الكتابة نضال انساني


 

علامات تحفر نفسها في الطين، رسومات على جدران الكهوف، تشرح لنا تكوين الانسان الاول بشكل بسيط بعيد عن التعقيد بعبقرية 7000 سنة ق.م، ولا تتعلق بغياب اللغة أو وسائل التفاهم كما يشاع، بل تتعلق بحاجة الانسان في حفظ نتاجه الفكري وميراثه الثقافي.

وما وصلنا قديماً في اول بوادر الكتابة هي الملاحم مثل “گلگامش” السومرية اقدم القصص او الاعمال الأدبية في التاريخ ، ثم الإلياذة والاوديسا الاغريقية الشعرية للأعمى هوميروس، كلاهما عالم من الخيال والاساطير، لكنهما يشكلان عاموداً مرتكزاً على صراع الانسان ورغبته في الخلود، وكيف اصبحت ميراثاً ادبياً للشعوب.

حاجة ملحة تدفعنا للكتابة، تطورت مع الزمن الى قصص، روايات، شعر، مدونات وتأملات في الحياة، خزين من الشعور الداخلي ملقى على شكل نص عميق او سطحي كان، تصنف بانها خروج عن التفتت الاجتماعي والتحرر من القيود في التعبير عن الذات في مخاطبة عالم آخر من الجمهور، عالم مجهول يواسي عزلة الإنسان عن محيطه.

يقول فرانز كافكا 1883 – 1924: “إنني أكتب بطريقة مختلفة عما أتكلم، وأتكلم بطريقة مختلفة عما أفكر، وأفكر بطريقة مختلفة عما يجب أن أفكر، وهذا كله يقود إلى قلب الظلمات يوميا”.

إن عزلة كافكا – على سبيل المثال – ساهمت بشكل كبير في الوصول الى افكار لم تكن متاحة، وأوقدت ناراً عظيمة في اشراقة اليقظة، ليصل الى الابداع الأدبي، وكـ “شكل من اشكال الصلاة” كما يقول.

الكتابة فيض من الشعور لا يمكن البوح به، جزء من موسيقى تملأ السماء بالحروف الوهاجة، تلك التي تعبر عن محاولة الولوج الى الخلود، في قلعة من الكلمات تقدم الخلاص للكاتب من عجزه أمام هزلية الواقع وتفاهة العالم.

ومن العزلة إلى اللذة، في تحويل النص الى محور للاثارة والخيال، في الكشف عن المخفي وأسرار المجهول من الانسان، تقول رويترز : “إن انتشار الأعمال الأدبية والروايات التي تطفح بالتوصيفات الجنسية، والرغبات المكبوتة، يسلط الضوء من زاوية مختلفة على ظاهرة هوس الكتابة وتزايد كتابة الروايات المليئة بتلك القصص والعلاقات الجنسية”.

قد يبيع الكاتب – أحياناً – أسرار الجسد حتى لمن لا يستحق على هيئة قصيدة أو رواية أو نص من نوع اخر، للتعبير عن الزخم المتراكم في داخله، او لطلب المزيد في رؤية التجارب العميقة، في محاولة لارضاء النزعة الذاتية والقناعة الشخصية بالدرجة الاولى، وتحت مبرر تجميل الواقع وامتاع القارئ، لينتهي – الكاتب – الى السكينة، او تحقيق حلاوة ما يكتب لتجعله في حال أفضل من الهروب من العيش مثلاً.

ومهما كانت الكتابة ناتجة عن العزلة أو اللذة، لا يمكن ان تكون حبراً على الورق، مطوياً بلا هدف أو سبب، لا يمكن ان تكون بهدف الايروتيكية (المثير للشهوة) فقط بعيدا عن القيم الاخلاقية والمجتمعية والدينية، فالكتابة عند الشاعر الفلسطيني البسيط محمود درويش تفضل الايروسية (صور من الرغبة) على الايروتيكية، ومثال ذلك ما جاء في نصوصه المتحررة من “في حضرة الغياب” :

/ التفاحة عضّ الشكل, بلا عقوبة على معرفة
الاجّاصة نهد مثالي التكوين لا يزيد عن راحة اليد و لا ينقص
العنب نداء السُكر: أن اعتصرني في فمك أو في الجرار
ألمشمش عودةُ الحنين إلى أصله شاحبا … /
ويعبر درويش عن ارتباطه بالارض، يراقص القضية في خطاب تحريضي جمالي وكلمات تحمل معاناته في البحث عن الحرية :

اّه ياجرحي المكابر
وطني ليس حقيبة
وأنا لست مسافر
إنني العاشق… والأرض حبيبة/

درويش شاعر محتشم، منح الحياة مذاقها، كتب عن المرأة في حالة الحرمان والغياب، وعن صراع الخير والشر، الحب، الإيمان، اليقين، وكذلك الإثبات والنفي، فهو يحن الى خبز امه، يحن الى الحرية.

فالأدب الحقيقي هو الناتج عن الكتابة الصادقة، القائمة على النضال والمقاومة وتحرير المعنى من قبح العالم، في نص واقعي أكثر تنظيماً، لرسالة سامية جميلة أكثر حرارة في احتضان الانسانية، في أن يجعل للحياة معنى أكثر اتساعاً، حتى وان رسم بلداً خيالياً حين يفتقد الوطن.

لا تعليقات

اترك رد