مآسي التاريخ – ج2

 

إن الطابع الغالب الذي شهذته المجتمعات العربية هو طابع الغش والتزييف في كل شيء فكان مفهوم الدولة الوطنية مفهوم اصطنع لمناهضة مفهوم الأمة، والوحدة الوطنية لم تكن مبنية على أسس منطقية وصلبة فمسها التزييف كذلك، والإعلام الرسمي كان ضربا من ضروب الخدع التي أتقنها النظام السياسي، كما سادت الاحتفالات الرسمية كل أنواع الخداع والنفاق والخطابات السياسية كانت هراء يجب التصفيق لها.

فلم تكن الانتخابات في هته الظروف إلا تزييف لإرادة المجتمع كل بضع سنين ووقاحة لا مثيل لها، خلقت ردود أفعال مختلفة دفع ثمنها الكثير من شرفاء المجتمع العربي، كما أدت إلى ظهور مشاعر عدوانية مكبوتة قابلة للانفجار في أي لحظة وهو ما حدث بالفعل. فقد تغذى الشعب العربي طيلة عقود من نهر الإحباط وظل عاجزا رغم الانتفاضات المحدودة هنا وهناك، فغاب الإعلام النزيه والعدالة الإجتماعية والإخلاص والقيم والمبادئ. وبذلك ظلت الانتخابات ولعقود عملية إعادة إنتاج الإستبداد وفرضه قسرا بمسميات وإعلانات مختلفة، فيغني العامة للقائد ويتمنى له طول العمر ليكون أكثر استبدادا من سابقيه.

فالشعب العربي كان يعي أنه يتم الاستخفاف بذكائه أثناء كل عملية سياسية وفي مضمونها هناك استخفاف بحقوقه، ولأنه لا يستطيع المواجهة أو مقاومة الفكر السائد فهو ينمي ازدراءه لنفسه ونقمته على النخبة السلطوية. وحين تتكرر هته العمليات يدخل الفرد العربي في دوامة من احتقار النفس وهو احتقار يولد عنفا مضادا عرفته بعض المجتمعات طيلة سنوات الإستبداد.

فكل هته المآسي التي عاشها العرب جعلت الإنسان العربي يحمل صورة قاتمة عن نفسه وغذتها الكثير من المقارنات مع شعوب صنعت لنفسها مكانة بين الأمم، وكرستها أيضا النرجسية المرضية لكثير من الزعماء الذين استولوا على كل الصفات وجعلوا من أنفسهم رسلا وشخصيات لا يمكن أن تتكرر أبدا زاد هذا المرض خضوع الكثير من الناس لخطاباتهم وبرامجهم الفارغة.

فعنف الدولة الظاهر والباطن ولد العديد من الشعور السلبي الوجودي والمعاناة اليومية للإنسان العربي، ترتب عنه أمراض نفسية وخيبات أمل وفقدان الثقة في التغيير وأصبح حلم التغيير يصطدم دوما بفكرة أن الأفراد سيتغيرون لكن النظام سيظل هو نفسه.

وحتى الانتفاضات التي سادت المجتمع العربي لم تكن في حد ذاتها ثورات منتجة ومحلية بقدر ماكانت إكراهات مرحلية أملتها التحولات الدولية والإقليمية والحرب الباردة، فالثورة المنتجة تكون نتيجة طلب داخلي مدعوم بالثقة في التغيير الداخلي وبالفكر الجماعي للشعب.

أضف إلى ذلك غياب الحلم الجماعي الذي يصهر مختلف أطياف المجتمع والدولة والأمة في طريق واحد هو طريق الحرية والإنعتاق وإرساء مبادئ العدالة الإجتماعية، وإلا تكون النتيجة كارثية تتمثل في تفشي الشعور بالإحباط الجماعي يؤدي بطريقة مباشرة إلى تكوين دات جماعية هشة قابلة للاستغلال محليا ودوليا وهو ما شهدته العديد من الأقطار العربية حين حاولت التخلص من الإستبداد فدخلت في متاهات سياسية واجتماعية لا مخرج لها، مما أدى إلى دمار وحروب عدة أعادت الشعوب العربية قرونا إلى الوراء بسبب مؤامرات خارجية وداخلية.

فالدولة العربية المعاصرة لم تنتج قانونا محليا قادرا على تنظيم العلاقات بين الأشخاص والمؤسسات، لقد تم تسطير دساتير وقوانين نصفها مستمد من القانون الديني والآخر من شرائع بعض الدول الأجنبية. فالقانون لم يحترم لا من طرف الأشخاص ولا من طرف المؤسسات وهذا ما يفسر الفوضى التي قامت داخل المجتمع، فكان البقاء للأقوى وساد قانون الغاب الكثير من المجتمعات العربية.

لا تعليقات

اترك رد