيجة في كثير من الأحيان غير فعالة أو أدت إلى تنافر ونوع من الإزعاج، اعتبر ساتياجيت راي نفسه فناناً واعياً من دون شك، و أدرك جيداً ما كان يفعله والسبب في ذلك. وكان يميل إلى التخطيط الدقيق، وخفض عناصر الارتجال في عمله إلى أدنى حد.
وكثيراً ما أكد راي، في كتاباته ومقابلاته وتصريحاته، عنصر الحداثة في تركيبته العقلية، مشدداً على عدم معرفته بالدين، ” لا أعتقد أن تقاليد الفن الهندي كان لها أي تأثير في تطوري كمخرج على الإطلاق، وأنا أميل بشدة إلى الرأي القائل إن السينما هي نتاج الغرب، حيث مفهوم وجود شكل فني في زمن محدد سائد منذ قرون عدة. وإذا كنت قد نجحت مخرجاً، فإن ذلك يرجع إلى اطلاعي على التقاليد الفنية والأدبية والموسيقية الغربية “.

بيد أن أهم سمة شرقية في أفلام راي، هي بطء الوتيرة وما يطلق عليه الفضاء التأملي، الذي دائماً ما توفره مشاهده.

ستيفين سبيلبرغ وراي :
تقول إحدى الروايات أن ساتيا جيت راي كتب سيناريو فيلم الغريب عن قصة قصيرة كتبها ونشرها في الأربعينات، بعنوان صديق نانكو بابو في مجلة سانديش، وتتمحور القصة حول كائن فضائي آت من العالم الخارجي، يصل إلى قرية هندية صغيرة تدعى هابا وهناك يكتشف طفلان فقيران مكان الكائن، يسعيان إلى إخفائه عن عيون أهل القرية الذين أرادوا القبض عليه، تنشأ بين الكائن والطفلين حكاية وصداقة تتعدى القوميات والجنسيات وتنتهي إلى تلك اللحظة التي يقوم بها الطفلان بايصال الكائن إلى مكان قومه.
ويعتبر البعض أن سبيلبرغ سرق فيلمه ” اي تي ” من ساتيا جيت راي وذلك بعد أن لمع اسم راي في الولايات المتحدة الأمريكية أواسط الستينات، كما أن شركة يونفيرسال طلبت منه أن يخرج فيلما من إنتاجها بعد النجاحات الساحقة التي حققها راي.

الصدى-ساتيا-جيت-راي الصدى-ساتيا-جيت-رايجوائزه :
خلال حياته وبعد وفاته نال ساتياجيت جوائز و أوسمة كثيرة، منها المحلية 32 جائزة من حفل الأفلام الهندية الوطني ، وأخرى من المهرجانات العالمية مهرجان برلين السينمائي الدولي، و نال جائزة الدب الفضى لأحسن مخرج لأكثر من مرة و كما وصل إلى الرقم القياسى فى الترشيح لجائزة الدب الذهبي لسبع مرات، في مهرجان فينيسيا الدولي نال جائزة الأسد الذهبي، وأيضا نال جائزة شرفية من مهرجان كان الدولي.

كما أن راي ثاني شخصية سينمائية بعد تشارلى تشابلن تنال دكتوراة فخرية من جامعه أكسفورد، بالإضافة إلى نيله وسام جوقة الشرف من رئيس فرنسا عام 1987، كما توّجته حكومة الهند بأعلى وسام مدني قبل رحيله بفترة قصيرة. وتتوجت مسيرته الفنية بنيله جائزة أوسكار شرفية عن انجازاته طول حياته السينمائية عام 1992.

لمحة عن والده الشاعر سوكومار راي :
ولد سوكومار راي في 30 أكتوبر عام 1887، وكان الابن الثاني للفنان والكاتب المعروف أبندرا كاشور راي، ترعرع في بيئة تهتم بالأدب والفن من طبقة البراهمة، جمعته صداقة مع الشاعر الهندي طاغور.
تخرج سوكومار مع مرتبة الشرف في الفيزياء والكيمياء من كلية الرئاسة في عام 1906. وفي عام 1911 سافر إلى إنجلترا لدراسة تكنولوجيا المعلومات، ونشر العديد من الأعمال الشعرية في عدة مجلات . كما أبدى اهتماما نشطا في التصوير الفوتوغرافي، وعندما حقق طاغور زيارته التاريخية إلى لندن ، عادا معا إلى الهند في عام 1913.
أطلق والده مجلة للأطفال بعنوان سانديش، ، والذي قاد مسيرة أدب الأطفال البنغالي. وكان سو كومار يكتب بغزارة للمجلة، رحل وهو في ريعان شبابه عام 1923 .

من قصائده التي ترجمها إلى الإنجليزية ابنه المخرج العالمي ساتيا جيت راي، قصيدة ” بابورام ساحر الثعابين ” :
– مرحباً بابورام!
وأنت هناك
ما الذي تحمله وما هذا الفك الفتّاك
ثعبان!
وكيف للمرء الائتمان من شره و تجنب فكّه الجوعان !
– إن أردت واحد
ابتعد عن الذي يلدغ و الذي يصدر صوت
الفحيح !
وأيضاً أيضاً
لا تقترب من الذي يلف جسده
حول خصر مخلوق ضعيف
وتجاوز من له صوت غدر فحيح
وذلك الذي له جلد خشن
وناب حاد
وظهر كبير ومؤخرة الكسالى !
وعن آداب الطعام
اقترب من تلك الثعابين الرائعة
التي ترضى بوجبة من الرز مع الحليب !
هل عرفت ذاك النوع من الثعابين يا صاح !
– آه بابورام !
اسمح لي أن أكون للثعبان بمالك
الآن باستطاعتي سحق رأسه فوراً
إذا اقتضى الأمر ذلك !

المقال السابقابناء البيت الواحد
المقال التالىطلب تعيين!
نوزاد جعدان ، شاعر وكاتب من سورية، يقيم في الإمارات العربية المتحدة، حاصل على جوائز عربية وعالمية عدة منها جائرة كاستيلو دي دونيو في إيطاليا وأرت أتاك الشعرية في كرواتيا وجائزة نعمان للثقافة في لبنان"، له ثلاث مجموعات شعرية "حائطيات طالب المقعد الأخير من إصدارات دار فضاءات" و"أغاني بائع المظلات من إ....
المزيد عن الكاتب

لا تعليقات

اترك رد