الوطن والتاريخ – ج3 القضية الكردية

 

القضية الكردية

المقدمة لهذا المقال جاءت من رؤيتي الخاصة لمقالة الاستاذ غسان العسافي في مجلة الصدى عن موضوع الازمة العراقية الكردية الشيعية السنية إلى أين…؟؟

في البداية أقول:
نعم..

أن ما يحصل في المنطقة التي يسكنها الاكراد في شمال العراق من نزاع وصراع ما هو إلا خلاف وتصفية حسابات بين الشركاء اللذين ساهموا في تدمير البلد وسهلوا إحتلاله في عام 2003 وتمكين العنصرية الاسرائيلية من النفاذ الى اعماق جديدة في المجتمع العراقي.

لقد كان من الممكن للنظام في العراق بعد إزاحة الدكتاتورية، أن يستوعب الاكراد والعرب وغيرهم من الفئات والطوائف في الفسيفساء العراقي، وكانت هي الفرصة المثالية في حل كافة المشاكل العالقة في هذا البلد.

ولكن ما ناسف له، أن الذي تربع على سدة الحكم نسفوا كل الجسور وخانوا شعبهم لانهم عصابات ومجموعات منتفعة من الجهلة وقطاع الطرق، أداة طيعة بيد المحتلين وخاصة إيران وأعوانها تحت مظلة وحماية أمريكا وبريطانيا والشلة الاوربية والمنافقين من العرب والمنتفعين من الدول الاخرى، وأن ما يحصل في شمال العراق اليوم هو المستهدف منذ فترة طويلة ونقول هو تحصيل حاصل لانه مدفوع الثمن، وهو نتيجة للضعف السياسي والجهل والتخلف ادى الى خيبة في القرارات وفي التوقيت…!

لقد كانت المطاليب في غير وقتها، فاصبحت ورقة محروقة فعلا لتوقد أي قِش تلعب بها دول ومخابرات أجنبية كي ينشب الحريق والاقتتال بين الاطراف المتصارعة لتأكل الاخضر واليابس، وعند فشل المحاولة أدى إلى خسارة الاكراد لكل مكاسبهم وما حققوه خلال العقود الماضية.

الذي نراه في ظل ما معلن محليا من مجموعة الافاقين وما معلن إقليميا ودوليا مطالب غير منطقية ولا زالت غير قابلة للتطوروحتى المواقف الكردية المعلنة اليوم غير قابلة للتطبيق..!

وإذا لم يستجد شيئا على الموقف العام لكل الفئات…، ستظهرمشاكل كبيرة وتدخل منعطفا خطيرا تعمل لغير صالح الاكراد.

أن المطروح اليوم من وجهات النظرالصادقة وأن كَثرت، تتفق على مداراة هذه القضية، لغرض تحجيم الازمة وعدم ضياع الحقوق، لذلك إستوجب التعامل مع القضية الكردية بالتركيز على نقطتين أساسيتين لها تأثيرا كبيرا في لملمة كل الأطراف على كلمة واحدة.

النقطة الاولى:

اذا أردنا أن يسير الشعب الكوردي مع العالم المتحضر ويلحق بالتطور الفكري المعاصر، ينبغي وقبل كل شيء أن يعود إليه الشعور الوطني والانتماء ورغبته في التعايش مع جميع الأطراف في المكان والزمان، بمعنى… أن نأخذ نتائج السلوك

والتصرف الفكري على الساحة ليكون في سياق واحد غير متحييزولامنعزل ويتقبل الاجتهادات في كشف الاوراق دون تسفيه أحد، وبعكسه يتشتت المبدأ وتتشعب طوائفه مما يسهل التفكيك وضياع القضية الكردية برمتها.

النقطة الثانية:

إن النقطة الثانية مرتبطة بنتائج سلوك النقطة الاولى، بعد إضافة مبدأ الانفتاح والتسامح وهو أساسي في نجاح الأكراد في لملمة كل الأطراف على كلمة واحدة.

المعروف أن أي فكر قومي يحتاج إلى مناصرة…، ويحتاج إلى حوارناجح…، يتم على يد نشطاء ومفكرين إيمانهم الاول والأخير الانتماء…، مع شعور وطني عالي هدفه التعايش على أساس المشاركة في إنشاء الدولة العصرية لتضم الجميع. لان المبدأ الاساسي لكل فكر يعتبر دائما مركز قوة، يوظف الفكر كله في البداية حتى يضيف خدمة إلى المجتمع وتحقيق مصلحة الشعب العامة من جميع الطوائف وبدون تمييز.

أن الدولة العصرية لها زمن…، وسوف ترى النور رغم أنف الطائفية المقيته والعنصرية الخبيثة، الطليعة من الأكراد هم أصحاب فكر ومبدأ ومن يتعمق ويفهم الاساسيات وتطلعات المتنورين منهم سيتمسك بهم لا محالة.

اليوم نحن في العراق في أمس الحاجة إلى جهود المخلصين من كافة الاطياف وبدون إستثناء لبناء الدولة الفتية ، وباعتقادي أن

كل من له تاريخ في المعايشة والمشاركة في هذا البلد يفهم هذا المعنى ويفهم ضرورة إنشاء الدولة العصرية.

نحن نحتاج المصححون إلى تغيير المفاهيم لكي تتماشى مع المتغيرات السريعة، ينبغي أن لا نهمش أي عنصر من عناصر المجتمع، بل نتمسك به لتقويم مسيرة التغيير، وعلى هذا الاساس نحتاج إلى زيادة في الوعي السياسي.

أن الذي يجري حاليا من مشاريع مؤسفة لتفكيك الامم في الشرق الاوسط، وما يلحقه من تغيرات ديموغرافية…، هي في حقيقتها مشاريع قصيرة الامد لإنها لا تحمل عناصر الديمومة، وهي فاشلة جدا وآثارها على مخططيها ستكون أسوء من آثارها على منفذيها، وكلما زاد تنوير العقول كلما سارع بفشل هذه المشاريع مهما وضع لها من قوة ومساندة فهي تزول لان الشعوب عندما تتحرك تكسح وتمسح.

ومن هنا نعود ونقول :

أن الدولة العصرية تضع في مقوماتها الاولى الاستقرار…ثم تؤمن الحريات للجميع، وتفرض إحترام القانون، وتحمي بناء الانسان الجديد لكي يسخر كل طاقاته الحية لخدمة المجتمع، وضمن دستور واضح في بنوده يحميه ويحقق طموحاته، ولا يستثني أحدا و لا على حساب احد.

ولكن ..!

هل يمكن لهذا البناء أن يتم ما لم تتكاتف جهور أبناءه البررة…؟

نحن نسمع ما يطفوا على الساحة اليوم الكثير من الكلام الزائف بحق العراقيين اللذين ينتمون الى هذه الارض، الاكثرية منهم لا يدركون إن التسميات ليس لها معنى، فالمواطنة والانتماء الى الارض هي الاساس في التعامل بين أبناء البلد الواحد.

ولو عدنا إلى التاريخ وبوقفة قصيرة وتصفحناه…، سنرى ما يجري في القرون السالفة تغيير جذريا في هذا القرن…!

أن الامبراطوريات كانت تجمع أكبرعدد ممكن من الدول تحت لوائها للسيطرة على موارد ها والاستفراد بمنافعها، لقد إستخدم دهاة السياسة هذا المبدأ وإستثماره في القرن الثامن عشر والتاسع عشر كمشاريع وأعدوه شعارا للقوة والسيطرة على موارد هذه البلدان، لما تحويه من الموارد الطبيعية التي خدمت عجلة الثورة الصناعية لاحقا.

وبعد حقبة من الزمن إنحسرت هذه الفكرة وتبنوا فكرة تفتيت هذه الامبراطوريات إلى دول صغيرة ثم إلى دويلات اصغر.

لقد كان ظهورمشروع سايكس بيكو البغيض في تقسيم الدول ووضع لها المسميات، خبثا سياسيا لكي تنشأ الصراعات فيما بينهما لاحقا مستغلين نوم أهل الدر، وكان العراق أحد هذه المسميات…نعم إنها الكلمة والتحوير العصري الملائم، أوجدوها لغرض طمس التاريخ العريق الذي نعيش فيه فالعراق هو إوروك أولا، وقد ضم كل الاقوام منذ منبع الحضارات .

هكذا وبهذه المسميات أصبحت أدبيات كل دولة ثابته وترسخت عند جيل بعد جيل ثم جعلوا أهله يتقاتلون فيما بينهم ومع جيرانهم ما أن تطأ قدم أي منهم خارج خط الحدود المتفق عليها، لكي ننشغل بالصراعات ونترك المخططين يستخدمون طاقات أهل

البلد لخدمتهم، وظهرت كلمة الاستعمارثم بدئنا نتداولها في أدبياتنا وتعودنا عليها بعد كل فشل في حل معضلاتنا نحن.

هذه هي الحقيقة المرة والتي يدركها المتنورين اليوم من أهل العلم والمعرفة.

ولكن إذا استمر إنتشار الجهل والتجهيل وإستغلال عواطف الشعب البسيط …سيبقى الجهل السياسي مستفحل بل يتحول إلى غباء في التصرف والسلوك ويقال عنه إننا في غيبوبة.

لابد للحكماء والعقلاء في هذا البلد أن يعوا إلى ما يحاك ضدهم وعلى الخيرين من القيادات الواعدة أن تبادر وتباشر بلم الصفوف وإبعاد الافاقين الجدد اللذين ضيعوا البلد وشتتوا المجتمع…، الجلوس إلى طاولة الحوار ولملمة المتبقي قبل أن يسبق السيف العذل.

لا تعليقات

اترك رد