كيف استطاعت إيران من قصر الفكر الثوري على الحرس الإيراني …


 

كيف استطاعت إيران من قصر الفكر الثوري على الحرس الإيراني…
وتحويل التشيع من فكرة ثورية إلى ممارسة طقسية عند العرب… ليصبحوا أتباع للفكر الثوري الإيراني؟

برز في إيران منذ السبعينات من القرن الماضي فيض من الكتابات الثقافية المتقدمة، وبرز في التيار من اشتغل على صوغ خطاب شيعي ثوري ومفاهيم إصلاحية تنقل التشيع من وضع الاستقالة التاريخية إلى الحالة النضالية الثورية، وكانت هناك أسئلة كبرى هل الإسلام صالح لكل زمان ومكان؟ هل يمتلك إجابات على كل الأسئلة؟ وما هي رؤيته حول الفن، وقدرته على مواكبة العصر بكل تعقيداته، خصوصا فيما يختص بنظريات الكون وغيرها من نظريات حديثة؟.
وكان لليسار الشيعي الإيراني ممثلا في المفكرين الثوريين أمثال جلال آل أحمد وعلي شريعتي، ومنهم المدرسي الذي عالج وبصورة نقدية مفاهيم راسخة في العقل القدري الشيعي مثل التوكل والشفاعة والانتظار والتقية والإيمان السلبي بالغيب وغيرها من مفاهيم.
لكن في المقابل نجح الشيرازيون في تعميم خطاب شيعي حركي في منطقة الخليج في منتصف السبعينات قبل مجئ الثورة الخمينية كرافعة نموذجية لدعم الثورة الجديدة من أجل ترسيخ الثورة المدعومة من الغرب وخصوصا من فرنسا في المنطقة.
رغم أن الثورة الخمينية أرادت تقويض أسس الموروث الشيعي الغيبوي الذي أسبغ عليه علي شريعتي دمغة التشيع الصفوي، منها تشيع السلطة، والشفاعة، والتقية، والانتظار، والخرافة، والدعاء من دون العمل، وزيارة الأضرحة، بل وصلت إلى حظر الخميني كتاب بحار النوار للشيخ باقر المجلسي التي تشتمل على كلمات مسيئة للخلفاء الراشدين، وكذلك حظر بعض الممارسات الطقسية من قبيل التطبير أي ضرب مقدمة الرأس بالسيف حد الإدماء.
لكن أراد الشيرازيون للعرب خدمة للحرس الثوري الإيراني غير ما أراده الإصلاحيون في إيران في عقد الثمانينات بعد الثورة الخمينية تأصيل خطاب مخالف للخطاب الثوري في إيران خطاب بمواصفات شيعية عربية تابع للخطاب الثوري الإيراني ويصبح مجرد أداة من أدواته الفاعلة.
انفجرت ثورة طقوسية بعد سقوط نظام صدام حسين عام 2003 باستغلال حرمان العراقيين من الشيعة من مزاولة الحريات الدينية في العهود السابقة وتوظيفها لناحية الذهاب إلى أقصى ما يمكن أن يصل إليه الشغف الطقسي لدى الفرد الشيعي.
استبدل تيار الشيرازي إعلان أسبوع الوحدة في إيران في عهد الخميني والمخصص لتعميم ثقافة الوحدة بين المسلمين، وبدعم من الحرس الثوري بإعلان أسبوع البراءة في العراق الذي يدعو للبراءة من الخلفاء الثلاثة لخلق نزاع طائفي في العراق والكويت ولبنان والبحرين، لكن لم يتمكنوا من تصدير أسبوع البراءة إلى سكان المنطقة الشرقية من المملكة العربية السعودية من أجل ممارسة نفس تلك الطقوس علانية التي ستؤدي إلى اصطدام بالمكون السني وببقية المكونات الأخرى ولن تقبل الدولة ممارسة مثل تلك الطقوس الصدامية.
كما تم توسيع ظاهرة إحياء عاشوراء إلى مدة شهرين محرم وصفر لتشمل فاطمة الزهراء وزينب بنت علي وفاطمة بنت خزام زوج علي بن أبي طالب المعروفة بأم البنين والدة الحسين والعباس، ثم توسعت لتشمل وفاة سلمان الفارسي وعمار بن ياسر.
لم يكتف الحرس الثوري بنقل ظاهرة الإحياء إلى العراق بل نقلت إليه نزعة الخرافة التي بدأت تطغى على تيار الشيرازي التقليدي نفسه الذي كان مخصصا للمنطقة العربية , والخادم الأمين للحرس الثوري الإيراني، والخطير أن تحولت نزعة الخرافة إلى حركة اجتماعية واسعة، وباتت منغمسة في تطوير خطاب شيعي مفعم بكل أشكال الطقوسية والغيبوية، وهو مخالف تماما لما يدور في إيران من إنتاج تشيع إصلاحي على المستوى الفكري وثوري على المستوى السياسي.
هدف الحرس الثوري في المنطقة العربية خصوصا في العراق وسوريا ولبنان زيادة الرصيد الشعبي التابع للحرس الثوري حتى ولو كان على حساب العقيدة الشيعية التي تعرضت لعملية طقسنة واسعة النطاق إلى القدر الذي أضفى على التشيع طابعا غنوصيا أقعده عن إنتاج الأفكار الثورية الخلاقة وهو ما يجعل تلك الشعوب وتلك الدول أسيرة لإيران وبشكل خاص للحرس الثوري الذي يقوده قاسم سليماني.
بل راح الحرس الثوري الإيراني يوغل في استدراج الشيعة العرب نحو المزيد من الممارسات الطقسية التي وضعت لها عناوين من أهمها إحياء الشعائر التي لم تعملها أشد الجماعات الشيعية غلوا عبر التاريخ، فظهرت طقوس جديدة مثل المشي على الجمر أو حتى الزحف على البطن والمشي على الزجاج ولم يرحم حتى الأطفال من ممارسة نفس الطقوس، بل استحدثت طقوس ما لم يخطر على بال الحرس الثوري نفسه.
حتى أصبح التنويريون من الشيعة في حالة صدمة منهم من حاول أن يوازن من أجل التماهي بعناوين مواربة من المسايرة حتى لا تضيع مصالحهم، وخصوصا حزب الدعوة وحزب الله فأصبح الغيبي والخرافي والخيالي بضاعات رائجة في الساحة الشيعية، فلم يكن من عالم الدين الشيعي سوى الصمت حفاظا على مصالحه أو المواجهة خصوصا عندما يصرحوا بان ليس كل ما يتم باسم الحزن على الإمام الحسين رضي الله عنه هو دين أو يحقق غايات دينية وتقرب إلى الحسين.
تسببت هذه الظاهرة التي يقودها الحرس الثوري هو وأذرعه في المنطقة العربية إلى نزوع جمعي للخرافة، سهل للحرس الثوري توظيف فصائل شيعية عراقية ولبنانية للحرب في سوريا تحت ذرائع وحجج واهية منها حماية المقدسات ومحاربة داعش والتكفيريين وجزء من محور المقاومة.
نجح الحرس الثوري في تشكيل مليشيات تصنف أو تنتمي لتراث الغلو والإرهاب ما سهل المجتمع الدولي من وضع حزب الله والنجباء فصيلين على لائحة الإرهاب الدولي.
نجح الحرس الثوري الإيراني في جعل الطقسنة من أن يدرج تلك المليشيات في إطار المقدس، ووضع الجميع أمام اختبار الإيمان والولاء لآل البيت وبالطبع الولاء للحرس الثوري الذي يدعي حراسة آل البيت وهي تورية مبهمة، وهي ما تعبر عن أزمة وعي جمعي بسبب نزوعه نحو تأكيد الهوية الشيعية في شكلها التبعي.
أيضا نجح الحرس الثوري في طقسنة التشيع العربي ودرجه في إطار المقدس، وبحسب طقوس الشيعة من يعارض إحياء تلك الشعائر وتلبية أمر الواجب سوف تلاحقه تهمة عدم الولاء لآل البيت، بل معاداتهم لآل البيت، وهم بذلك يريدون إضفاء مشروعية دينية على ممارسات طقسنة تلك الشعائر وربطها بعاطفة ديينة غيبوية منفصلة عن العقل والواقع لتعزيز التبعية لهم والانقياد للأوامر وتنفيذ كل ما يطلب منهم باعتبارها جزء من الطقوس الدينية.
حتى أصبحت هناك ثورة طقوسية عند الشيعة العرب مقابل ثورة سياسية عند الشيعة الإيرانيين باعتبار أن التشيع نبتة عربية أصيلة وأن العراق كان عبر التاريخ مرتعا لحركات الغلو التي انتقلت إليه تراث الميتافيزيقي الغنوصي التي تؤمن بالأفكار الباطنية وتمجد الفلسفة الوثنية وتهمل فكرة الوحي الإلهي كأساس لكل معرفة دينية أتت من إيران التي هي بين الخرافة والثورة لكن البارز فيها أن الخرافة مغلفة بثورة الحسين لم يكن في التشيع العربي.
تحول التشيع العربي إلى مأوى للخرافة وحياكة القصص والكرامات التي تتحدث عن حضور الزهراء في المجالس ومشاركة المهدي في عزاء الحسين الذي أعاد إحياء التراث الروائي الشيعي المهلهل وإحياء تراث المغيبات والخوارق والكرامات فقط من أجل احتواء الشيعة عموما داخل مجال عاطفي يتم التحكم بهم وتسييرهم المسيرة التي يراد لها.
فالتشيع العربي الذي يتولاه الحرس الثوري لن يصنع ثورة عند العرب بل يصنع التخلف ويخلق الاستبداد وتنتشر بينهم دائرة الفساد، بينما حدث العكس في إيران في المجال الشيعي الإيراني أمثال مهدي الخالصي وعلي شريعتي والخميني نفسه ومرتضى مطهري ومحمد باقر الصدر ومحمد حسين فضل الله حاولوا جميعا التخلص من الطقسنة وصنع ثورة سياسية وحتى دينية.

لا تعليقات

اترك رد