السعودية وايران ومصائر المنطقة !!


 

باروميتر الامريكي

توالت خلال الفترة الاخيرة سلسلة من الاحداث في الإطار العام للعلاقات السعودية – الايرانية لتنهي بوادر توجهات لتحسينها ؛ بلغت هذه الاحداث ذروتها بإطلاق الحوثيين صاروخاً باتجاه الرياض يُقال انه إيراني وان خبراء من حزب الله اللبناني ساعدوا في ذلك ، وقد اتجهت السعودية للرد من خلال الساحة اللبنانية فقام السيد سعد الحريري بزيارة الرياض حيث أعلن منها استقالته على خلفية استحواذ حزب الله على لبنان وسياساته . لقد اثارت الاستقالة كثيراً من اللغط وردود الفعل الدولية التي اتجهت للتشكيك في مصداقيتها في سياق انطباع عام لدى المراقبين انها تمت تحت ضغط سعودي إيذانا بالبدء في عملية تصعيد جديدة تجاه سياسات توسع النفوذ الايراني في المنطقة ومن اهم مظاهره هيمنة حزب الله بقوة السلاح منذ عام ٢٠٠٨ على الحياة السياسية في لبنان فضلاً عن قيامه بتوجيه قوته المسلحة وخبراته العسكرية الى ساحات خارجية مثل سوريا واليمن والكويت والبحرين وهو نمط غير مألوف من العمل السياسي في لبنان او في غيره . التطور الأهم في تقديري هو الموقف الامريكي الذي توزع بين مواقف رسمية تصدرها المؤسسات الرسمية وتغريدات مُربكة على تويتر يكتبها الرئيس ترامپ .

في العاشر من ت٢ / نوڤمبر ٢٠١٧ أصدرت الخارجية الامريكية بياناً مقتضباً حول الوضع في لبنان وكان واضحاً انه جاء للتعبير عن ” الموقف الامريكي ” الرسمي المعلن من الاستقالة غير المألوفة للسيد سعد الحريري رئيس وزراء لبنان والتي اعلنها من الرياض بعد وصوله اليها قبل عدة ايام من ذلك في سابقة غير مألوفة في الاعراف السياسية سواء في لبنان او غيره . لقد جاء البيان الرسمي الامريكي اثر شائعات تتحدث عن احتجاز الحريري ( يحمل الجنسية السعودية اضافة للبنانية ) في مجمع فندق ريتز كارلتون الرياض مع مجموعة من الأمراء والوزراء ورجال الاعمال السعوديين الذين جرى اعتقالهم مؤخراً على خلفية تهم بالفساد ، وبعد قيام القائم بالاعمال الامريكي بلقائه في مكان لم يحدده الامريكيون حيث اجرى معه محادثات وصفت ببيان رسمي امريكي انها خاصة وحساسة ودبلوماسية .

نص بيان الخارجية الامريكية الذي تحدث باسم الولايات المتحدة الامريكية ( وليس الخارجية ) على ” اننا نحترم رئيس الوزراء سعد الحريري كشريك قوي للولايات المتحدة … ” وأضاف انه ” ليس هنالك مكان او دور مشروع في لبنان لاية قوات اجنبية او مليشيات او عناصر مسلحة غير قوات الامن الشرعية للدولة اللبنانية …. وتحذر الولايات المتحدة اي طرف ، داخلي او خارجي ، من استخدام لبنان كموقع لصراع بالنيابة او بأية طريقة تساهم في زعزعة الاستقرار في ذلك البلد ” ؛ رغم قصر البيان الا انه من الواضح انه تمت صياغته بدقة بشكل يتم من خلاله توجيه رسائل عديدة تعبيراً عن الموقف الامريكي المعلن والملزم لها كحد أدنى يُطمئن حلفائها ، ليس فقط من الأزمة التي فتحتها الاستقالة ولكن ، من اجمالي الوضع المرتبك والمتشابك وغير المفهوم أحياناً في الاقليم ككل ويفهم منه وكان الموقف الامريكي هو الامساك بالعصا من الوسط . اما الموقف الامريكي الموازي وغير المعلن في البيانات الرسمية فهو مايعلنه الرئيس ترامپ من خلال تغريداته على تويتر وهو تقليد جديد في العلاقات الدولية وفي العمل الدبلوماسي الامريكي . هذه التغريدات تضع الجميع في حيرة ولكنها في النهاية تعبر عن نوايا الرئيس صاحب القرار النهائي في شؤون السياسة الخارجية الامريكية وفي هذا الاطار غرّد ترامپ بما يشير الى انحياز امريكي كامل للموقف السعودي ، وجزء من نواياه ، كما يبدو ، هو ادامة هذا الوضع المائع في المنطقة والذي يتيح له أفضل الفرص لاستنزاف ثرواتها وهي محط اهتمام تاجر العقارات ورئيس الدولة العظمى .

هذا الوضع المرتبك والشائك والمعقد ينعكس بشكل واضح ومركز على الساحة اللبنانية التي عاشت منذ عام ٢٠٠٨ على احتمال انفجار محتمل في آية لحظة وهو انفجار قد تكون قدحة اشتعاله الاولى في لبنان ولكن مواده المتفجرة تعم الاقليم برمته .

من خلال التطورات الاخيرة يمكن تلخيص الوضع في عنوان بسيط وهو : صراع النفوذ في اقليم المشرق العربي بين السعودية وايران ، وهو عنوان يختزل صراع محورين وتعكس لغة بيان الخارجية الامريكية رغبتها في تجنب وقوعه مع النأي بالنفس عن تأثيراته وما قد يجر اليه من استنزاف للطاقات والموارد لاي طرف ينغمس فيه لو حصل ، وهو موقف امريكي راسخ من معظم قضايا المنطقة طالما كانت لاتضر بمصالح امريكية مهمة .

جذور الصراع والاتفاق

هنالك مدرسة فكرية كبيرة في الولايات المتحدة ، من أقطابها الرئيس السابق اوباما والمخضرم كيسنجر ، تعود بجذور هذا الصراع الى صدر الاسلام وبالتحديد الى سقيفة بني ساعدة حيث ظهر الانشقاق الرئيسي الاول بين ماسيعرف بشيعة الامام علي وأهل البيت وبين ماسيعرف بأهل السنة والجماعة الذين ظلوا يمثلون الغالبية الكبرى من المسلمين ، ومثلتهما على المستوى السياسي سلطات حاكمة خلال معظم التاريخ الاسلامي . تعتبر هذه المدرسة ان هذا الصراع هو صراع وجودي ويتضمن بالنسبة للسعودية صراعاً من اجل بقاء السلالة السعودية الحاكمة ذاتها وشرعية كيان المملكة ومستقبل وروح الاسلام .

هذه النظرية ليست صحيحة بالمطلق وان كانت صحيحة وفق المؤشر العام للعلاقات بين المذاهب الاسلامية والسلطات السياسية التي استحوذت على العالم الاسلامي باسم هذه المذاهب منذ القرن العاشر وحتى الوقت الحاضر . غير ان هذه النظرة لاتفسر لنا حقيقة ان العلاقات بين السعودية وايران شهدت فترات مهمة من الازدهار حتى في ظل النظام الثوري بعد عام ١٩٧٩ والذي أعلن سقوط شرعية كل أنظمة الحكم في العالم الاسلامي وفق مبدأ ولاية الفقيه وتصدير الثورة .

لقد وقف كل من الشاه والسعودية في معسكر واحد خلال الحرب الباردة حتى قيام نظام الجمهورية الاسلامية في ايران رغم التباينات في رؤى تتعلق بآمن الخليج وهويته والسياسات النفطية داخل الاوپك مع توترات طارئة حول قضايا فرعية وصلت حد قطع العلاقات في احدى المناسبات عام ١٩٤٣ لكن ظروف المنطقة وتصاعد الحركات الثورية بعد الانقلاب في مصر عام ١٩٥٢ قاد البلدان الى تنسيق المواقف في مناسبات عديدة في وجه هذا المد الثوري الجمهوري ؛ أعقبت ذلك فترة من التوتر الشديد بعد سقوط الشاه وخلال سنوات العدوان الايراني على العراق في حرب الثمان سنوات وصلت حد الصدام العسكري المحدود بين سلاحي الجو الايراني والسعودي عام ١٩٨٤حيث تمكنت طائرتان سعوديتان من اسقاط ثلاث طائرات إيرانية بينما تمكنت طائرة رابعة من إصابة هدف مدني في الدمام . هذه العلاقات بدات بالتحسن منذ عام ١٩٨٩ بعد ظهور العراق كأكبر قوة عسكرية وسياسية في المنطقة مع توقعات بمستقبل اقتصادي مزدهر رغم الاعباء التي رتبتها الحرب ، ويعود هذا التفاؤل الى توجه المستثمرين الامريكيين والغربيين بشكل عام للاستثمار في العراق بنية تحويله الى مركز اقتصادي رئيسي رغم عدم الارتياح لتوجهات قيادته السياسية التي اعتقدوا انها قابلة للاحتواء بفعل الضغوطات التي يمثلها الوضع الاقتصادي مقابل الامال التي يبعثها التوجه الغربي اليه في حينها . كانت فترة طغت فيها مصالح المجمع المالي – التجاري في الولايات المتحدة مع ظهور بوادر نهاية الحرب الباردة وما يمكن ان تفتحه من فرص للاستثمار والتجارة الحرة وتراجع مؤمّل للعسكرة والتسلح . كان هذا المستقبل المؤمّل للعراق مصدر قلق لأكثر من طرف في المنطقة من بينها السعودية وايران واسرائيل .

كان لدخول العراق الى الكويت اثره في تعميق الصلات بين ايران والسعودية وقد تم في عهدي الرئيسين رفسنجاني وخاتمي احراز تقدم كبير في العلاقات الثنائية ؛ باستثناء التوتر الذي نجم عن تفجير ابراج الخُبٓر عام ١٩٩٦ وتكرار حوادث الحجاج الايرانيين في السعودية فان التقدم في العلاقات بلغ ذروته عام ١٩٩٧ بزيارة قام بها الرئيس خاتمي للسعودية ثم شهدت العلاقات تطوراً اضافياً بتوقيع اتفاق أمني عام ٢٠٠١ ، واستمرت هذه العلاقات بالتحسن بعد سقوط نظام صدام حسين وبدء التمدد الايراني في المنطقة ، ووصلت حد مشاركة الرئيس احمدي نجاد في قمة خليجية عقدت في الدوحة أواخر عام ٢٠٠٧ حيث ألقى خطاباً تصالحياً ومطمئناً لدول الخليج ، ورغم ان الدعوة لنجاد كانت موجهة من جانب قطر الدولة المضيفة للقمة لكن الحفاوة التي قوبل بها من جانب الملك الراحل عبدالله كانت واضحة . لم يدرك السعوديون انهم في ورطة حقيقية جراء الاداء الامريكي الذي قاد الى سيادة النفوذ الايراني في العراق الا في وقت متأخر نسبياً وتحديداً بعد الملابسات التي نجمت عن الربيع العربي والثورة المضادة التي قادتها السعودية في عموم المنطقة والتي حالت دون امكانية اعادة تأسيس أنظمة شعبية مستقرة من شانها تهديد بقية الأنظمة المتهاوية والتي تسود المنطقة منذ عقود طويلة .

ان ما ساهم في ضبط إيقاع الخلافات السعودية الايرانية حتى وقت قريب هي طبيعة العقلية التي تسير الأمور في البلدين والتي تنتهج سياسات ذات طبيعة براغماتية جنبتهما الانزلاق حتى الان نحو صدام غير محسوب ، لكن البلدين يتابعان وبقوة منذ احتلال العراق سياسات مد النفوذ او التصدي له ؛ بالتالي يمكن القول ان التردي الحالي في العلاقات يعود الى فراغ القوة في المنطقة والذي أنتجته عوامل متزامنة عدة أهمها ماذكرناه من انهيار بعض الأنظمة تحت وطأة الاحتجاجات الشعبية دون تأسيس البديل المستقر بسبب التدخلات الدولية والإقليمية التي اخذت شكل ثورة مضادة بحجة الحيلولة دون تفرد الإسلاميين بالسلطة ، والغزو الامريكي للعراق الذي احال البلاد الى حالة من الحرب الأهلية الطائفية والإثنية في ظل غياب سلطة وطنية حقيقية مما ادى لإخراجه من معادلات توازن القوى الاقليمي ، ثم ما أعقب ذلك من انسحاب مستعجل للولايات المتحدة تحت تأثير الأزمة المالية الخانقة لعام ٢٠٠٨ جراء تكاليف الحرب والتي ماتزال اثارها قائمة حتى اليوم . هذه عوامل تزامنت وأنتجت ظروفاً مؤاتية لكل أنواع عدم الاستقرار كما أنتجت موجة من الاٍرهاب ومستويات غير مألوف من الجريمة المنظمة وانتشار ظاهرة التنظيمات المسلحة التي اخذت تلعب ادواراً اقليمية تفوق أحياناً ما تستطيع تقديمه الجيوش النظامية . من هذه التنظيمات المليشيات الكردية وتلك المرتبطة بايران او المليشيات التي تشكلت اثر الانشقاقات عن الجيوش خلال الثورات التي تفجرت منذ أواخر عام ٢٠١٠ .

الأزمة اذن تقع في إطار صراع النفوذ والمصالح وليست جزءاً من صراع تاريخي ايديولوجي وان كانت تتوافق مع سياقه التاريخي العام ويتخذ الطرفان من بعض شعاراته لتبرير السياسات وتسويقها لدى العامة .

البيئة الاقليمية الجديدة

لقد تطور فراغ القوة في المنطقة الى حالة من التمدد الايراني واسع النطاق جراء استثمار ناجح من جانب ايران وفشل سعودي في قراة النتائج المترتبة عنه او عجز بنيوي وعدم توفر الإرادة لاستثماره خشية ظهور قوى سياسية محلية وداخلية منافسة تشكل خطراً على فلسفة النظام السعودي ذاته بضمن ذلك تيارات الاسلام السياسي والتيارات القومية واليسارية .

لقد ذهبت ايران الى استثمار جميع الفرص التي أتاحتها الفوضى التي عمت المنطقة ؛ لجأت الى توحيد كل الطوائف المنسوبة للتشيّع والتي كانت موضع المئات من فتاوى التكفير على يد كبار فقهاء المذهب الاثني عشري مثل العلوية والإسماعيلية والزيدية الجارودية ، كما تبنت حركات الاسلام السياسي السني التي شكل دعمها رصيداً سياسياً مثل حركة حماس والجهاد الاسلامي ، ووصل الدعم حد التمويل المباشر والإمداد بالخبرات والسلاح ورسم الستراتيجيات وقدمت للجميع نموذج حزب الله الناجح للاهتداء به ، بينما بادرت السعودية الى اعلان جميع حركات الاسلام السياسي مثل الاخوان المسلمين حركات متطرفة ثم ارهابية بعد ان تحالفت مع الأنظمة العربية الرجعية لإجهاض التيارات القومية واليسارية وتيارات الحداثة الفكرية والاجتماعية ، وعلى هذا الاساس قاومت موجة التغيير السياسي التي حملتها رياح التغيير خلال الربيع العربي مما أفقدها امكانية التحالف مع أقوى التنظيمات السياسية في الشارع العربي كما ساهمت ، عن قصد او سوء تقدير ، في الحيلولة دون قيام أنظمة قوية مستقرة في اكثر من بلد عربي ومن بادر فيها الجيش لتسلم الأمور فقد اصبحت مشلولة جراء أستمرار سياسات الفساد التي مثلتها أنظمة الانقلابات العربية منذ مطلع خمسينات القرن الماضي ، ولم يتبق أمامها لمواجهة المد الايراني الذي اغرق المشرق العربي غير محاولات يائسة لتأسيس تحالفات هي اقرب الى الوهم منها الى الحقيقة بعد ان اصبح الانسحاب الامريكي فراغاً مضافاً خلال عهد باراك اوباما .

اعلنت السعودية خلال العامين ونصف الاخيرة عن تأسيس ثلاثة تحالفات بعد ان فشلت في تحويل مجلس التعاون الى تحالف له أسسه المفهومة والواضحة فضلاً عن ابعاده الامنية والاجتماعية والاقتصادية والأيديولوجية ولكن الرغبة في الهيمنة والتفرد بالسيطرة قاد المجلس الى طريق مسدود انتهى بما نعرفه اليوم بأزمة قطر وهي أزمة يعتقد البعض انها لم تكن لازمةً وتوقيتها خاطىء وليست لها اهداف واضحة لان القضايا التي تم الحديث فيها باعتبارها خلفية الأزمة هي مشتركات خليجية منذ عقود ، كما يعتقد محللون غربيون ان هذه الأزمة قد أنهت وجود مجلس التعاون الخليجي من الناحية الواقعية وهو الإنجاز الأهم في تاريخ الخليج العربي المعاصر ، رغم ان اخرين يعتقدون ان عمر مجلس التعاون قد انتهى منذ اندلاع أزمة اليمن والتدخل العسكري فيها وهو تدخل جاء متأخراً وان أطراف خليجية ( الامارات تحديداً ) دعمت الحوثيين نكايةً بحزب الاصلاح المرشح الاقوى في حينه لخلافة صالح في السلطة .

بديلاً عن مجلس التعاون وفي إطار تعاملها مع الخطر الذي مثلته التطورات التي اوصلت الحوثيين الى السلطة في اليمن اعلنت السعودية عن تأسيس التحالف العربي الذي باشر بحملة عسكرية شاملة ضد الانقلابيين الحوثيين ثم تم الاعلان عن تحالف عربي إسلامي امريكي لمحاربة الاٍرهاب والتطرف الديني خلال الزيارة الشهيرة للرئيس ترامپ للسعودية ، وفي منتصف شهر ت١ / أكتوبر الماضي جرى في البحرين عقد مؤتمر عسكري شرق أوسطي في البحرين بقيادة السعودية ويجري الحديث عن تحالف سعودي – مصري ولكن مصر تتصرف بطريقة لاتتناسب مع صفة حليف في القضايا الحساسة التي تهم المملكة وآخرها التصعيد الذي نجم عن قيام الحوثيين بتوجيه صاروخ الى مطار الملك خالد في الرياض وجرى اتهام ايران وحزب الله بالوقوف خلف العملية حيث بادر الرئيس السيسي الى اعلان عدم تأييده لاي عمل عسكري ضد ايران او حزب الله كما قام مندوبه في الامم المتحدة بإحباط مشروع سعودي خليجي يهدف لمساءلة نظام الأسد عن جرائم ضد السكان في سوريا ؛ تواصل السعودية ايضاٍ الحديث عن تحالف مع الولايات المتحدة في التصدي لنفوذ ايران وحزب الله في المنطقة دون ان تدرك ان التحالفات مع الولايات المتحدة هي تحالفات من طرف واحد ، اي ان حليف الولايات المتحدة هو حليف على خدمة المصالح الامريكية وليس العكس .

هذه التحالفات كلها تعكس فشلاً سببه انعدام الرؤية الستراتيجية بعيدة المدى وعدم القدرة على التعامل مع الديناميات التي تتحكم بمسار العلاقات ومستويات النفوذ في المنطقة وفشل في تشخيص القوى الفاعلة فيها، ولكن وصول ترامب وخطاباته النارية تجاه ايران بعثت بعض الامال بامكانية تفعيلها وتوظيفها ضد النفوذ الايراني الذي تقدم بشكل سريع في المنطقة واصبح يمثل خطراً مؤكداً جسدته ظاهرة الصاروخ الذي كما يبدو قد أنهى كل التحفظات المألوفة في السياسة الخارجية السعودية وجاءت عملية استقدام الحريري من لبنان وتقديمه استقالته في سياق هذا الموضوع ؛ الرياض كما يبدو اكثر تصميماً من اي وقت مضى على التصدي للنفوذ الايراني ويبدو ان نقطة البدء ستكون من لبنان والعراق باعتبار ان اليمن ساحة حرب قائمة فعلاً يصعب التنبؤ بمآلاتها وقد تكون معالجة الوضع هناك مرهونة بنتائج المواجهة في الساحة الأرحب وهي شرقي المتوسط ؛ اما الوضع في سوريا فهو خارج نطاق التأثير وهو وضع محتكر من قبل الروس والامريكان وايران وتركيا وماعداها توابع فيه . هنا يتعين فهم المديات التي يمكن ان تذهب اليها السياسة الامريكية تجاه ايران والتي تحاول السعودية استثمارها ، خطأً او صواباً ، ودفعها نحو أقصى مايمكن في المواجهة مع ايران ولو كان ذلك بأثمان باهظة تم دفع اغلبها بالفعل .

المظلة الامريكية

لم يخف الرئيس ترامپ نواياه تجاه ايران منذ بواكير حملته الانتخابية وجاءت الإجراءات الامريكية الاخيرة برفض التصديق على إقرار بالتزام ايران بالصفقة النووية ثم فرض سلسلة من العقوبات ضد افراد ومؤسسات ذات صلة بالبرنامج الصاروخي او ذات صلة بما تم اعتباره نشاطات ارهابية . لكن المشكلة التي يبدو ان البعض لم يفهمها بشكل واضح هو حدود القدرة والارادة الامريكية تجاه ايران .

لاتوجد مصالح امريكية محددة تتسبب ايران بالاضرار بها ما عدا مايتصل بآمن اسرائيل ، وقد كانت تتركز في مرحلة ما بعدد من القضايا تمت معالجة بعضها . لقد تم نزع الترسانة الكيمياوية السورية وأخرجت سوريا نفسها كقوة مؤثرة في اي صراع ممكن مع اسرائيل ؛ تم ايضاً كبح جماح ايران فيما يتصل بالبرنامج النووي العسكري حتى قبل عقد الصفقة النووية وتحديداً في الأعوام ٢٠٠٣-٢٠٠٥ حيث بادرت ايران من جانب واحد بتفكيك مركز الأبحاث الخاص بتصنيع القنبلة الذرية ومكملاتها في مركز پارتشين ، ويبدو ان الغربيين قد عرفوا بذلك ولهذا تركزت المباحثات والصفقة النووية على قضيتين : تخصيب اليورانيوم والمرافق التي قد تساعد في انتاج مواد نووية عالية التخصيب ونظام تفتيش وتحقق فعّال ؛ اما الحديث الدائر اليوم عن الصفقة وكونها لاتؤمن بشكل كامل نزع الامكانات النووية العسكرية الايرانية فهو حديث يراد منه توجيه الضغط لتحقيق أغراض اخرى وهي تحديداً :

١- عدم السماح لمليشيات او قوى عسكرية مقربة من ايران قادرة على خوض حروب غير متناظرة للتواجد بجوار فلسطين المحتلة وهو ما يتناوله الخطاب الامريكي تحت عنوان التوسع الايراني في المنطقة .

٢- ايقاف الدعم الايراني لقوى المقاومة الفلسطينية المسلحة مثل الجهاد الاسلامي وحماس وهو يرد تحت عنوان إيقاف ايران دعمها للارهاب .

٣- نزع بعض الحلقات الخطرة من برنامج التسلّح الصاروخي الايراني والتي تثير قلق اسرائيل .

فيما عدا ذلك فانه لاتوجد قضية جوهرية او ذات اولوية خاصة تعكر صفو العلاقات الايرانية – الامريكية باستثناء تغريدات ترامپ على تويتر، ومن المهم ملاحظة ان أطراف عديدة داخل الولايات المتحدة بضمنها بعض المؤسسات الامريكية تعارض الخطاب المتشدد الذي يستخدمه ترامپ تجاه ايران وهي أطراف لاتقل اهتماماً بآمن اسرائيل من ترامپ لكنها تعتقد ان لايران دور مهم تلعبه في المنطقة وانها القوة المعادلة لما يعتبرونه بقايا التطرّف القومي العربي او التطرّف الاسلامي السني المتمثل بحركات السلفية الجهادية التي تنتشر في المنطقة ويتوقعون موجة مما يسمونه ” اخلاف داعش ” ؛ هذا موقف يناسب متطلبات الستراتيجية الامريكية .

من هنا فان التعويل السعودي على موقف امريكي حاسم في وجه ايران في الملفات التي تمس السعودية قد يكون في غير محله ؛ ان ايران تواصل تقدمها في الاقليم ونفوذها يتعاظم وهي مستمرة بدعم الحركات الطائفية الموالية لها في طول المنطقة وعرضها ، كما تزداد المنظمات المسلحة التي ترتبط بها خبرةً وقوةً خاصة بعد معارك تطهير المناطق التي استولت عليها داعش منذ عام ٢٠١٤ في سوريا والعراق .

الورطة السعودية

المتبقي الوحيد امام السعودية اذا ماتمكنت من تصفية أوضاعها الداخلية الحالية المرتبكة هو اعادة النظر في تحالفاتها وحساباتها . ان التعويل على ماتسميه بعض اوساط التفكير السعودية المليشيات الشيعية العربية المرتبطة بالعبادي او المؤتمرة بأوامر مرجعية السيد السيستاني يعكس سوء فهم وتقدير للوضع العراقي . من خلال جرد بسيط يمكن ملاحظة ان الكتلة الرئيسية للمليشيات الشيعية المسلحة في العراق هي مليشيات عربية تقدم الولاء للمذهب وترتبط عضوياً بالحرس الثوري الايراني وتتلقى الدعم والخبرة من قيادة فيلق القدس ومن قاسم سليماني وهي لاتخرج عن تقليد السيستاني كمرجع ديني وفق تقاليد المذهب الشيعي المعروفة وهذا لايخرج ولايتعارض مع ولائها لمرجعية السيد الخامنئي في الشؤون السياسية العامة التي ليست اصلاً مما يقع تحت تفويض مرجعية السيد السيستاني ، وهي جميعاً تتلقى دعماً مالياً رسمياً حكومياً عراقياً ومنحت صفة رسمية بقانون ؛ اسماء وعناوين هذه المليشيات معروفة ومشهورة وقد كتبت في وقت سابق مقالة مطولة حولها .

اما الكتلة الصدرية وجناحها المسلح جيش المهدي فهو يوالي مرجعية إيرانية وهي مرجعية السيد كاظم الحائري الذي لايخفي تأييده لسياسات ايران وقيادتها الدينية – السياسية وله في ذلك تصريحات معروفة ؛ لقد قام السيد مقتدى الصدر في وقت سابق بزيارة للسعودية وبعض حلفائها الخليجيين الامر الذي ولد انطباعات خاطئاً بان للرجل توجهات مختلفة عن بقية التيارات الشيعية في العراق ، وأقول انه انطباع خاطئ لان شيعة العراق يعيشون أزمة ثقة مع محيطهم العربي وقد انتهجت السعودية وغيرها سياسات ومواقف ذات طابع طائفي ضيق لفترات طويلة كما لاينسى العراقيون من السنة والشيعة موقف الجور الذي تعاملت به السعودية مع العراق منذ أزمة الكويت ودعمها للجَور الدولي الذي تمت ممارسته في حق العراق وخاصة في قضايا ترسيم الحدود . لايفهم الخليجيون الأبعاد الوطنية العراقية لقضية الكويت وهم ضحايا وهم زائف بانها قضية من صنع صدام حسين وكان يمكن تسويتها في إطار عربي واحتواء ما تضمنته من حماقة دون تدخل غربي ، اما المليشيات التي توصف بانها موالية للحكومة فهي لاتشكل وزناً له أهمية في الصورة العامة وقد تشكلت بعد فتوى السيد السيستاني وفق بعض التقسيمات العشائرية وظلت أدوارها ذات طابع عشائري محلي فضلاً عن محدودية اعدادها وإمكانياتها .

هنالك مراهنة على دور قد يلعبه العبادي وتحت مظلة امريكية للحد من نفوذ ودور الجناح المؤيد لايران في التحالف الوطني العراقي وحزب الدعوة وهو رهان في غير محله لان الرجل لايتمتع بأكثر مما يؤهله له مركزه السياسي الرسمي في إطار التشكيلة الحكومية الحالية التي جاءت في إطار تسوية معروفة قدلاتتوفر ظروفها حالياً ، وقد تكون له فرصة طيبة في اعادة تشكيل الحكومة بعد الانتخابات القادمة اذا ماتصرف بتوازن دقيق وتجنب الانخراط في اي صراع نفوذ بين الامريكان والايرانيين وهو مؤهله الوحيد . كما لاينبغي نسيان حقيقة ان هنالك انسحاباً عسكرياً امريكياً من العراق بعد إتمام المهمة في الموصل الى جانب انسحاب مماثل من سوريا واتفاق خفض التوتر الأخير في الجنوب السوري يأتي في سياق متصل .

ماهو المتوقع اذن بالنسبة للطرفين وماهي السيناريوهات المُحتملة ؟!

ينبغي للإجابة على ذلك التأكيد على انه لا السعودية ولا ايران هما السعودية وايران اللتان نعرفهما ! … ايران التي قطفت ثماراً سهلةً دانية ً جراء ظروف اقليمية صنعها تدخل امريكي عسكري لاعادة ترتيب توازنات القوى في المنطقة لصالح اسرائيل ، وسوء تقدير للموقف من جانب السعودية والخليج عليها اليوم ان تدافع عن هذه الثمار ، خصوصاً اذا ماعرفنا ان بعض مكاسبها الماضية قد اصبحت بحكم تطور الموقف الاقليمي ذات ضرورات وجودية ؛ لايمكن تصور ايران القوية المهيبة التي تُزبد وترعد في المنطقة دون ان تكون صاحبة اليد العليا في اقليم شرقي المتوسط ؛ هذا الوضع منحها مزايا ستراتيجية لاحصر لها ولعل أولها بعث قومية إيرانية تلتف حول النظام الذي يواجه أزمات ليست بالقليلة على الجبهات الاقتصادية والاجتماعية ، كما توفر لها اطلالة مباشرة على البحر المتوسط وتتنوع بذلك منافذ تجارتها وتواصلها مع العالم وخاصة اوروپا الى جانب منافذها القديمة التي يمر أهمها عبر تركيا ، ولايقل عن ذلك أهمية مايمنحها وجودها المهيمن في الاقليم من جوار على خط التماس مع اهم وأعقد مشكلة في المنطقة وربما العالم وهي القضية الفلسطينية من خلال وكلائها ومواليها على التخوم الشمالية لفلسطين المحتلة .

اما السعودية التي ألِفَت لعبة الدبلوماسية الهادئة والتي مكنتها ، الى جانب مواردها المالية الكبيرة ( حتى انهيار أسعار النفط ) ، من ان تكون طرفاً من وراء ستار في اهم الاحداث التي شهدتها المنطقة منذ الحرب العالمية الثانية وحتى اليوم . لقد مارست من خلال الكمون تحت مظلة النفوذ الامريكي من ابعاد اي منافسين عرب في المنطقة ، لكنها مضطرة اليوم لمواجهة حقائق الاقليم الناجمة عن ذلك مباشرة ، وقد انتقلت بالفعل مضطرة الى تبني سياسة تتسم بالمبادرة والهجومية … بدون ذلك فان مصائر الاقليم قد بدأت بالإفلات من بين أيديها في الوقت الذي تتقدم فيه ايران جراء شيوع الفوضى التي اثارتها الثورات المضادة التي دعمتها السعودية وفق حساب قاصر عن فهم المآلات الستراتيجية البعيدة لثورات الربيع العربي .

في هذا الاطار العام يتزايد الحديث مؤخراً عن احتمال قيام اسرائيل بعمليات تصعيد عسكري واسع النطاق في الجنوب السوري واللبناني قد ياخذ شكل اجتياح بري لتدمير قواعد حزب الله وترسانته الصاروخية والمليشيات المساندة في جوارها ، اخذاً بالاعتبار ان اسرائيل تقوم حالياً بعمليات قصف جوي ومدفعي متكرر لاهداف عبر خطوط وقف إطلاق النار في الجنوب السوري وهذا ما اشار اليه السيد حسن نصر الله مؤخراً متهماً السعودية بتحريض اسرائيل وعرضها تمويل مثل هذه العملية العسكرية ؛ يُعتَقدُ ان الاداء العسكري الاسرائيلي المتوقع سيكون مختلفاً من حيث الجوهر عن اُسلوب عام ٢٠٠٦ الذي اقتصر على الجهد الجوي مع تدخل بري محدود أخذ شكل المراوحة حول بعض القرى في الجنوب اللبناني . قد تبادر اسرائيل الى اجتياح بري واسع النطاق بعد ان اصبح واضحاً ان الولايات المتحدة ليست مستعدة للمضي دون تحفظات مع السياسات الاسرائيلية رغم التوافق في الاهداف العامة حتى في ظل ادارة صهيونية يمينية مثل ادارة ترامپ ، وهو مابدا واضحاً في الملف الكردي العراقي فضلاً عن الحساسية الاسرائيلية وخاصة لدى اليمين من التدخلات الامريكية الهادفة لاحياء عملية السلام لانهم يعتقدون ان ذلك يفتح ابواباً تكاد تغلق وان السلام المقبول لديهم هو فقط ذلك السلام الذي يتم فرضه بالقوة على الفلسطينيين وفق شروط إسرائيلية ، ومن غير المتوقع ان تتدخل الولايات المتحدة عسكرياً لمواجهة ايران الا في حالة تعرض مصالحها الحيوية او الإعداد المحدودة من جنودها في المنطقة لاعتداء إيراني مباشر او من قبل احد وكلائها ؛ امر لايبدو مرجحاً تحت الظروف القائمة .

قد تضطر اسرائيل للقبول بخسائر أولية محدودة جراء المراحل الاولى للعملية بفعل صواريخ حزب الله ، ولكن الموقف قابل للحسم العسكري السريع من خلال حملة برية قوية تأخذ شكل اجتياح شامل كما ان هدفه الستراتيجي قابل لتبرير الخسائر امام الجمهور الاسرائيلي لانه سيؤدي لاغلاق نهاية الخط البري الايراني الستراتيجي طهران – دمشق – بيروت وهو احد اهم المنجزات الايرانية في مرحلة مابعد داعش . ان صراعاً كهذا قد يتوسع ليشمل أطراف المنطقة الاخرين خاصة اذا مابادرت ايران الى استهداف مصالح حيوية رداً على العدوان الاسرائيلي المحتمل لان تكلل هذا العدوان بالنجاح سيضع مصيرالنظام في طهران على المحك .

لايمتلك المراقب كرة بلورية سحرية لاستقراء المستقبل المفتوح على احتمالات كثيرة ولكن ماتتحدث عنه التحليلات تؤكد ان هنالك تطورات خطيرة قد تأخذ شكل مواجهات عسكرية بين محورين يتبلوران في المنطقة منذ بعض الوقت . قد تبدأ الشرارة الاولى من لبنان او سوريا ثم تنتشر الى بقية المنطقة وربما تجر أطراف القضية الرئيسيين ، ايران والسعودية وحلفائهما ، الى المواجهة المباشرة . في تقديري ان اياً من الاطراف لايسعى لمثل هذه المواجهة ، ولكن الحروب غالباً ماتكون حصيلة قرارات انية خاطئة لمعالجة موقف ثانوي جراء تراكم عوامل الخلاف دون معالجات جادة .

المقال السابقأنا و الليل
المقال التالىهجرة الأدمغة في تونس : كسب أم خسارة ؟
فائز ناجي عبدالرحمن السعدون من مواليد بغداد / الأعظمية ١٩٤٦.. درس العلوم السياسية في جامعة بغداد وتخرج فيها عام ١٩٦٧.. انخرط للعمل في السلك الدبلوماسي العراقي منذ منتصف السبعينات وعمل في البعثات الدبلوماسية العراقية في جنيف والاكوادور وجمهورية مالي وطهران وبوخارست ... تخصص في الشؤون الإيرانية منذ عا....
المزيد عن الكاتب

لا تعليقات

اترك رد