سايكس – بيكو : كثير من الاوهام وقليل من الحقائق !! – ج١


 

في اكثر من ظهور له في اجتماعات المنظمات اليهودية – الصهونية في الولايات المتحدة الامريكية كرّر احمد الچلبي وعده لهيئات اللوبي الاسرائيلي منذ أواخر التسعينات بانه سيقوم ، عند وصوله للسلطة في العراق بمعونة الولايات المتحدة ، بالاعتراف بإسرائيل واعادة احياء خط انابيب نفط كركوك – حيفا ؛ هذا الوعد جاء في سياق حديث متصاعد النبرة في اوساط امريكية وغربية ( إعلامية – أكاديمية – فكرية ) عما أُطلق عليه ” نهاية عهد سايكس – بيكو ” في منطقة الشرق الاوسط بعد أزمة الكويت عام ١٩٩٠ ومانجم عنها من تداعيات وفي مقدمتها تدمير الجزء الأكبر من قدرات العراق الاقتصادية والسياسية والعسكرية وفرض نظام عقوبات ومقاطعة غير مسبوق عليه وبضمنه فرض مناطق حظر طيران يفترض انها امنة للسكان العرب الشيعة في الجنوب والأكراد في الشمال .

لقد اختفى الحديث العام عن اتفاقية سايكس – بيكو منذ وقت مبكّر بعد نهاية الحرب العالمية الاولى بعد ان حلت محلها معاهدات وتوافقات تفصيلية بين الحلفاء لاعادة توزيع النفوذ وصياغة الاوضاع السياسية المحلية في منطقة شرقي المتوسط من سواحله حتى حدود فارس ، وتم الاستعاضة عن صيغ الاحتلال التقليدية التي فرضت بموجب حق الفتح الذي أقره پاپا الفاتيكان للأمم المسيحية في مطلع عهد الموجة الاستعمارية والذي ساد العلاقات الدولية حتى قيام عصبة الامم عام ١٩١٩ ثمرةً لمؤتمر السلام في پاريس ؛ لقد حلّ محله نظام الانتداب الذي لم يكن اسماً جديداً لحق الفتح ، بل أسس لشرعيةً دولية جديدة وفق ماحددته اتفاقيات الصلح العديدة مثل سيفر ولوزان التي اقرت اسماء وحدود معظم الدول التي نعرفها اليوم في الاقليم ( باستثناء اسرائيل ) اخذة بالاعتبار عوامل عديدة منها الحدود الإدارية – الضريبية التي سادت منذ عهود طويلة سبقت حتى الحقبة العثمانية فضلاً عن ” رغبات السكان ” وحقائق التاريخ ، وقد كانت لهذه العوامل اهميتها بالنسبة للدول المحتلة لان طبيعة مصالحها التي تتمحور حول الموارد والجيوستراتيجيا كانت تقتضي ان يسود مناطق نفوذها الجديدة قدر كبير من الاستقرار بحيث يؤمن اقل قدر من الحاجة لوجود عسكري مُكلف .

تقوم رواية أنصار ” نهاية عهد سايكس – بيكو ” على ان ترسيم حدود وكيانات الدول التي تم إنشاؤها جرى وفق مصالح كولونيالية اقتضتها مصالح الدول الاستعمارية القديمة وفق ” روح اتفاقية سايكس – بيكو ، وقد نجم عن ذلك – وفق هذه الرواية – بذر عوامل عدم الاستقرار في المنطقة بسبب التنوع الاثني والديني والطائفي داخل كل كيان من هذه الكيانات وانه من اجل ارساء عوامل الاستقرار لابد من اعادة النظر في هذه الكيانات ورسم الحدود وفق خطوط التقسيم الاثني والديني والطائفي ؛ تصدر هذه الموجة من التفكير المستشرق اليهودي – الصهيوني برنارد لويس في مقالة شهيرة كتبها في مجلة Foreign Affairs في خريف عام ١٩٩٢ تحت عنوان : Rethinking the Middle East ودعا فيها الى انشاء دول عديدة على أنقاض الدول القائمة ، وكانت المقالة نقطة البداية لاعادة احياء الحديث العام عن اتفاقية سايكس – بيكو في وسائل الاعلام وبعض الاوساط الأكاديمية ومراكز التفكير . انطلقت بعدها حملة غير مسبوقة من اعادة التفكير في كيانات الشرق الاوسط وتم رسم عدد لاحصر له من الخرائط الافتراضية الجديدة للمنطقة ، وهي جميعاً تشير بشكل مباشر او غير مباشر الى قضية التعاون الاقتصادي بين الكيانات الجديدة المفترضة وأحياناً تتم الإشارة بشكل صريح الى بيع ما اسمي نفط كردستان الى اسرائيل وتركيا كنموذج للتعاون القادم الذي سيحل كل المشاكل الاقليمية القائمة كاهم المنجزات التي يمكن ان تتحقق عن جو التعاون الذي سيسود المنطقة بعد اعادة تقسيمها وازالة عوامل العداء وعدم الاستقرار التي بذرتها اتفاقية سايكس – بيكو وفقاً لهذه الرواية ؛ الغريب ان هذه الخرائط المقترحة بنيت على فرضيات لم تكن يوماً جزءاً من تاريخ المنطقة او الديناميات التي حركت ذلك التاريخ ، والاكثر من ذلك ان هذه الفرضيات بعيدة حتى عن واقع العالم المعاصر او مفاهيم الدولة الحديثة التي يسود نمطها هذا العالم حيث بنيت القوميات الحديثة وفقاً لاعتبارات عملية تتعلق بالمصالح والحريات الفردية وليس وفقاً للايديولوجيات او معايير الانتماء العرقي .

قبل مزيد من الاستطراد نعود الى حقيقة وجوهر اتفاقية سايكس – بيكو ، ولعل اهم ما يرد للذهن هي قضية هذا الحديث عن التعاون الاقليمي المنتظر وخاصة في مجال النفط ، وما هي قصة هذا الخط ( كركوك – حيفا ) وكيف ارتبط الى هذا الحد بقضية الاحتلال ومن قبلها بتطورات عديدة في الاقليم ؟! ولعل السؤال الذي يسبق الاول هو : هل ان هنالك في الأصل نظاماً اقليمياً أنتجته اتفاقية سايكس – بيكو وتمثل في اقامة دول وطنية Nation States على غرار النمط الذي تم إنتاجه في اوروپا وبُذرت اولى بذراته بموجب اتفاقية وستفاليا لعام ١٦٤٨، بمعنى دول ذات اطياف اثنية ودينية متنوعة تجمعها هوية الجغرافيا بعد ظهور مبادئ السيادة ورسوخ قدسية الحدود الوطنية كأساس لبناء هيكل العلاقات الدولية المعاصر ؟! لكن نص الاتفاق لم يتضمن شيئاً من هذا ، وكل ماورد فيها بشأن ذلك هو نصوص غامضة حول توزيع الامتيازات بين فرنسا وبريطانيا في حالة قيام دولة عربية او اتحاد دول عربية على جانبي خط حدود النفوذ الممتد من كركوك الى حيفا !!

لقد كانت بريطانيا العظمى تعارض حتى قبيل وقوع الحرب العالمية الاولى اي مساس بوجود وكيان الدولة العثمانية ، كما كانت تعارض السياسات الهادفة لإضعافها ؛ ذلك لم يكن مبعثه عشق لم يكن موجوداً اصلاً ، وانما اقتضته المصالح الامبراطورية لان تفكك الدولة العثمانية يعني استيلاء المنافسين الامبراطوريين الاخرين من الحلفاء مثل فرنسا وروسيا على اجزاء واسعة من الممتلكات العثمانية والتي كانت تضم نوعاً فريداً مستجداً من المصالح الى جانب المصالح التقليدية المتمثّلة في ابقاء قناة السويس تحت الحماية البريطانية وقد تحقق ذلك باحتلال مصر عام ١٨٨٢ اضافة الى ابقاء اسواق السلطنة وطرق مواصلاتها وخاصة المارة عبر الأنهار والبراري العراقية مفتوحة ومؤمنة ؛ المصالح المستجدة تتمثل في مادة النفط التي اكتشفت بكميات تجارية كبيرة في منطقة كركوك وإرجاء اخرى في المنطقة . كانت الأوامر قد صدرت قبيل الحرب العالمية الاولى الى البحرية البريطانية باستبدال الوقود من الفحم الخشبي والحجري الى النفط ومشتقاته واعتبر ذلك من الاولويات ، وقد شمل هذا التوجه الجديد سياسات امبراطورية تهدف لتأمين مصادر ثابتة لهذه المادة الحيوية التي بدات مع اكتشاف محركات الاحتراق الداخلي تحتل مركز الصدارة في انتاج الطاقة وتشغيل محركات الحضارة الغربية . كانت بريطانيا وفرنسا وألمانيا والولايات المتحدة اول من أدرك أهمية ذلك باعتباره مستقبل الحضارة ومحركها فضلاً عن كونه سيُصبِح احد اهم بنود التجارة العالمية والصناعة ولذلك تم بذل الجهود من اجل الاستحواذ على منابعه وتامينهما .

عندما قامت الحرب العالمية الاولى وضعت الدولة العثمانية نفسها ، خلافاً للسياسة المحايدة التي أرساها السلطان عبدالحميد الثاني حتى خلعه عام ١٩٠٨ ، الى جانب الحلف المركزي المؤلف بشكل أساسي من المانيا وإمبراطورية النمسا والمجر في وجه جبهة الحلفاء المؤلفة بشكل أساسي من فرنسا وبريطانيا وروسيا .

لم تخلُ جبهة الحلفاء من صراعات مصالح ؛ كان احد اهم موضوعاته هي التركة العثمانية المنُنتظرة بعد كسب الحرب وخاصة المنطقة المسماة Levant ( بلدان الساحل الشرقي للبحر الأبيض المتوسط ) والعراق والتي كانت تضم واحداً من اهم مصادر النفط المعروفة انذاك وهي منابع كركوك اضافة الى انسب طرق نقله والتي تمر عبر البادية الغربية للعراق ثم البادية في شرقي بلاد الشام حتى موانئ المتوسط ومن أهمها موانئ سوريا وفلسطين . لقد كانت الحرب في بدايتها عندما بدأت الاطراف المعنية بالبحث في كيفية ترتيب اوضاع المنطقة ومن اجل ذلك تم تفويض السير سايكس بيكو من قبل الحكومة البريطانية للتفاوض مع ممثلين عن الحكومتين الفرنسية والروسية لترتيب مناطق النفوذ في منطقة الشرق الاوسط بعد الحرب والتي تُظهر الدراسات التاريخية الحديثة ان محركها الاساس كان الاستحواذ والهيمنة على مناطق انتاج النفط عَصّب الحضارة الصاعد انذاك اضافة الى اعادة ترتيب النظام الدولي بما يضمن مصالح الحلفاء المنتصرين .

من هذا الايجاز التاريخي يتبين بشكل واضح انه لم يكن هنالك نظام دولي او إقليمي فرعي أنشأته اتفاقية سايكس – بيكو وان النظام الدولي الذي تم إرساؤه بعد الحرب العالمية الاولى قد تجاوز ماتم رسمه في خارطة سايكس – بيكو بما في ذلك خارطة توزيع النفوذ واهداف هذا النفوذ لان عوامل عديدة قد طرات وجعلت من الاتفاق المذكور مستنفذ الأغراض وخارج الصلاحية ، واهم هذه العوامل هي :

١- اعادة رسم وطريقة توزيع النفوذ النفطي عن طريق اعادة تفعيل الكونسورتيوم النفطي العالمي ( تأسس قبل الحرب من قبل بريطانيا وفرنسا وألمانيا وتركيا العثمانية والولايات المتحدة الامريكية ) بعد ابتلاع حصة ألمانيا وتركيا المهزومتين في الحرب وتوزيع الحصص النفطية بموجب اتفاقيات خاصة تتجاوز الخرائط والحدود الرسمية او خط الأنابيب الذي رسمته خارطة سايكس – بيكو الذي هو خط حدود النفوذ بين فرنسا وبريطانيا في اقليم ساحل شرق المتوسط والعراق وقت التفكير فيه عام ١٩١٦.

٢- انسحاب روسيا من الساحة الدولية بعد الثورة البلشفية عام ١٩١٧ الامر الذي جعل جزءاً من الاتفاق والمتعلق بحصة روسيا من النفوذ في المنطقة خارج الصدد .

٣- عودة ظهور تركيا كقوة محاربة بعد استيلاء مصطفى كمال اتاتورك على مقاليد الأمور وتحقيقه عدداً من الانتصارات على قوات الحلفاء الذين احتلوا اجزاء من تركيا وفرضوا اتفاقية سيڤر ثم اضطروا للتراجع عنها وإبرام اتفاقية لوزان بديلاً عنها .

٤- دخول الولايات المتحدة معترك العلاقات الدولية وفرضها اجندة الرئيس ولسن والتي بموجبها تم وضع أسس النظام الدولي الذي حكم العالم فترة مابين الحربين العالميتين والذي عُرف بعهد عصبة الامم .

٥- ظهور القوميات – الوطنية المحلية في المنطقة والتي عبرت عنها تحركات شعبية عنيفة ضد الاحتلالين الفرنسي والبريطاني ومنها الثورة العراقية الكبرى لعام ١٩٢٠ والثورة السورية بقيادة الأطرش عام ١٩٢٥ والثورات المتكررة في فلسطين .

هذه بيئة دولية جديدة توافرت فيها معطيات العصر ومن اهم مظاهر ذلك تأسيس دول حديثة وفق نموذج الدولة – الوطنية الذي ساد منذ أواخر القرن التاسع عشر في اوروپا حيث ترسخت مبادئ السيادة والحدود الوطنية وبدء انحسار نفوذ الإمبراطوريات الكبرى ؛ هذه الدول الجديدة لم تقم جراء تجميع عشوائي للولايات العثمانية كما يتم الترويج له حالياً بل كانت وحدات ادارية راسخة ذات هوية وشخصية مميزة وبعضها مثل العراق شكل بمجموع ولاياته وحدة طبيعية من الناحية الجغرافية فرضت نفسها على كل من قدموا اليها مهيمنين وحاكمين منذ عهد الدولة الفارسية قبل الاسلام وحتى سقوط الامبراطورية العثمانية . اما بلاد الشام فقد تعرضت ليس للتجميع بل للتقسيم العشوائي الذي ولد قدراً من عوامل عدم الاستقرار ممثلاً في الحركات القومية الأيديولوجية التي قامت رداً على هذا التقسيم وارادت تحقيق الوحدة التي عاشتها على مدى قرون امتدت منذ فترة سبقت ظهور الاسلام حتى نهاية الحرب العالمية الاولى كما قبلت بوعود تنمية استثنائية تقودها الأنظمة الثورية – العسكرية ولو تم كل ذلك على حساب الديمقراطية ؛ امتدت هذه الحمى التي فرضتها تحديات العالم خلال الحرب الباردة الى معظم الأقطار وخاصة العراق والأردن .

لم يتأخر الشرق أوسطيون عن ركب العالم المتقدم كثيراً في اتباع نمط الدولة الوطنية الحديثة ، ورغم شيوع الأمية والجهل على نطاق واسع وعدم توفر وسائل الاتصال الحديثة الا ان النخب المتعلمة في بلدان الشرق الاوسط كانت على تواصل مع تيارات الحداثة في الغرب واوروپا بشكل خاص ومن ذلك مفهوم دولة قومية – المواطنة ؛ لقد ساهمت سياسة العثمنة والتحديث في نشر هذا الوعي اضافة الى التأثير الذي بدات تتركه حركة ادماج الاقتصاد الشرق الاوسطي في السوق العالمية وتغلغل البعثات الثقافية – التبشيرية في العديد من بلدان المنطقة وعودة العديد من الأفراد الذين اتيحت لهم فرص التعليم في المدارس والجامعات الاوروپية والأمريكية فضلاً عن تيسر عدد من المطابع ودور النشر التي ساهمت في توسيع نطاق تداول موارد الثقافة الحديثة ؛ لقد كان ذلك جزءاً من الوجه المضيء للاستعمار رغم سوءاته الكبيرة .

لعل السؤال الذي يفرض نفسه هو : لماذا تعثرت اذن تجربة الدولة الوطنية الحديثة في المنطقة بحيث ظلت تعاني من التنافرات الاثنية والدينية والطائفية ؟! لماذا في المقابل نجحت تجربة مماثلة في اووپا في ذلك وفق مايسمى الان نظام وستڤاليا لعام ١٦٤٨ ؟!

هذه ستكون مقارنة مثيرة للاهتمام وهي موضوع الجزء القادم من المقالة ،،،

لا تعليقات

اترك رد