حديث عن الجوهر في الفن والجمال

 

“ليست هناك حقائق، هناك تأويلات”

فريدريش نتشه

إن الأعمال الفنية البصرية تثيرا انفعالا خاصا مشتركا بينها، فنحن نبدي نفس المشاعر أمام لوحة أو منحوتة أو معمار أو عمل فني من أعمال الحفر. وهذا الانفعال يسمى “الانفعال الإستطيقي” Emotion esthétique. انطلاقا من هنا أتساءل كيف كان انفعال صديقي الطبيب، الذي رفض رفضا باتا فتح أي حوار حول الفن التجريدي، بدعوى، حسب اعتقاده، أن هذا النوع من التعبير الجمالي لا يصل أبدا إلى مستوى الفن التصويري L’art figuratif، كيف كان انفعاله وهو يؤثث عيادته ويرتب أشياءها ويختار ألوانها ويصفف أحجامها؟ ألم يكن لديه، سابقا إحساس أو انفعال إستطيقي، مبني على تصورات غير عيانية، دفعه إلى التعبير عن اختياراته؟

إن رفض الطبيب الأعمال التجريدية وتغاضيه النظر إليها وتفاديه الحديث حولها ساهم في عملية الخنق التي تعرضت إليها مشاعره اتجاه أي حساسية جمالية سبق وأن تكونت لديه. فهو يكبح جماحها ولا يسمح لها بالتظاهر والتعبير عن ذاتها، ولا يترك لوعييه المجال كي يتفتق فيكشف عن الحس المرهف، الضامر الكامن في أعماقه. ربما أن أحاسيسه أضحت مكبوتة بسبب الاستعمال الدائم للعقل.

فصديقي الطبيب يعد من ذوي الفطنة والفكر اللبيب والذكاء الحصيف الحاملين، رغم ذلك، لحساسية قليلة، تجعل ذائقتهم مغتربة وسط محيطها. “إن هذا الاغتراب الذي يعاني منه الوعي المعاصر نتيجة طبيعية لهيمنة اسمية العلم الحديث وتغلغل المنهج العلمي في نظرتنا للعالم”. الحقيقة أن التجربة الجمالية التي يعيشها صديقي الطبيب تشكل لديه نوعا من الاستلاب.

من خلال الحديث الذي جرى بيننا، استنتجت أنه لم يتوصل بعد، رغم تكوينه العلمي، ودرجة دكتوراه الاختصاص الطبي التي تُوِّج بها تكوينه، ومُقامه الطويل بأوروبا، لم يتوصل بعد إلى إدراك الصفة الجوهرية التي تساعده على تمييز الأعمال الفنية من الأشياء العادية. وهذه ظاهرة يتقاسمها الكثير من كبار المثقفين عامة. كلنا نصف الأشياء التي تعرض علينا بأنها تنتمي إلى “عالم الفن”، فنضع تصورا لتصنيف ذهني يمكننا من تمييز الأعمال الفنية عن باقي الأشياء الأخرى، لكن حقيقتنا تبين أننا لم نتوصل إلى استنباط الصفة الجوهرية التي يحملها العمل الفني، والتي تتقاسم وجودها مع صفات أخرى. ربما قد يثار التساؤل حول ماهية هذه الصفة الجوهرية التي يتأسس عليها جوهر العمل الفني. وحتى لا نذهب بعيدا، نلتمس الجواب عند (هايدجر): ” الأصل يعني هنا من أين وبماذا يكون هذا الشيء وما هو وكيف هو. هذا الذي يكون عليه الشيء وكيف هو، نسميه جوهر”.

هل يجوز اعتبار العمل الفني شيئا؟ مرة أخرى، يمدنا (هايدغر) بجواب قد نجده مقنعا نوعا ما: ” عندما ننظر إلى الأعمال الفنية كما هي في حقيقتها الأصلية ولا نحاول مخادعة أنفسنا، يتضح لنا عندئذ أن الأعمال الفنية موجودة بشكل طبيعي كما توجد الأشياء العادية(…) لكل الأعمال الفنية هذا المظهر الشيئي”.

إن “مخادعة أنفسنا” بعدم إدراكنا ل”لحقيقة الأصلية”، أي الصفة الجوهرية للعمل الفني تدفعنا للاعتقاد أن أي تركيب تشكيلي يعتبر فنا، سواء كان رسما أم لوحة أم نحتا…

إن للعمل الفني “صفة مفردة ومحددة لا يمكن أن يوجد بدونها (…)، وإذا حاز عليها أي عمل فستكون له بعض القيمة على أقل تقدير”. ولن تكون الصفة الجوهرية المميزة مشتركة مثلا، بين لوحة فنية لكلود موني أو بيكاسو أو دالي هي نفسها التي تحملها لوحة أنجزها طالب بمعاهد التكوين الفني، أو رسام فاقد للحذق والمهارة، يظن نفسه فنانا. لا شك أن كلامي هذا سيثير فضول القارئ ويستحثه ليتعرف على هذه الصفة التي نحن بصدد الحديث عنها. فالجميع يبتغي معرفة الصفة المشتركة بين الأعمال الفنية والتي بموجبها تثار لدينا انفعالات إستطيقية. لقد وضح هذه المسألة الإشكالية الناقد الإنجليزي (بل كلايف) من خلال نظريته النقدية المبنية على ما أسماه (الشكل الدال) la forme signifiante.

إن الشكل الدال المشترك بين اللوحة والمنحوتة والمنمنمة والمسجد والكنيسة والأواني الخزفية والسجاد والجداريات وروائع الفن الكلاسيكي والانطباعي والتجريدي…يتأسس على “خطوط وألوان تتضام بطريقة معينة، بحيث أنها تثير انفعالات إستطيقية”. والشكل الدال هذا هو ما أطلق عليه الباحث الجمالي ألكسندر ببادوبولو (عالم الفن المستقل) Le monde autonome de l’art، في قراءته وتحليله لجمالية الفن الإسلامي.

انطلاقا مما جاء في العبارة الأخيرة، يثار تساؤل أَعُدُّه جوهريا، حول الصفة المشتركة أو الشكل الدال ومدى قيمتها، وكيف لها أن تجعلنا نميز بين عمل فني مُكرَّس جماليا ومعترف به تاريخيا كأثر فني من التراث الإنساني، وآخر يحمل أشكالا دالة لكنها ناسخة لتيارات ومدارس فنية معينة؟ أعمال عوض تميزها بشكل دال فهي تحمل “علاقات دالة للشكل” فقط. فهي منجزات تثير إعجابنا دون أن نعدها أعمالا فنية. “إنها تروقنا وتطرفنا وقد تحركنا بمئة طريقة متنوعة، عدا أن تحركنا إستطيقيا…فهي لا تمس انفعالاتنا الإستطيقية. ذلك لأن ما ينالنا منها ليس الشكل بل الأفكار التي يقترحها الشكل أو المعلومات التي ينقلها”.

كم منتوج يظنه الكثيرون عملا فنيا، لكن حقيقته تجعله يفتقر إلى أن نصنفه كذلك. فشكله “لا يستخدم كموضوع للانفعال، بل وسيلة لاقتراح انفعالات والايعاز بعواطف، وهذا يكفي وحده لجعله تافها”.

يذهب الناقد بل كلايف بعيدا، ربما إلى درجة المبالغة والإفراط حينما يساوي بين التصوير الوصفي(…) وأعمال فناني المستقبلية الإيطالية Le futurisme italien، الذين في نظره، شأنهم شأن الفنانين الأكاديميين، “يستخدمون الشكل لا ليبثوا انفعالات إستطيقية، بل ليوصلوا معلومات وأفكارا”. والحق أن بعضا من أعمال فناني المستقبلية الإيطالية، كأعمال فئة من فناني الاتجاهات الحديثة تفقد شكلها الدال وبالتالي تجدها لا ترقى إلى مستوى الأعمال التي تثير في المتلقي انفعالات جمالية، فتحيطها بهالة من الانبهار قد يصل إلى درجة الصدمة. فهم “لا يقصدون من الشكل أن يعزز الانفعال الإستطيقي بل أن يوصل معلومات”، أي يكون تمثيليا Représentatif، لجانب من جوانب الحياة العامة. “إن التمثيل ليس موبقا بالضرورة، وليس هناك ما يمنع أن تكون بعض الأشكال البالغة الواقعية هي أشكال بالغة الدلالة. إلا أنه في أغلب الأحوال يكون التمثيل علامة ضعف في الفنان. فمن دَأْبِ الفنان الذي لا يقوى على خلق أشكال قادرة على إثارة انفعال إستطيقي كبير أن يتحايل على ضآلة ما يثيره باللجوء إلى انفعالات الحياة. وهو لكي يثير انفعالات الحياة فلا بد له أن يستخدم التمثيل”. إن انفعالات الحياة هي ما غمر قلب صديقي الطبيب وأحاط بصره بغشاوة العيني حتى وجد اللوحة التجريدية عسيرة الفهم، وهدفها قَصِي المرمى.

ترى أين يكمن التجريد وعسر الفهم، في العلوم البحتة الدقيقة، التي هو من أهلها، كالطب والرياضيات والكيمياء، أم في تجريد اللوحة ذات الأشكال والألوان “المتضامة وفقا لقوانين ضرورية بعضها واضح وآخر مضمر، كفن بحت له دلالته الهائلة الخاصة به ولا علاقة له من قريب أو بعيد بدلالة الحياة”؟

هوامش:

– مارتن هايدغر، أصل العمل الفني – ترجمة د. أبو العيد دودو، منشورات الاختلاف، الجزائر، ط.1، 2001.

– هشام معافة، التأويلية والفن عند هانس جيورج غادامير، منشورات الاختلاف، الجزائر، ط.1 2010.

كلايف بل، الفن، ترجمة عادل مصطفى، رؤية للنشر والتوزيع، القاهرة، ط.1، 2013

لا تعليقات

اترك رد