وللمرأة مثل حظه في الرغيف


 

قبل اكثر من عامين دخلت ابنتي ذات العشرين ربيعاً البيت ضاحكة بعد أن اعطيتها حرية الاختيار في دراستها الجامعية!
قالت: وهي تحدثني كنت انا وزميلتي الوحيدتان في قاعة المحاضرة، ويبدو اننا سنبقى كذلك طوال أعوام الدراسة الثلاث القادمة ، اذ لا توجد اناث ترغب بدراسة الهندسة المدنية فهناك اعتقاد ان هذا النوع من الدراسة حكراً على الرجال فقط ، لكني سأثبت لكل الطلبة عكس ذلك ويمكنني هزم تصوراتهم الذكورية.
فقد احببت هذه المهنة رغم الصعوبات التي سأواجهها. جعلتني ابنتي استعيد الماضي طوال سنين عمرها التي حاولت تفادي تغذية المجتمع لها بأنها ليست سوى انثى تلبس الفساتين الزهرية اللون وتلعب بعرائس الباربي ، تلك العرائس التي جعلتها تستاء لانها نحيفة وكاملة الجمال، فقد يأست ابنتي من التشبه بها لحبها للحلوى والاكلات السريعة في ذلك الحين. الى جانب انها كانت تحضر دروس الطهو والتطريز بالمدرسة.
كان اخوها يرفض تلك الدورس، فقد كان حلم الصبي ان يصبح كـ (بوب ذي بيلدر) الشخصية المحببة لجميع من في المدينة لإصلاح بيوتهم وشوارعهم بعدته المتنوعة. اما اليوم فأبني يمارس هواية الطهي بوقت فراغه!

كنت اول المعارضين على اختيار ابنتي لتلك المهنة ، لانني لم أؤمن بانها ستنجح بها لانها مهنة شاقة جدا لا تلائم جسدها الرقيق. فقد اعتدت رؤية تلك القبعة الصفراء الواقية يرتديها الرجال ذوي العضلات المفتولة مما نراهم في السينما والتلفاز.
كان ولوج ابنتي هذا المضمار نقطة تحول لي حيث رأيت بهذه الشابة الطموحة والقوية ما يجعلها ناجحة بما اختارت لانها احبت هذا المجال وستبدع به. باركت لها اختيارها ومازحتها قائلة انها يجب ان تمارس رياضة الاثقال حتى تتحمل اعباء العمل مع الرجال وعنصرية البعض منهم. لان هذه الحقيقة اصبحت جزء من حياة اكثر النساء العاملات وهي التعامل معهن بتمييز على اساس جنسها.

يتفشى التمييز ضد المرأة في كافة أنحاء العالم بشكل كبير لا يمكن استيعابه فقد نشرت صحيفة الغارديان البريطانية مؤخرا إحصائية مفادها بأن النساء يعملن ثلثي عدد ساعات العمل وينتجن ما يعادل نصف غذاء العالم ومع ذلك يشكلن نسبة ٥٠ ٪‏ من الفقر. فرغم جهودهن إلا انهن يجنين ١٠ ٪‏ فقط من الدخل العالمي اما الملكية فصدق او لا تصدق انهن يملكن ١ ٪‏ فقط من ملكية الارض هذه. يالها من مفارقة !!!!!

و لإثبات ما اعنيه كشفت دراسة اخرى في التلغراف ان أربعة من كل عشرة بريطانيين يعتقدون ان النساء غير مؤهلات للكثير من المهن كالعمل في مجال الطيران او الميكانيك والهندسة او حتى الجراحة وغيرها من الاختصاصات التي اعتدنا ان نرى بها الرجال بكثرة من دون علمنا الاسباب. كما ان اكثر من ٤٠ ٪‏ من المجتمع البريطاني يعتقد بان هنالك مهن غير مناسبة للرجال ايضا مثل وظائف القابلة والتمريض والمربية والتجميل.

وذلك يجعل التمييز بين الجنسين جزء لا يتجزأ من ثقافة الشعوب المتقدمة ايضاً.
أتذكر ذات مرة اشتكت زميلة لي في الجامعة من ان طبيبها لا يتواجد بعيادته في كثير من الأحيان، و ان هنالك طبيبة تحل محله مما يضطر زميلتي ان تنتظر طويلا لرؤية الطبيب فسألتها وما المانع ان تحل تلك الطبيبة محله اجابتني أيعقل أن أسلم جسدي لامرأة؟ فقلت: يا لك من بلهاء وهل انت من كوكب آخر أومن جنس اخر؟
تقول احدى المهندسات انني أعاني اذ لا احد يقبل ان يناقشني بأي مشروع يود القيام به وحينما ارد على الهاتف يطلب المتصل ان يتحدث الى رئيسي في العمل وعندما اقول له بأني انا الرئيسة، ينهي المكالمة!

ولننظر للمسألة من منظور علمي وهل هناك اختلاف بين شكل العقل وطريقة تفكيره بين كلا الجنسين؟
وجدت البحوث بعض الاختلافات الرئيسية التي يمكن أن تفسر اختلاف التفكير والتصرف بين الرجل والمرأة. لكنها لا تأثر اطلاقا بتطور العقل ومن المدهش أن الدراسة اكدت بأن ٦ من بين ١٠٠ عقل تتشابه بالشكل وطريقة العمل عن غض النظر من الجنس. اي أن شكل العقل البشري في كثير من الأحيان لا ينتمي لفئة جنس معينة. والاختلاف يأتي هنا في الهرمونات وتأثيرها على المسارات العصبية بالتفكير و كما يقول البروفيسور راجيني فيرما في جامعة بنسلفانيا فيلادلفيا أن مسار العقلين كأثنين يسافران من فيلاديلفيا الى نيويورك فهم يأخذون طرق مختلفة لكنهم بنهاية المطاف يصلان لنفس الوجهة.

اما ان كانت المعوقات للعمل جسدية لان بنية الرجل اقوى منها عند المرأة. فقد أجريت دراسة في عام 1986 في جامعة جورجيا في مختبر الأداء البشري على أكثر من ٥٠ طالب بين ذكر وأنثى من نفس الفئة العمرية يمارسون تقريبا نفس الأنشطة اليومية واكتشف أن الرجل قوي في الجزء العلوي من الجسم اما الأنثى فهي اقوى عضليا بأسفل الجسد لهذا يأكد البروفيسور أن قوة الجسد تعتمد على الأنشطة الروتينية التي يتحرك بها الجسد يوميا وليس كبر ألياف العظلات ذاتها.

ان معاناة المرأة الغربية لا تساوي عشر معشار ما تعانيه المرأة الشرقية في بلداننا التي يتلذذ الكثير من الرجال بمعاناتهن وظلمهن.

لقد خطر ببالي وانا اقرأ دراسة عن وضع المرأة من مواقع غربية و ما تعانيه من تمييز عنصري في العمل، فتذكرت حال المرأة الشرقية وما تعانيه من ظلم وقهر ، حينما يمارس ضدها اشد انواع التمييز التي تؤدي الى خضوعها وتقييدها وانكسارها والتنازل عن حقوقها وحريتها. نتيجة معتقدات دينية واجتماعية و اعراف قبلية لا علاقة لها بالانسانية.
وَمِمَّا يؤسف له ان استطلاعاً للرأي اجري في عام ٢٠١١ لأكثر من ٢٠ دولة عربية عن حقوق المرأة أظهر ان جميع تلك الدول لا تحترم حقوق المرأة والبنود الاساسية الخاصة بأتفاقية الامم المتحدة لعام 1969 للقضاء على التمييز العنصري بالعمل وغيره. اضافة الى انتشار ظاهرة العنف ضدهن بالعمل وفِي البيت بشكل مستمر.

من الغريب لا تزال هذه القضية حاضرة بقوة ونحن في القرن الواحد والعشرين و الذي من المفترض ان نقرأها في كتب التأريخ كماضٍ عاشه اجدادنا نراها ليومنا هذا متجذرة بعمق في ثقافتنا والتي اصبحت حاجزا أمام المساوات بين المرأة والرجل باتخاذ القرارات المصيرية في المجتمع ويبدو أن المساوات تتطلب تغيير جذريا بطريقة التفكير والسلوك وليس فقط الالتزام بالقوانين. فكم قرن سننتظر حتى تستوعب المجتمعات بأن للمرأة مثل حظ الذكر؟ ويجب أن تعامل على كونها إنسان وتملك نفس القدرات التي يمتلكها شريكها في الحياة بغض النظر عن جنسها الفسيولوجي

لا تعليقات

اترك رد