حوار مع الاديب السوري حسين علي الهنداوي


 

الأدب والنقد انطلاقة شعورية رؤيوية نحو عوالم من الخيال الجامح…يفتح افاق المحبة والعطاء والجمال؛ ويرسم ذكريات تنعش القلب والوجدان…..وهو بعد النفس وقربها من المجهول وتحول للروح والنفس وكشف لمغاليق الكون ووشوشة الطبيعة في اذن الانسان……. انه الحياة بكل ابعادها المشاكسة وتغيراتها الواعدة.
حوارنا اليوم مع المستشار الادبي الشاعر والناقد حسين علي الهنداوي حول قضايا الأدب والنقد الأدبي

س1- مروراثنتين و ستين عاماً وأكثر على مذكرة الشاعر “حسين علي الهنداوي” يعني الكثير في عالم الأدب، ما مدى تألق صورة الشاعر الإنسان والمرأة في مذكراتك الشخصية؟
ج1- للشعر في نفسي استجابات خاصة تتمثل في حب الحياة والطبيعة والإنسان، والشعر بطبيعته يجود في هذه القضايا، وأنا أتذكر منذ نعومة أظفاري أنني أستجيب للطبيعة فتحركني نسمات الهواء العليل، وصوت الطيور المغردة، وصوت المرأة الذي تنبعث منه رائحة الحياة، وتنتعش منه الروح، وتتحرك منه الأنفاس، فلا حركة في هذا الكون إلا وخلفها مشاعر الطبيعة والكون والمرأة، ولا رياح تهب على هذه الأرض إلا وتحمل أحاسيس امرأة، المرأة هي سر هذا الوجود الإنساني، ولولاها لما تكحّلت الغزلان بالإثمد، ولا أنشدت القصائد للملأ، فكم من الشعراء قد فقدوا عقولهم وهم مسرورون بهذا الجنون الذي تصنعه المرأة بهم.

س2- أنت شاعر مشاعر كما ذكرت ذلك كثيراً لا شاعر صنعة تهاجمك القصيدة فتتعانق معها وتبوح لها بأسرارك، وضّح لنا هذه المقولة من وجهة نظرك؟
ج2- لا شك أن الشعر موهبة وصنعة كما يتفق الكثيرون من النقاد والشعراء، أما محترفو الشعر، فيعودون إلى قصائدهم يحككونها، أنا أكتب ما أحسّ به فتخرج القصيدة من اللا وعي وتمرّ عبر الورق لأعود لتصحيح مسارها، أما شعراء الصنعة، فيسهرون الليالي لبناء قصائدهم حتى ولو مع مجموعة من الأدباء…..ناسين البرهة الشعرية الصاعق للروح الانساني ……حطموا مشاعرهم ليخرج الشعر لديهم في أبهى حلّة، أنا أكتب مشاعري ولا أحب أن أعيد صياغتها؛ فالمشاعر أرواح متمردة، لا أريد أن أحطم أجنحتها. إننا بحاجة إلى شعراء يسكبون شعرهم في كؤوس بيضاء نقية، شعراء يرسمون مشاعرهم على لوحات بيضاء كالشاش الأبيض حتى يكون رصيدنا الشعري واعداً بالمحبة والخير والجمال، حاول أن تنزع المشاعر من الإنسان؛ ستجد أنه يتحول إلى دمية. جرّب أن تطرد الشعراء أصحاب الإحساس من جمهورية الحياة كما فعل أفلاطون عندما أقصى الشعراء عن جمهوريته؛ ستجد الحياة خواء صحراء قاحلة، ولولا شعراء الإحساس في شعرنا العربي ما عرفنا طعم الأدب، ولا رأينا جمالية الحياة.

س3- لكل شاعر مفكرته الشخصية الخاصة به، ما هي معالم مفكرتك الشعرية؟ وأين يقع الإنسان فيها؟
ج3- لمفكرتي الشعرية صفحات لا أستطيع البوح بها لما تحمله من جروح عميقة تمتد على مساحة الأرض، هي آمال وآلام يكتوي بنارها الإنسان، زمهريرها عذاب إنساني، وحرّها شوق بشري، روح حزين بفعل لا إنساني، أنا شجرة صبار تشتعل ثمارها ناراً، وتكتب أشواكها حباً واعداً، محكومة بالحب الإنساني، تبكي دموعها الطفولة المسلوبة، ويسبح خيالها في بحيرة من أرق، وكأن الإنسان خلق من الألم.

س4- التراب في ذاكرتك لون الحب الإنساني، هلا رسمت لنا أبعاد علاقتك بهذا التراب المزهر بالعطاء؟
ج4-للون التراب الذي نعيش فوقه جمالية فائقة؛ فهو يحمل عبق أنفاس الأجداد؛ لونه من لونهم، وحرارته من حرارتهم، وعطشه من عطشهم، إنه الأم الحنون التي أرضعتنا من حنانها، وسقتنا من حليبها، وأطعمتنا من ثمارها.

س5-ماذا لو أن القصيدة استعصت عليك وأنت في موقف لا تحسد عليه؟
ج5-القصيدة سحابة حبّ تحملها ريح الشوق تدغدغ أعصاب الشاعر فترسم أنامله تفاصيلها الراعفة، فإذا لم يكن لهذه السحابة حليب تدرّه، فلا مرحباً بالشعر، ولا أهلاً بوشوشته؛ الشعر لا يؤتى إليه، الشعر يأتي عفو الخاطر، القصيدة تحكي تفاصيلها من دون أن تتكلم وترسم أبعادها، وهي تتألم وتتيه غنجاً من دون أن تتمايل.

س6- بين الأدباء و النقاد صراعات عميقة لا يمكن أن تندمل جراحها فما موقف النقد من الأدب ؟
ج6-النقد بمفهومه الدقيق و الصحيح هو كشف و تحليل للأبعاد الإنسانية التي يحياها الفرد و المجتـمع
نفساً واقعة من خلال النصوص المقروءة و لا يمكن لأي نص مهما علت مكانته الا أن يخـتم بجــواز
مرور النقد النظيف الصادق لا النقد المحابي، فالنقد هو الذي يفـتق روائع النص و يفتح له الأشرعة ليطير إلى عالم كوني يرتسم من
خلاله أبعاداً إنسانية ضمن آفاق فنية ، وإذا كان هناك من الأدباء من يفترض حساسـية بين النقـد
والأدب فذلك إنما يكون بسبب هشاشة تكمن في النص الأدبـي ( أي عند صاحبه ) هـذا إذا كان
الأدب المطروح أدب حقيقي يمتلك عناصر البقاء الفنية و الإنسانية و النقد بعدٌ إنساني و بعـد فني
توحـدا فشكلا لنا لوحة فنية جديدة . إن التكاملية بين الأديـب و الناقـد إذا كانا مـتوازيين في
البحث عن الحقيقة النقدية و الحقيقة الأدبية هي التي تجعل العلاقة جدلية بين الفنين .

س7-النص الأدبي أفق واسع يحمل أبعاداً إنسانية و فنية …… ما شروط خلود النص الأدبي ؟؟ و كــيف
للأديب أن يوقع بقلمه في سجـل الـخـالديــن ؟؟؟
ج7- لا يمكن لأي نص أدبي أن يرتسم بمعالم الخلود و البقاء على مر الزمان إلا إذا كان يلامس جذور
الواقع الحقيقي للمعطيات الإنسانية المتكررة على مر العصور ، فالإنسان كما يقول اليوت 🙁 ليس ولادة
و زواجاً و موتاً ) ؛ إنه لوحة ترسم أفاقها على واقع الحياة و النص الأدبي الحقيقي بدوره ينمنم هـذه
الصورة و يخرجها إلى الوجود صعقة إنسانية و أي صاحب نص إذا أراد لنصه البقاء و الخلود فعليه
أن يرصد القضايا الكونية و النفسية الممتدة في أعماق الإنسان و التي تقض مضجعه لأنها الأفــاق
الحقيقية للبعد الوجودي للإنسان .
و الأديب الذي لا يمتلك أدوات حقيقية فاعلة في الأدب لا يستطيع أن ينتج نصاً أدبياً حقيقياً ناهيك عن
تفاعل هذا أديب مع الذات و الآخر و اكتشاف الأبعاد الحقيقية للأعمـاق الإنسـانية فالأدب بلا أدوات
كالصياد الذي يطرد صيده بيدي ، فقد يعود خائباً من رحلته غير ممسك بريشة عصفور

س8 – الشعر الفن المدلل الذي ربا عمره على الخمسة الآف عام ……….هل يتحول إلى حمل صغير لا يأبه له
القطيع في الايام القادمة ؟؟؟
ج8- الشعر في الحقيقة بعدٌ إنساني حمل النفس الإنسانية مبدعة ً و متلقية إلى آفاق الخيال عندمـا كانت
الذاكرة هي الرصيد المتبقي للإنسان في حمل تفاعلات الزمـان و رسـمها عـلى خريطـة الموقـع
الإنسـانـي و لكن مواقع الأدب في هذا الزمان الذي فتـح نوافـذ عـدة على الحياة جعـل الرواية
و القصة القصيرة و المقالة و المسرح تزاحم الشعر على مكانته ، و تحاول إقصائه عن مكانة و تحاول إقصائه عن مكانة الريادة
و تجد ُ سبلاً جديدة إلى النفوس الإنسانية التي بدأت تستجيب بسبب طبيعة الحيـاة إلى تزاحـمات
الصراعات الإنسانية التي قد تجعل الرواية الفن الأكثر اختلاساً لخبايا النفوس لما تحمله الرواية مـن
توهجات إنسانية تسبر مغاور النفس و تستخرج خبايا ما يختبئ من تفكير في لاوعي و شعور الإنسان

س9- هل تكونت لدى العرب نظرية في الشعر و النقد على مر العصور ؟؟ ومن برأيك من النقاد يستحـق
الإعزاز و التقدير ؟؟؟؟
ج9- للشعر العربي على خريطة الألفي عام السابقتين نظرية أسس لها الكثير من الشعراء و أســهم في
برمجة صياغتها النقاد العرب و كانت نظرية الشعر العربي ابتداء ً من ابن سلام و انتهـاء ً بالآمدي
و مروراً بابن طبا طبا و هؤلاء استطاعوا أن يؤسسوا نظرية شعرية عربية تجعل النص الـشـعري
بعداً ( إنسانيا– فنيا ) يستطيع الثبات لمدة طويلة ، و لكن اختلاطـات الترجمـات الحديـثـة و ما
استورده المتنورون ممن خرجوا إلى البلاد الأوربية من نظريات حديثة أفرزتها طبيعة تفكير اجتماعي
نتج عن واقع يختلف مع الواقع العربي في بعض جوانبه و يلامسه في البعض الآخر حولت الـشعر
من نظرية ثابتة إلى تجارب جديدة يحاول منها المتمرسون و المبتدؤون بالسوية نفـسـها في إبداع
نصوص تجريبية قد تصمد و قد لا تصمد و الغالب أنها لن تصمد على مر العصور فهي زوبعـة في
فنجان لن تشكل إلا أثارا بسيطة و الأهم من ذلك أن لا ينفصل الشعراء المعاصـرون الباحثـون عن
الجدة و ذلك حقهم عن واقع الشعر العربي فلا يستطيعون الرجوع إلى النظرية الشعريــة العربيـة
أو التقدم في وهم نظرية جديدة تحت عناوين غير فاعلة و غير واقعية ظاهرها براق و باطنها يبحث
عن فصل اللغة الفصيحة عن الأدب و بالتالي إقصاء العلاقات البلاغية و الثقافية عن لغة العرب التي
فهموا من خلالها لغة القرآن الكريم .
أما فيما يتعلق نظرية النقد الأدبي في العصر الحديث فالساحة ما تزال فارغة و ما يكتب لا يتعدى أن
يكون إرهاصات ليل لحالم يجدف بيده عباب الماء ، فالنقد نظرية لن يتم له ذلك إلا إذا وجـد أدبــاً
راسخا ً يمثل واقع الأمة بشفافية و صدق و يرسم آفاقها بدقة متناهية و لا يمكن لأمة اختلطت لديها
مقاييس المراوحة مع مقاييس التطور و مقاييس التقـدم مع مقاييس التأخر و إبعــاد صـناعـةحياة حقيقية تكتب بتاريخ حقيقي أن تتحدث عن نقدها دون أن تتحدث عن أدب يرســم صورتهـا
الحقيقية على واقع الحياة و الكثير مما نقرؤه من نقد نظري هو ترجمات لآفاق نقد أجنبي اختلسـه
المترجمون ونسبوا الكثير منه إلى أنفسهم و ادعوا أن حياتنا الحديثة تتناسب مع واقع هذا النقـد
و الحقيقة هي غير ذلك فهم يعرفون و يهرفون حاملين إلينا ما تنتجه الثقافات الأخرى و هذا ليـس
عيباً و لكن حبذا لو كان المنقول مهذباً بما يتناسب مع واقعنا و منسوباً إلى أصحابه .

س10 🙁 المنهج و الرؤيا و المصطلح ) ثلاثية النقد الادبي المعاصر …… ما موقعها من النقد الأدبي العربي ؟؟؟؟
ج10- إذا كان بالإمكان في هذا الزمن المتشابك العلاقات و بمقدورنا ذلك أن نتحدث عن نقد روائي و نقد
شعري و نقد مسرحي فإننا لا نستطيع أن نعمم فالمنهج و الرؤيا و المصطلح في نقدنا الشعري
قلت تبلور و شكل نظرية انقطع الحبل بها في أيامنا و مضى الذين تـبنوا التـطور بلغة الخطـاب
الشعري إلى مصطلحات جديدة و منهج جديد و رؤيا جديدة مقتبسة من الثقافات الأخرى و الشعر فن
مشاكس لا يقبل بلغة العرب أن يخرج عن إطارهم أما في الرواية و المسرح و القصة و الخاطــرة
فيمكن أن تتلاقح الرؤى النقدية الأجنبية مع الرؤى النقدية العربية الحديثة و لكن ذلك يحتاج إلى كم
هائل و رصيد كبير من النتاج الأدبي القصصي و الروائي و المسـرحي حتى تبـزغ منه شمس نقد
جديدة تطل على آفاق الواقع العربي .

س11- ما هي توقعات الخطى الجديدة في خارطة الموقع النقدي للمستقبل القريب ؟؟؟
جج11-: لا شك أن الواقع النقدي و الأدبي يحتاج إلى إعاد فرز جديدة لاكتشاف الأدباء الفعالون من وجهة
النظر الفنية و من وجهة النظر الرؤيوية و إلى إعادة فرز جديدة لاكتشاف نصوص جديدة مبدعـة
تكون منارات مضيئة في واقع الأمة و هذه مهمة صعبة تحتاج إلى نقاد كبار معبئين بثقافة موسوعية
يقرؤون الأدب و النقد و يعيدون إنتاج نقد حقيقي غير محاب و لا مجامـل يسهم في وضع النقـاط
على الحروف .

س12-هل يمكن لك أن تذكّرنا بأسماء بعض أعمالك الشعرية والأدبية والنقدية المتنوعة؟
** مؤلفاتي عديدة،
أ-في الشعر:
1- “هنا كان صوتي وعيناك يلتقيان،
2-هل كان علينا أن تشرق شمس ثبير،
3-أغنيات على أطلال الزمن المقهور،
4-سأغسل روحي بنفط الخليج،
5-المنشّى يسلم مفاتيح إيليا،
6- هذه الشام لا تقولي كفانا”،
7- مراثي ارميا
ب- وفي القصة القصيرة
1-“شجرة التوت”،
ج-وفي المسرح:
1-“محاكمة طيار،
2-درس في اللغة العربية،
3عودة المتنبي،
4-أمام المؤسسة الاستهلاكية”،
د- أما بالنقد الأدبي، فلدي :
1-محاور الدراسة الأدبية،
2- في النقد والأدب،
3- مقدمتان لنظريتي النقد والشعر،
4-أسلمه النقد الأدب،
ه – التحقيب الادبي:
1- موسوعة( المرصد الادبي)

من اقوال المستشار الادبي : حسين علي الهنداوي

1- القصيدة تحكي تفاصيلها من دون أن تتكلم وترسم أبعادها، وهي تتألم وتتيه غنجاً من دون أن تتمايل.

2- التكاملية بين الأديـب و الناقـد إذا كانا مـتوازيين في
البحث عن الحقيقة النقدية و الحقيقة الأدبية هي التي تجعل العلاقة جدلية بين الفنين .

3- الكثير مما نقرؤه من نقد نظري نعاصر هو ترجمات لآفاق نقد أجنبي اختلسـه المترجمون ونسبوا الكثير منه إلى أنفسهم و ادعوا أن حياتنا الحديثة تتناسب مع واقع هذا النقـد

حاوره : الأديب عبد الرحمن حسن- درعا

3 تعليقات

  1. هنا يأتلق البوح و يكتمل الابداع بحوار أديب يرسم القصائد لحنا دافئ الايقاع
    شاعرنا الجميل المستشار الأدبي حسين علي الهنداوي و محاور بارع يسبر اغوار النفس ليكتشف أبعادها التكاملية بين النقد و الشعر و القصة و المسرح .
    أديبنا الغالي عبد الرحمن حسن يترك البصمة فوق السطور ليعبق المكان بهذا اللقاء
    لكما أصدقائي كل المحبة و الاحترام

  2. حوار جميل وممتع مع الاديب حسين الهنداوي الذي لا يحتاج موقفنا انه فوق النقد لكن لا بد ان نشكر المحاور ونشكر اديبنا وشاعرنا على هذا العطاء والمتميز كما نشكره لانه اظهى لنان مكامن الادب والابداع الخالص في الشعر والنقد لنقترب اكثر من مغاهيم الابداع عن الاديب والمتلقي فيا ليت كل من المتلقي ان يلحث عما ينقصه من ابداعات فكرية وقلمية مما وصلنا من خلال هذا الحوار الممتع ….
    اتمنى له طول العمر ومزيدا من العطاء الزاخر

اترك رد