في البحث عن الذّات

 

… في خضمّ ما يحدث أضحيتُ بحّاثة عن نفسي بين هذا الرّكام من الجثث المحنّطة أو النتنة!
سألتُ السّماء فردّتني إلى الأرض… توسّلتُ الأرض فأرسلتني إلى بنيها… تفرّستُ الوجوه فأفزعتني الأقنعةُ! فررتُ ورحتُ من جديد أستجدي السّماء والأرض وما بينهما… بهدير وصرير وزفير وصفير وزئير وأنين وعويل… يضجّ الكون ولا أحد يعير سعدا اهتماما بعد أن هلك سعيد، ولا أحد يدرك أنّ الهلاك آت لا محالة من يوم أن أُكل ذاك الهزبرُ العتيد…
هِمتُ على وجهي أشحذُ يقينا ولا يقينَ! سألتُ الرّمل والنّمل والصّخر والبحر فناح الموجُوتوارى وراء الأفق البعيد…
عدتُ أدراجي أسأل البشر والحجر والشّجر… فما ظفرتُ بغير فوضى حواس وصخب وهرج… سألتها: أهي الواقعة أم الزلزلة؟! قالت جميعها: “ابتعدي عنّي وغنّي!” قلتُ: ” كيف أغنّي وذي أرضي تنوح؟! ” قالت: ” غنّي أو نوحي، فكلاهما سواء! ”
انكفأتُ على ذاتي… أسألها عنّي… فقالت: “غنّي كما الطير أو ابتعدي عنّي! ” قلتُ: كيف يحلو الغناء وسط هذا العَناء؟!” قالت: ” إذن اُصمتي وكوني هباء! ”
فررتُ بجلدي ورحتُ أفتّش بين جوانحي لعلّي أعثر على ضالتي… لقد هالني ما وجدتُ في أركاني، هناك:

*في ركنِ منّي طفلة تنتظرْ،
في لهفة مواسم السّفرْ
*وفي ركن آخر عجوز طاعنة
تُقلِّب الكفّ والنّظرْ
وتستجلي الحكمة من صمت ليلها
وحفيف أوزار العمر…
*وفي ثالث سيّدة تُطرّز
من عبق ضفيرتها
قصيدة تتلوها
تعويذة، كلّما تنفّس السَّحرْ
*وفي رابعِ نخلة فارعة

وزيتونة باسقة
وحنين ناي يجلو عنّي
موجات الكدرْ …
وبالقلبِ نوّاسةٌ، من ذؤابتها
يتضوّع حلمي وشدوي
ريحانا وأنغاما
وهِبات أُخَرْ…
فيتهادى الآتي أبيّا عتيّا
ويراقص النبضَ منّي فأغنّي:
” إذا الشّعبُ يوما أراد الحياة
فلا بدّ أن يستجيب القدرْ”
فتعلو زغاريد بعضي لبعضي
وتهزّني نفحات عطر
وبتلات شعر
فيخفق نبض
ويشعّ نجم
ويبسم طفل
لمرأى أمّه تنسج
من نور عينيها
رداء لهذا الوطن
رداء يقي طفلها
جليد الليالي
وكلّ المحن…

ضجّت الأركان تبحث عنّي في زوايا ذاتي، فما ظفرت بغير سراب يتهادى بحثا عن عشتار الّتي لمّا تُبْعثْ من رحم الضّجر!

لا تعليقات

اترك رد