الورد بين الثقافة النّاعمة والرمز الفني – ج4


 

الانزياح في صورة الورد والزهور في الأدب العربي الحديث

يبدو إذن مع كلّ ما ذكرنا أنّ للورد لغته ورموزه إنه مليء بالتاريخ والذاكرة في الثقافة العربية.يخاطب الوجدان ويتفاعل مع سلوكه العاطفي .فيرفعه إلى عوالم الجمال والذّوق الرّفيع .فاقترن بكل معاني الحبّ والنقاء ليحلّق بهعشاقُه في أكوانهم النائية ، يستلذون بسحر الوجود الذي اُختزل في جمال الزهر وعطره وهو يتضوّع في الجنان والفراديس.إلاّ أن الروح المبدعة لم تتوانى عن الانزياح بصورة الورد وما تبطنه من جمال عن هذا المعنى لتدرك معانٍ خفيّة يخلقها من ذاته فتعبر عن الألم والمعاناة وتشاركه انكساراته فتغدو الزهرة المثقلة بالعشق والمشبعة بالرحيق قادرة أن تُغدق ألوانا مختلفة لصور شعريّة متجدّدة تبعث روحا جديدة في تشكيل الصّورة الفنّية وإعطائها مساحة مرجعيّة أكثر أتساعا وفسحة أكبر للتخييل .ولعلّه تأكيد على قدرة الورد الرمزيّة في استيعاب المعاني الشّاردة والتعبير عن متناقضات المعاني فيجمع الحب والحرب في إطار واحد. وقد نبدأ هذا الجزء من البحث من أغنية للفنانة فيروز تغنّت فيها عن زهر “البيلسان ” وهي قصيدة باللهجة العاميّة للشاعر اللبناني طلال حيدر استحضر فيها هذا الزّهر الأبيض الذي يتساقط كالثلج فيشير بها إلى الفدائيين الثلاثة الذين ذهبوا ليقاتلوا العدو ولم يعودوا فتتساءل فيروز في أغنيتها ومن ورائها الشاعر عن موعد عودة زهر البيلسان بعد أن رحلوا :
وحدن بيبقو متل زهر البيلسان
وحدهن بيقطفوا وراق الرّمان
بيسكروا الغابي
بيضلهن متل الشتي
يدقوا على بوابي
على بوابي
يا زمان

……

يا ناطرين التلج ما عاد بدكن ترجعوا
صرخ عليهن بالشتي يا ديب بلكي بيسمعوا
قد تقترن صورة زهر البيلسان بحادثة حقيقيّة في هذه القصيدة وهي العملية الفدائيّة التي قام بها الثلاثة : فلسطيني وسوري وعراقي وسط الكيان الصهيوني ولكنّه يأخذ رمزيّة عالية للمقاومة في صورة تجمع الحياة والموت .. فيتجاوز الورد بذلك ما يعبّر به عن الجمال والحب إلى رمز تتشكّل فيه صور الوطن في مخاضاته فيصبح العشق لا عشقا فرديّا بل هو عشق جماعي ، فيكون الخطاب تفجيرا بالمألوف للمألوف ومحاورة بالظاهر للخفيّ من الكلام وهاهنا يقترن الورد بالموت حين يرتبط بسؤال الغربة والقلق ولعلّنا نستحضر ذلك في أشعار عبد الوهاب البياتي وخاصة تلك التي صدحت بالرفض في فورة الشعور بالغربة وقد حاصره الاستسلام ليتراجع بين يقين الموت القادم :
ما بين الوردة والسكين
روحي قطرة ضوء تخبو
وأنا أخبو معهاسنموت كلانا في هذا المنفى الملعون

تغدو الوردة بهذا،المعادل للسكين حين تنحدر الروح في منحدر عميق وهوّة سحيقة من اليأس، فيظهر الشاعر مستسلما وقد خالطه شعور الغربة والموت فيها. بهذا فالرمز لا ينمو ولا يتحوّل ، بل يتغيّر تغيّرا نوعيّا حسب نفسية الواصف الرامز . وفي قصيدة أخرى له يرثي فيها الشّاعر التركي ناظم حكمت يؤكد على هذه الرمزية من خلال سرد واقعة موته ليظهر التمازج بينه وبين أي ثوري آخر في العالم :
أعدمت في اليونان
تفتّحت في اللّيل وردتان
سال دمي على جبين القمر النعسان
وعاد عاشقان
من رحلة الضّياع والأحزان

يرتبط الورد في هذا السّياق بالليل والدم والضياع والأحزان لعله تعبير عن موت العقيدة التي مات من أجلها ناظم حكمت. بهذا فقد أخذ الشاعر من الورد ذبوله وسرعة موته. فيستعيض عن صورته الظاهرة التي هي الجمال وطيب الرائحة بعمره القصير ويجعل من صفة الذبول منطلقا للقول الشعري لكنه يقاوم هذا الذبول ويبث الأمل:
الرفاق كانوا يذبلون ويموتون
على أرصفة الميناء في بطء
ولكن المغنى كان في غنائه
يقاوم الذبول والموت ، وفي جحيمه محترقا
يضيء ليل البشر-الآلهة –الطيور

وهاهنا استعار الشاعر صورة الورد فشبه الرفاق بالورد. وهي بذلك استعارة مكنية غاب فيها المشبه به واستعاض عنه بصفاته ولوازمه (يذبلون ويموتون ،الذبول ، الموت ). وهذا الموت قد يتجاوز الموت المادي والفيزيائي في ارتباطه بالتضحية والمقاومة إلى موت آخر. قد تكون الغربة أحد أوجهه ، وهو أمر نقف عنده في أشعار محمود درويش وخاصة في قصيدته “ياسمين على ليل تموز ” حين يستحضر زهر الياسمين :
ياسمين على ليل تموز،أغنية
لغريبين يلتقيان على شارع
لا يؤدّي إلى هدف

فيقترن الياسمين بالبعد عن الوطن، إنّه “رائحة الذين نحبّهم ولا نعرفهم،رائحة الغياب يطول، رائحة البحر، ورائحة الصباح ” فيتحوّل بذلك الياسمين إلى ذلك العشق المبعثر في حقيبة سفر والرحيل الدائم .. هو الذات حين تعلن عن نزيفها الدّاخلي :
من أنا بعد منفاك فيّ ؟
تقول الغريبة

إذن ، حسنا، فلنكن حذرين لئلا
نحرّك ملح البحار القديمة في جسد يتذكّر

بهذا يغدو رديفا للغربة والتشرّد .فيكون الياسمين فيها صورة للذكرى التي باتت المعادل الموضوعي للمنفى عبر عنها ب ” ملح البحر ” الذي يرمز إلى الجدب والفناء والوطن المفقود ولعل الياسمين صورة للشاعر الغريب على ليل تموز والحوار بينه والغريبة هو حوار انفعالي يبطن ضجيج الذات الناطقة وحيرتها في رحلة تيه وسفر تتلقفه المرافئ :
من أنا بعد عينين لوزتين ؟
أريني غدي
هكذا يترك العاشقان وداعهما فوضويّا
كرائحة الياسمين على ليل تموز
في كلّ تموز يحملني الياسمين
إلى شارع لا يؤدّي إلى هدف

بيد أنّي أتابع أغنيتي :
ياسمين على ليل تموز…
إنّها رائحة الغياب التي تنشر شذاها فيعبق حنينا وشوقا يحمله الياسمين إلى شوارع بلا هدف. إلى وطن فقد ظلّه وتناثرت من شرفاته مغاني الوداع الفوضويّ. هي لوحة الغربة والعشق ولكنه عشق الوطن الذي يلوح من المسافات بلا جواز ..عشق الأرض التي باتت غريبة .ولعله معنى نقتنصه في قصيدته “تلك صورتها ” حيث ارتبط الياسمين بصورة الأم التي هي بالأساس صورة الأرض والوطن :
والياسمين اسم لأمّي .باقة الزّبد .
الأغاني حين تنحدر الجبال إلى الخريف . القطن
وأصوات البواخر حين تمخرني،
وأسماء السبايا والضّحايا .
أسماء أمّي

وقد يرتبط الياسمين بموت آخر هو موت الحب والتعبير عن خيباته بعد أن كان وسيلة لإعلانه والتعبير عن ميلاد هذه العاطفة. لقد حضر الياسمين -شأنه شأن بقيّة أنواع الزهور والورد – في الشعر العربي حضورا لافتا وجعله شعراؤه عتبات لقصائدهم الغزلية خاصة ولكنّنا مرة أخرى نقف إزاء انزياحفي توظيفه وتشكيل المعاني التي ترتبط به .ولنا في ذلك قصيدة “طوق الياسمين ” لنزار قباني. وأول ما يطالعنا في هذه القصيدة العنوان الذي يعتبر عتبة النص الذي يختزل معانيه ويعمق بعد التشويق وهو كما يقول”رولان بارت ” “يفتح شهية القراءة” أو كما يقول شارل غريفال” :”يحدّد ، يوحي ، يمنح النص قيمته ” هذه القيمة التي ندركها في ما ينفلت منها من تنافر في المعنى بين مفهوم الطوق ودلالته على القيد وبين ما يدل عليه الياسمين من جمال وحب .وقد وجدنا في لسان العرب لابن منظور معنى مختلفا عن جملة معاني “الطوق ” التي ألفناها فضلا عن معنى الإحاطة بالشيء خلقة وهو معنى التكليف يقول بن منظور: ” ويروى في حديث :من غصب جاره شبرا من الأرض طوّقه من سبع أرضين ,يقول :جعل له طوقا في عنقه أي يخسف الله به الأرض فتصير البقعة المغصوبة منها في عنقه كالطوق .. ” وهذا المعنى ندركه في نسيج النص الذي تجاوزت فيه صورة الياسمين تلك الزهور الصّغيرة البيضاء ذات الرّائحة الجميلة التي تعانق الروح وتقيم علاقة حميمة مع الليل فتبعث رحيقها المكنون وألقها المنعش بسحر خفيّ إلى صورة أخرى مغايرة هي صورة الخيبة في مشهد السلوّ واللامبالاة ،إنّها مرارة الحقيقة بعد الترقّب والأمل والأحاسيس الصّادقة :
هذا المساء
بحانة صغرى رأيتك ترقصين
تتكسّرين على زنود المعجبين
تتكسّرين
وتدندنين
في أذن فارسك الأمين
لحنا فرنسي الرّنين
لحنا كأيامي حزين

لتنبثق الحقيقة مريرة في ذات عاشق تخاتله ألحان عشق موهومة :
وبدأت أكتشف اليقين
وعرفت أنّك للسوى تتجملين
وله ترشّين العطور
وتقلعين
وترتدين
ولمحت طوق الياسمين
في الأرض ..مكتوم الأنين
كالجثّة البيضاء
تدفعه جموع الرّاقصين
ويهم فارسك الجميل بأخذه
فتمانعين
وتقهقهين

بهذا يرتبط المعنى بالموت والاحتضار العاطفي بدل الاعلان عن شعلة الحب وهذا ما جعل قصيدة نزار قباني ذات نسق ديناميكي متحرّك تنطلق حبّا وحياة وتنتهي سلوّا وموتا . فتقترن بذلك صورة الزهر بصورة الانكسار والخيبة وهو عدول بالرمز في المقول الشعري إلى مستوى تكسير أفق التوقّع لدى القارئ والانزياح في التصوير الشعري عبر ترتيلة شعرية يخاتل فيها ليعبر عن الخيبة بديلا عن الفوز بقلب المعشوق والسلو عوض الوفاء. ويبقى الجمال شهوة متجدّدة عشقه الشعراء في الزهور ولكن عشقه يتجاوز الرؤية العينية إلى الرؤيا العقلية حين يعلن الخيال عصيانه ويهيم في استكناهالمناقضات فيعبر عن الموت والحياة. الحلم والرؤيا. الحب والحرب ويبق الورد تلك القيمة التي تقاس بمقياس الذوق والرؤى الذاتية. تماما كالحياة والموت يرتبط بحالة باطنية معقدة من أحوال النفس. ويكفي أن يرى الانسان الورد جميلا ليرى الوجود أكثر جمالا. يرسم الحياة وردة ويرى في الوردة حياة وهذه هي المعادلة كي يرى كل شيء جميلا.

لا تعليقات

اترك رد