الكاروم ( karum )

 

* قد يتبادر الى الاذهان الى ان اغلب المنظمات والهيئات سواء السياسية او الاقتصادية او الحكومية هي نتاج العصور الحديثة وثمار الثورة الصناعية (عصر النهضة)، وقد ينسب البعض الى الحضارات التي ظهر فيها سمات التقدم في وقت متأخر عن الحضارات السابقة لها. ولكن عند التدقيق في المعلومات والبحث في اصل الاشياء وبداياتها الاولى من خلال قراءة المكتشفات الاثارية والألواح الفخارية نجد ان اصولها ، او بعبارة اصح شكلها الاول يعود الى تلك الحضارات القديمة التي تعد الاشعاع الاول للإبداع والابتكار ، والتي يعود لها الفضل في ايجاد تلك المنظمات والهيئات التي من شأنها تنظيم حياة وأعمال العاملين والمنتسبين اليها.

* ومن هذه الهيئات التي اشتهرت في وقتنا الحاضر الهيئات التي عرفت باسم (الغرف التجارية) او (نقابة التجار) وهي واحدة من اهم الهيئات التي تعنى بتنظيم الامور التجارية ، والاقتصادية ، وتهتم بكل ما يتعلق بأعمال التجار المصرفية والعقود التجارية وهذه الهيئة تعود في اصولها الاولى الى بلاد الرافدين وخاصة الى فترة العصر الاشوري عندما بدأت الصلات التجارية والحضارية ما بين بلاد الرافدين وبلاد الاناضول(تركيا حاليا) تأخذ شكل اكثر اتساعا عن ذي قبل .

* كانت هذه الصلات (التجارية) تعود جذورها الى عصور ما قبل التاريخ وعصر دويلات المدن والعصر الاكدي عندما اخذت تزداد حاجة بلاد الرافدين الى مصادر الخام من المواد الاولية وخاصة المعادن والخشب والقصدير الخاصة بالصناعات ، فضلا عن حاجة البلاد الى اسواق لتصريف منتجاتها الزراعية والصناعية فنشأت مستوطنات تجارية عديد في بلاد الاناضول والتي اخذت تتسع خلال العصر الاشوري ومن هذه المستوطنات التجارية ( كبدوكيا) والتي تشير اقدم المدونات التاريخية ان تأسيس هذه المستوطنة يعود الى الملك الاشوري (ايرشم الاول(1941-1902ق.م)) ، فضلا عن ظهور مراكز انتجارية اخرى مثل (كانيش(كول تبه) في

* جنوب شرق اسيا الصغرى) و(علي شار) وقد ازهرت في هذه المراكز والمستوطنات التجارة الاشورية بشكل كبير وواسع ، حتى انها اصبح مراكز للسلطة الاشورية هناك . اذ اخذت تكون صلات وعلاقات على الصعيد السياسي والاقتصادي مع الحكومات المحلية في تلك المراكز ، وكانت هذه المراكز تدار من قبل هيئة تجارية عرفت باللغة الاكدية باسم (كاروم karum) (وهذه الكلمة تعني باللغة القديمة المرسى او الميناء ) وهي هيئة اقتصادية تجارية كانت تعنى بتنظيم شؤون التجارة وشؤون المراكز التجارية الاخرى اذ كان لهذه الهيئة بناء خاص يقع في الاغلب بالقرب من قصر الحاكم في تلك المستوطنات .

* بالنسبة لوظائف الكاروم فهي متنوعة وعديدة فقد كانت بمثابة مجمع التجار او ما يصطلح عليه في الوقت الحاضر (الغرف التجارية) ، وكان للكاروم محاكم خاصة التي تنظر في الخصومات التي تنشب بين التجار اذ عثر بين الرقم الطينية التي تعود الى مركز (كانيش) على بعض الرقم التي تضم مواد قانونية خاصة بنتظيم نشاط التجار، وكذلك وجد مجلس شورى للكاروم له رئيس يتم انتخابه كل عام ، فضلا عن وظيفة جمع الضرائب والمكوس والكمارك من القوافل التجارية الداخلة ، وكان للكاروم موظفون خاصون لمراقبة طرق القوافل ومصادرة اموال التجار المهربين ، ولهذا الغرض كان للكاروم مخازن للبضائع التجارية ، بالإضافة الى هذه الاعمال المختلفة كان (الكاروم) يقوم بوظيفة المصرف للمداينات والقروض والشؤون المصرفية الاخرى.

* ختاما حق لنا قول ان فكرة انشاء هيئات والمنظمات تعنى بالجانب الاقتصادي الذي يمثل العصب الاساسي والمحرك الرئيس لحياة كل مملكة او دولة في العالم القديم والحديث ما هي إلا نتاج وثمار الحضارة الرافدينية القديمة التي امتد شعاع انجازاتها الحضارية وتاثيرها الى ماجاورها من الحضارات المعاصرة قديما وحديثا.

المقال السابقمُـــنى
المقال التالىعلي علو يعيد مفهوم الإرتباط ، مع مشهده البصري
خمائل شاكر ابو خضير الجنابي .. كاتبة عراقية المؤهــــــلات: - ليسانس ألسن – قسم اللغة الانجليزية – كلية الألسن- جامعة عين شمس - تمهيدى ماجيستير كلية الألسن- جامعة عين شمس - ماجيستير فى الأدب الأمريكى من كلية الألسن – جامعة عين شمس- وكان عنوان الرسالة "العنف فى مسرحيات اد....
المزيد عن الكاتب

لا تعليقات

اترك رد