كنتم……!!! خير أمة أخرجت للناس


 

في 11 مارس 2014، هزت سلسلة من التفجيرات المتناسقة محطة قطارات أتوشا في مدريد، أدت إلى مقتل 191 شخص وإصابة 1755، في 7 يوليو 2005 قتل 50 شخصا وأصيب 700 آخرين في سلسلة من التفجيرات التي استهدفت قطارات الأنفاق في مدينة لندن، قام خلالها أربعة من المتشددين الإسلاميين بتفجير أنفسهم.. وفي يوم 11 ديسمبر 2010 انفجرت قنبلتان في ستوكهولم، وفي يوم 2 مارس 2011 قام أحد المتشددين الإسلاميين باطلاق النار داخل مطار فرانكفورت بألمانيا، وخلال الفترة بين 11ـ22 مارس 2012 حدثت عدة هجمات استهدفت جنودا فرنسيين ومواطنين يهود في مدينتي مونتوبان وتولوز الفرنسيتين، وفي يوم 18 يوليو 2012 فجر انتحاري نفسه وسط حافلة تقل سياحا اسرائيليين في مطار بورجاس ببلغاريا.. وفي 24 مايو 2014، قام مسلح بإطلاق النار على المتحف اليهودي في بروكسل، وفي 7يناير 2015 قتل متشددون 12 شخصا في مقر صحيفة شارلي أبيدو بباريس.. ولن أستهلك الأسطر المحدودة المتاحة لي في الإشارة إلى جميع العمليات التي قام بها متشددون إسلاميون واستهدفت مدنا أوربية، فهي كثيرة، ولا يعني هذا أنها الوحيدة، فهناك عمليات ارهابية لم يقم بها مسلمون، لكن أغلبها خرجت عن الإطار الفردي إلى الأيديولوجي، وما يهمنا هنا هي تلك العمليات الإرهابية ذات الدوافع الإسلامية، من يستعرض مجمل هذه العمليات، سيجد الكثير من الوشائج التي تربط بينها، الدوافع، السلوكيات، الخطط، أساليب التنفيذ، والأهم من ذلك لا مبالاة من خطط لها أو نفذها بنتائجها المباشرة على ملايين المسلمين المقيمين في الغرب، ففي اسبانيا مثلا، هناك أكثر من مليون ونصف مسلم تعرضوا بعد تفجيرات مارس 2014 بمدريد إلى مضايقات كثيرة، وكانت نظرات الإتهام والتشكيك تلوح من عيون الإسبان حين يرون مسلماً، وبعد أن كان المجتمع الإسباني يتسم بالانفتاح على الثقافات الأخرى، بدأت تظهر بعض الخطابات المنغلقة والعنصرية.. والأمر ذاته في بلدان أوربية أخرى، وأظهر استبيان للشباب المسلمين في بريطانيا وإيرلندا، تردي مستوى ثقتهم بدينهم، وانخفاض مستوى الاطمئنان تجاه الإسلام حيث وصل إلى 20 % بعدما كانت 44% قبل الهجمات الإرهابية في لندن.. لا أظن أن من يقف وراء هذه العمليات سواء كانت دوافعه دينية أم سياسية غافلا عن حقيقة أن نسبة كبيرة من الشباب اختارت الابتعاد عن الدين، وأن نسب الملحدين في تزايد واضح في أماكن عرفت بالتزامها الديني التقليدي، مثل العراق ومصر الذين يمتلكان حاليا النسبة الأكبر للملحدين بين الدول الإسلامية كافة..
​ من البديهي أن الدول الأوربية ملتزمة بطروحاتها القانونية، لذا فحرية الرأي والمعتقد مصانة، مثلما تصان حرية ممارسة الشعائر الدينية، وهو أمر أحسن المشتغلون بالشأن الإسلامي السياسي استغلاله فأنشأوا مساجد جديدة، وقاموا بتمويل ودعم مساجد قديمة من أجل هدف واحد، هو نشر الفكر الذي يرى أن المسلمين خير أمة أخرجت للناس، وأنهم كانوا ذات يوم يبسطون أيديهم على الشرق والغرب، ولابد لهذا اليوم من عودة، ستقوم الخلافة الإسلامية مرة أخرى ليركع تحت عرشها الغرب والشرق.. ربما سيرى البعض أن في هذا الهدف مبالغة وتهويل، لكن دعونا نتذكر حجم التحشيد والتهليل الذي رافق نجاح داعش في اقتطاع أراض عراقية وسورية أعلنت عليها الدولة الإسلامية في العراق والشام، كخطوة أولى لتوسيع رقعتها كي تشمل مساحات أخرى…
لم تكن قوافل اللاجئين الذين أفرزتهم الأوضاع المرتبكة في سوريا والعراق هي المؤسسة للوجود الإسلامي والعربي في أوربا والغرب بشكل عام، بل هناك هجرات قديمة، لن نتحدث عن أمريكا التي وصلها المهاجرون في نهايات القرن التاسع عشر، بل سنهتم بأوربا التي ما زالت تشهد العمليات الإرهابية، تعود الهجرة إليها إلى أربعينيات وخمسينيات القرن الماضي، وأفرزت اليوم عن جيل رابع من أبناء المهاجرين، شارك المغاربة في القتال إلى جانب الفرنسيين والبلجيك تحت راية الحلفاء في الحرب العالمية الثانية، وعمل الجزائريون والأتراك باجتهاد من أجل تحسين أوضاعهم المعيشية والحصول على قدر كبير من الأمان، وبالتالي المساهمة في بناء أوربا التي تعرضت أغلب مدنها للدمار بسبب الحرب العالمية الثانية، ربما لم يتعرض المهاجرون ثم اللاجئون إلى القسر ليعيشوا في المدن التي اختاروها، لكن الظروف التي دفعتهم إلى هذه المهاجر كانت قسرية، فالظروف الإقتصادية والسياسية والإجتماعية وافتقاد الأمان، أسباب طاردة من البلدان الأصلية.. ويبقى ثمة فرق لا أراه طفيفا بين من جاء إلى أوربا في أواسط القرن المنصرم ومن وصلها في أوقاتنا الراهنة، فقد جاء أولئك محملون بإرث ديني وقبلي واجتماعي، محدودوا التعليم، لا هاجس لهم سوى العمل والنجاح في بناء أسرهم، لم يتمكنوا من الانفتاح بسهولة على مجتمع جديد مختلف، لذا عرف عنهم أنهم كانوا يؤدون أعمالهم بجد وصمت، ويعيشون حياتهم الإجتماعية ضمن تجمعات لجأوا إليها كبديل لما افتقدوه في أوطانهم، فتشكلت ما تشبه الكانتونات، كان أول ما سمعت عنه في المدينة البلجيكية التي اخترتها للسكنى (لييج) هي أماكن التجمعات العربية، (بريسو) أو شارع المغاربة كما يطلقون عليه، درواكس، ثم في مدينة بروكسل أحياء فورست، سانت جيل، مولنبيك، سانت جوس، شيربيك، وجميعها تشكل هلالا فقيرا يحيط قلب العاصمة البلجيكية بروكسل، واعتبرت فيما بعد حاضنات الإرهاب الإسلامي في أوربا، هناك الدائرة 18 في باريس، ومثلها في الكثير من المدن الأوربية، لم يهتم المهاجرون الأوائل اهتماما كبيرا بالجامع لأنهم اعتادوا في قراهم ومدنهم العربية أن يؤدوا صلاتهم في منازلهم، إلا إن الأمر أصبح مختلفا بعد الجيل الثالث من المهاجرين، وتلقفه جاهزا، الوافدون الجدد إلى أوربا سواء كانوا مهاجرين أو لاجئين، ربما لم تكن مشكلة الهوية واضحة لدى الجيل الأول من المهاجرين، لأنه كان منتميا إلى هويته العربية الإسلامية، إلا إن الأجيال التالية التي ولدت على هذه الأرض، اعتبرتها وطنا، ولدت فيه وتعلمت في مدارسه ثم عملت في مرافق العمل المختلفة فيه، وهناك من تزوج من خارج إطاره العرقي أو الوطني، وبدأت تظهر أزمة الهوية بهدوء أول الأمر، لكنها تفاقمت مع تعرض شرائح كبيرة من المهاجرين إلى التهميش، لأسباب ربما يشاركون هم وأسرهم في أغلبها، فأكثر الأسر العربية والمسلمة لم تهتم كثيرا في دفع أبنائها للتعليم ونتج عن هذا اضطرارهم للعمل في الأعمال الهامشية، وتهشم الروادع الاخلاقية والدينية والاجتماعية التي كانت تمنع الجيل الاول من ارتكاب الأخطاء غير القانونية، دفعت الكثير من أبناء الأجيال التالية إلى ممارسات غير قانونية كالسرقة أو تجارة المخدرات أو الاحتيال، فلا غرابة اليوم أن نسبة كبيرة من نزيلي السجون الأوربية هم من العرب والمسلمين، ومن المؤكد أن حوارا داخليا يدور في أذهان أغلب هؤلاء حول مفهوم الخطأ والصواب، وعن واقعهم وما يطمحون إليه، وعبر هذه المنطقة الهشة المرتبكة تسلل الخطاب الديني الذي كان يخفي طموحا سياسيا، خاصة أن الفضاء أصبح مفتوحا للقنوات التلفزيونية ووسائل الاتصال المختلفة، وعلينا أن نتخيل الدائرة التي يدور فيها الإنسان العربي المسلم في أوربا اليوم، تبدأ من المنزل حيث تبث القنوات الفضائية برامجها التي تقدم بديلا لما يشعر به المغترب من أزمة هوية وهشاشة انتماء في فكرة أنهم خير أمة أخرجت للناس، وما سواهم قردة وخنازير سيدخلون النار بينما لن يطأ الجنة سوى المسلمون، وإذا كان الواقع ليس في صالح المسلمين، فأنه سيكون أفضل في المستقبل وتضمر الأقدار والنصوص المقدسة حقيقة أن الدولة الإسلامية ستقوم ثانية ذات يوم، وسيصبح الجميع عبيدا للمسلمين، وهذا ما كان هؤلاء الشباب بحاجة إلى سماعه، في المقهى سيواصل الاستماع إلى مثل هذه البرامج، وأصبح الجامع مكانا يبعث الراحة في نفوس هؤلاء الهامشيين، لأنه يخرجهم من هامشيتهم لبعض الوقت ويبث فيهم أملا، وليس خفيا على أحد أن القنوات الفضائية والجوامع تحصل على الدعم المادي من المصدر نفسه، الوهابية السعودية. هذا لا يعني بالطبع أن رجال دين وأئمة جوامع معتدلون لم يحاولوا أن يصححوا هذا الوضع الخطير، إلا إنهم لم يحصلوا على آذان صاغية، فقد وصفوا بأنهم مجرد وعاظ أخلاقيون أو معلمون دينيون.. لا يكررون على أسماع الشباب المهاجرين المفاهيم التي يحبون سماعها عن كراهية الآخرين، أو اعتبار الغرب مصدرا للشرور والانحلال الاخلاقي.. من جانبها لم تتخذ البلدان الغربية المضيفة أية مواقف صارمة ضد أئمة المساجد المتطرفين والمحرضين، وهذا ما يثير الاستغراب، فحتى إن كانت حرية المعتقد والفكر مكفولتان، لابد أن ثمة حدود تضع من يسبب أذى أو يحرض عليه تحت طائلة المسائلة القانونية، ولا أعتقد أن ثمة مبرر لهذا الصمت إلا في استثمار بعض السياسيين الأوربيين للمساجد من أجل تعبئة أصوات الناخبين المسلمين لصالح هذا المرشح أو ذاك.. لكنهم في الواقع سمحوا لدائرة الشر أن تتسع، حتى نتج عنها توجه الآلاف من المسلمين من أوربا باتجاه سوريا والعراق لينضموا لما افترضوه الدولة الإسلامية.
يواصل المتشددون من رجال الدين المسلمين عدم اعترافهم بأن ثمة أزمة بين النصوص الدينية والواقع الراهن، فلم يعد هناك أدنى انسجام بينهما، بما يدعو إلى إعادة النظر بهذه النصوص، والعمل على تحييدها، أو وضعها جانباً، إلا إن المتشددين يحاولونتمييعها أما من خلال وضع واعتماد تفسيرات مراوغة للنص، أو عبر تأكيد ما يؤمنون بأنه حقيقي، في أن الأمور ستعود إلى نصابها ذات يوم، ولو في آخر الزمان الذي سيشهد عودة سطوة الدولة الاسلامية، لذا يواصلون العمل بالنصوص غير المناسبة باعتبارها قابلة للتحقق ولو بعد حين، وهذا هو عصب الخلاف بين التنويريين والمتطرفين… ففي أوربا يستطيع أي مسلم الدخول إلى كنيسة أو معبد يهودي دون أن يعترضه أحد، لكن دخول مسيحي أو يهودي إلى جامع لن يكون محل قبول، بل قد يتعرض من يحاول ذلك إلى رفض أو زجر أو ما هو أكثر من ذلك، فالشاب غير المحصن بالفكر والوعي الكافي قد يصل به الأمر إلى اعتبار دم المدنسين مباحا، ووفق المبدأ نفسه قام الأخوين سعيد وشريف كواشي وأميدي كوليبالي بقتل 12 شخصا في مقر مجلة شارلي إيبيدو لسخريتهم من أحد المقدسات الإسلامية.. وهم يؤمنون بأن قتلهم هؤلاء ليس جريمة بل وسيلة أكيدة لدخولهم الجنة.. وهنا تكمن أزمة النص الديني في كونه ليس مجرد خطاب فحسب بل أصبح سلوكا مقبولا ومباركا من قبل الفكر الديني.. الحل يكمن إذن في العمل على أن يكون الدين ممارسة شخصية وشأن خاص بين الإنسان وربه، وكل ما له علاقة بالتشريع والقانون عليه أن يكون بيد الدولة والهياكل القانونية..

لا تعليقات

اترك رد