متى يصبح النفوذ الإيراني في لبنان مكلفا؟


 

تغلغلت الحركة الفلسطينية في المجتمع اللبناني في جميع مكوناته، وكان الفلسطينيون كعرب احتلت أراضيهم من قبل الإسرائيليين، حتى أن سليمان فرنجية كان يتحدث باسم الفلسطينيين في الجمعية العامة للأمم المتحدة، ولا يزال العرب يتحدثون نيابة عن الفلسطينيين حتى الآن في الأمم المتحدة منهم الصادق ومنهم من يصعد بالقضية الفلسطينية لحساب مصالح أخرى.

رغم أن تواجد الفلسطينيين كان مرحب من قبل اللبنانيين إلا أنه كان مكلفا على اللبنانيين إلى حد عدم القدرة على احتماله، فجاءت إسرائيل وأخرجت الفلسطينيين من لبنان، لكن خطأ إسرائيل أنها خرجت ولكن احتفظت برقعة محدودة في جنوب لبنان من أجل المساومة، في المقابل أضحت بيروت ضاحية من ضواحي دمشق، لكن اغتيال الحريري أخرجتهم من لبنان بعبارة واحدة تلقتها القوات السورية من أمريكا.

الوجود الإيراني يتواجد بين الفراغات التي لا تنتج نفوذا راسخا ولا سيطرة على المدى الطويل، رغم انه يتحول إلى حاضنة لإشعال فتيل الحرائق والاغتيالات واستمرار التهديد، خصوصا وأن إيران عندما أعلن علي أكبر ولايتي من بيروت انتصار المقاومة شعر سعد الحريري عندها بأنه تحول إلى معبر وشرعية لتمرير السياسات الإيرانية.

عندها تظاهر الرئيس سعد الحريري بممارسة دوره السياسي، ثم انتقل إلى السعودية لمناقشة هذه التحول الذي يناقض التسوية التي توصلت إليه الدولتان السعودية وإيران رغم الصراع بينهما، ولكن من أجل وقف استمرار الفراغ الرئاسي في لبنان ولا يمكن أن يدفع لبنان الثمن نتيجة صراعات إقليمية، وشغله عبر تسوية يحترم فيها الطرفان سيادة لبنان والنأي به عن مشكلات المنطقةـ وخصوصا في سوريا، لكن عندما يتعلق الأمر بتنفيذ حزب الله أوامر قادة الحرس الثوري بإطلاق الصوارخ على السعودية في لبنان والمساهمة في تهريبها عبر ميناء الحديدة وينتهي الأمر باستيلاء إيران على قرار لبنان، عندما أعلن ولايتي من بيروت انتصار المقاومة لأمر جلل واختبار فاشل.

أرادت إيران تحويل الرئيس سعد الحريري إلى شبح رئيس، وليس رئيس حقيقي سيتبعه بقية الرؤساء من الرئيس عون والرئيس بري عندما يجدان أن سعد الحريري لم يحتج على تصريح علي أكبر ولايتي، لكن سعد الحريري لم يكن يريد أن يحتج

احتجاجا غير مثمر، بل نسق مع السعودية التي ساهمت وشاركت في التسوية التي يجب على جميع الأطراف الالتزام بتلك التسوية من أجل الدولة والشعب اللبناني.

سيناريو تأسيس حزب الله تبلورت فكرته في عام 1975 للانقضاض على الشاه مستعينة بالعمل السري والثوري في زمن الدولة العباسية في عهد الدولة الأموية التي اعتمدت على الفرس الناقمين على الأمويين لاستبعادهم إياهم مناصب رفيعة في الدولة وقصرها على العرب، كما استعانوا بالشيعة لزعزعة كيان الدولة الأموية وحصلوا على دعم من نقباء خراسان، وتحولت الدعوة إلى ثورة مسلحة.

كذلك أنشأ هادي غفاري الفرع الأول لحزب الله في طهران بهدف محاربة الشاه، وبحلول عام 1977 جرى إنشاء الفروع السرية للتنظيم في كل من تركيا والكويت بعدما فشل تنظيم الإخوان من إنشاء تنظيمات مماثلة لهم نتيجة محاربة جمال عبد الناصر لهم حيث كانت مصر قوة ضاربة، فبدأت الدول العربية بعد مصر في حالة يقظة لتحركاتهم ولم يسمحوا لهم بتشكيل مثل تلك التنظيمات.

كان الهدف من إنشاء حزب الله في عدد من الدول، وهو تصميم جديد للإمبراطوريات وباستبدال حدودها التقليدية بالحدود الدينية الذي هدفه إنشاء أرخبيل من المجتمعات الطائفية الشيعية في مختلف الدول العربية والإسلامية، واستثمار الثغرات الرخوة في تلك الدولة، والإسراع في شعور تلك المجتمعات بأن إيران هي بذلك تريد إنقاذهم من الظلم الطائفي الذي يتلقونه من دولهم الأساسية، لكنهم دون أن يشعروا بأنهم يتحولون إلى حواضن يدينون بالولاء للمركز ولولاية الفقيه، وهي نسخة مطورة من التحول الولاء للمذهب إلى الولاء لولاية الفقيه السياسي والديني في آن واحد، يوجههم الوجه التي يريدها الولي الفقيه التي هي عبارة عن ولاية تبعية عمياء، وكأن الولي الفقيه تحول إلى البابا بعدما تخلص الأوربيون من هيمنة الكنيسة عبر العلمانية التي استنسخها الشيعة لتنفيذ مشروعهم التاريخي.

في تركيا تم سحق حزب الله على يد الجيش التركي، والآن السعودية تسحق حزب الله الحوثي في اليمن، بعدما سحقته في البحرين والمنطقة الشرقية من السعودية، لكن إيران لن تنشئ حزب الله في العراق وسوريا، بل تنشئ ما يسمى بالموازرة التي أنشأها الخميني في إيران من أجل السيطرة على هياكل الدولة ما يسمى بالحرس الثوري الإسلامي، باعتباره موازيا للجيش، لكنه ولاؤه بالكامل لإيران.

فأنشأت 17 مليشيا شيعية في العراق بخلاف مليشيات كردية تابعة لها، وفي سوريا يفوق هذا العدد، بعدما اختبرت إيران تجربتها في لبنان عندما أنشأت حزب الله، ويحصل حزب الله شهريا على 60 مليون دولار شهريا، وهو ما تسعى أمريكا والسعودية نحو محاصرة حزب الله ومنع وصول الأموال إليه، وهو ما جعل الرئيس حسن روحاني وليس الحرس الثوري بتصريح من أن لبنان لا يستطيع تحقيق أي شئ من دون كلمة إيران الأخيرة.

رغم ذلك لم تستطع الآمال الإيرانية من تحويل العراق نسخة مكررة من لبنان بسبب أن الكثير من الشعب العراقي يزدري الهيمنة الإيرانية بل حتى أيات الله الكبار في النجف يعتبرون ولاية الفقيه في طهران بمثابة عمل بغيض لا يوافقون عليه ويعتبرونه هدف من أجل الاستيلاء على العراق.

كذلك تواجه إيران في سوريا روسيا التي تتشارك مع السعودية قيادة السوق النفطي وعزم بوتين وضع مستقبل سوريا في موسكو بموافقة السعودية وتركيا وليس في طهران، بل حتى مصر رفض الرئيس المصري السابق مرسي اقتراح علي أكبر ولايتي بتسريح الجيش المصري وإنشاء قوة عسكرية موازية لحماية الثورة باعتراف علي أكبر ولايتي، لكن المخطط الإيراني لم يفلح وهو نفس المخطط الذي نفذه بول بريمر في العراق، وقد يكون طبق مقترح إيراني، أو استنسخت السيناريو إيران من بول بريمر.

لم يتبق لدى طهران تعول عليه سوى حزب الله في لبنان، لكن يبدو أن دور حزب الله في لبنان أتى دوره في المواجهة خصوصا وأن السعودية تقود خيوط عودة الحدود السياسية والولاءات القائمة على أسس المواطنة وليس على أسس الطائفية الدينية.

لذلك نجد أن حسن نصر الله بعد التسوية كانت قراءته خاطئة أو أنه ينفذ قرارات إيران وإيملاءاتها ولا يستطيع أن ينصح إيران بأن المرحلة لا تسمح بمثل تلك التصريحات، وكان يظهر على الشاشات لإعلان الانتصار من جهة، وللتبشير بالحرب على السعودية من جهة أخرى، خصوصا في اليمن، رغم أن هناك عدد من التحذيرات قدمتها السعودية لرجال الدولة في لبنان بأن حسن نصر الله ضمن التسوية وعليه احترام تلك التسوية والنأي بلبنان عن المنطقة.

لكن أن تتحول لبنان خطر على السعودية، يبدو أن حسن نصر الله ولبنان دخل ضمن الخطوط الحمراء باعتبار أن الأمن السعودي والعربي لم يعد متاحا كما كان من قبل،

فكانت استقالة الحريري ضرورية لإسقاط تلك التغطيات على الآمال الوهمية التي يتذرع بها حسن نصر الله، فحان قطافه ونزعه والأساليب كثيرة.

لا تعليقات

اترك رد