ماذا عن النَّقد ؟


 

عندما أقرأُ نصَّاً شعريَّاً ، أنا كقارِئٍ ؛ أخلعُ عنِّي عنجَهِيَّتي الفرديَّةَ ، وعصبيَّي القََبَليَّةَ ، وتعصُّبي ، وأيديولوجيَّتي ، وأُعلِّقها كلَّها على الجدارِ ، وأتنَقَّلُ فيهِ عارِياً إلَّا من إنسانيَّتي ونقائي الرُّوحيِّ ؛ حتَّى أستطيعَ أن أتلمَّسَ مواطِنَ الجمالِ الخلَّاقِ فيهِ ، وأتبيَّنَ هواجِسَ هذهِ الذَّاتِ التي عَرَكتْها الحياةُ بكُلِّ متناقضاتِها ، ودعَتُني بكُلّ طِيْبِ نِيَّةٍ إلى مائدتِها على قَدْرِ ما تيسَّرِ لها .
وعندما أُلَبِّي هذهِ الدعوةَ الكريمةَ ؛ أستَحْضِرُ كلَّ أدواتي ، وثقافتي ، وإحساسيَ العميقَ ، لأشكرَ صاحبَها على ثقتهِ بي ومُشارَكَتِهِ لي بقِطْعةٍ من رُوحِهِ .

يقولُ زيجمونت باومان* ( ﻭﻟﺪ ﻳﻮﻡ 19 ﻧﻮﻓﻤﺒﺮ 1925 – 9 ﻳﻨﺎﻳﺮ 2017 ‏) : ” كانتِ الحداثةُ في المئةِ عامٍ الماضية تعني محاولةَ الوصولِ إلى حالةٍ نهائيَّةٍ من الكمالِ . أما الآنَ ؛ فإنَّ الحداثةَ تعني عمليَّةَ تحسينٍ وتقدُّمٍ لا حدَّ لها ، من دونِ رَغبةٍ في وجودِ مثلَ هذهِ الحالة “.
توصَّل جلجامشُ ، منذُ ألافِ السنينِ ، إلى هذهِ النتيحةَ ، ولم نعتبرْ منهُ ، ولم نقرأْ من رحلَتِهِ سوى عبثيَّةِ الرِّحلةِ ذاتها ، رغمَ أنَّنا نكرِّرُها آلاف المرَّاتِ يوميَّاً ، ونصلُ لنفسِ النّتائجِ ، ونُمْعِنُ في تكرارِها !.
في كلٍّ منَّا يعيشُ هذا الجلجامشُ الصغيرُ النَّزقُ ، جلجامشُ الرَّافِضُ لإنسانيَّتِهِ ، جلجامشُ اللَّاهثُ خلفَ فكرةِ الكَمالِ المُطلَقِ ، النَّاظرُ إلى البعيدِ البعيدِ ، فلا نرى مفرَدات الجمالِ البسيطةَ المُحيْطةَ بنا في كلَّ اتِّجاهٍ .

في معظمِ القراءاتِ النقديِّةِ المعاصرةِ التي تسنِّى لي مطالعَتَها ؛ تجلَّتْ أمامَ ناظريَّ الروحُ الجلجاميَّة في حالتين ، حسْبَ علاقةِ النَّاقدِ بالشاعرِ للأسفِ الشديدِ :
فعندما يتقارب الناقدُ معَ الشاعرِ شخصيَّا أو فكرِيَّاً ؛ ينتصرُ الشعرُ ويبلُغُ حالةً من الكمالِ المطلَقِ ، في رحلةٍ وهميةٍ ، فيجيِّشُ الناقدُ كلَّ جيوشِ المفردات والخيالِ لمحاصرةِ القارئَ من كلِّ اتجاهٍ وإرضاخهِ لفكرةِ هذا النَّصرِ المؤزَّر !.
أما في حالةِ التباعُدِ بينهما ؛ فيتحَوَّلُ النَّاقدُ إلى حارسِ غاباتِ الأرزِ ، ويتضخَّم ُ ، ويجيِّشُ كلَّ جيوشِ المفرداتِ والخيالِ ، وكافَّةَ أصنافِ الأسلحةِ ، لتدميرِ النصَّ ، ومخاصرةِ القارئَ من كلِّ اتجاهٍ ، لشيطنةِ النصَّ والناصَّ ، وتدميرهما معاً. حتى أشعُرَ في قرارةِ نفسي كقارئٍ ؛ أنَّ الناقدَ لو تسنَّى لهُ الأمرُ لأفرَغَ في رأسِ الشاعرِ مشطاً كاملاً من مسدَّسهِ !.

هذا من الناحيةِ السَّيكولوجيَّةِ ، أمَّا من الناحيةِ الفكريَّةِ والفنيَّةِ ؛ فقد حافظَ الناقدُ على ذاتِ الأدواتِ القديمةِ الباليةِ في تشخيصِ النصوص ومعالجتهِا ، تشخيصاً حدثاويَّاً ومابعدَ حداثَويٍّ ؛ تماماً كالطبيبِ الذي يمتلكُ أدواتٍ من القرونِ الوسطى ، ويُجري عمليَّاتٍ تطلَّلبُُ الدقَّةَ العاليةَ ، وأدواتٍ حديثةً ومعاصرةً
؛ لذلك سيموتُ المريضُ على سريرهِ الخشبيِّ المهتَرئِ .

فأينَ نحنُ من النقدِ الباني ، النقدِ القارئِ المستكشفِ ، النقدِ الجميلِ ، الباحثِ عن الجمالِ في أدقِّ التفاصيلِ ، بعيداً عنِ الشَّططِ والتَّهويلِ ؟!.

_________________________

* _ ﺯﻳﺠﻤﻮﻧﺖ ﺑﺎﻭﻣﺎﻥ ‏( ﺑﺎﻟﺒﻮﻟﻨﺪﻳﺔ : Zygmunt Bauman ‏) ‏( ﻭﻟﺪ ﻳﻮﻡ 19 ﻧﻮﻓﻤﺒﺮ 1925 – 9 ﻳﻨﺎﻳﺮ 2017 ‏) ﻋﺎﻟﻢ ﺍﺟﺘﻤﺎﻉ ﺑﻮﻟﻨﺪﻱ . ﻣﻨﺬ ﺍﻟﻌﺎﻡ 1971 ﺍﺳﺘﻘﺮ ﻓﻲ ﺇﻧﺠﻠﺘﺮﺍ ﺑﻌﺪ ﻣﺎ ﺗﻢ ﻃﺮﺩﻩ ﻣﻦ ﺑﻮﻟﻨﺪﺍ ﻣﻦ ﻗﺒﻞ ﺣﻤﻠﺔ ﻣﻌﺎﺩﺍﺓ ﺍﻟﺴﺎﻣﻴّﺔ ﺑﺘﺮﺗﻴﺐ ﻣﻦ ﺍﻟﺤﻜﻮﻣﺔ ﺍﻟﺸﻴﻮﻋﻴﺔ ﺍﻟﺘﻲ ﻛﺎﻥ ﻳﺆﺩﻳﻬﺎ ﻣﺴﺒﻘﺎً . ﺑﺮﻓﺴﻮﺭ ﻋﻠﻢ ﺍﻻﺟﺘﻤﺎﻉ ﻓﻲ ﺟﺎﻣﻌﺔ ﻟﻴﺪﺯ ‏( ﻭﻣﻨﺬ ﻋﺎﻡ 1990 ﻡ ﺃﺳﺘﺎﺫ ﻣﺘﻘﺎﻋﺪ ‏) ﻋُﺮﻑ ﺑﺎﻭﻣﺎﻥ ﺑﺴﺒﺐ ﺗﺤﻠﻴﻼﺗﻪ ﻟﻠﻌﻼﻗﺔ ﺑﻴﻦ ﺍﻟﺤﺪﺍﺛﺔ ﻭﺍﻟﻬﻮﻟﻮﻛﻮﺳﺖ، ﻭﺃﻳﻀﺎً ﻣﺎ ﻳﺘﻌﻠﻖ ﺑﺎﻟﻤﺬﻫﺒﻴﺔ ﺍﻟﻤﺎﺩﻳﺔ ‏( ﺍﻻﺳﺘﻬﻼﻛﻴﺔ ‏) ﻟﻤﺎ ﺑﻌﺪ ﺍﻟﺤﺪﺍﺛﺔ

لا تعليقات

اترك رد