النكاح والزواج .. ثنائية الفقه والقانون في مجال الأحوال الشخصية


 

مراجعة لمقترح تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي من الناحية القانونية والفقهية

اضطرني سبي اخواتي العراقيات الايزيديات واغتصابهن ان لا اختبأ خلف أصابعي او أدفن راسي في الرمل كالنعامة، فأعلنت صرختي بوجه الموروث ( المقدس ) للسبي والاغتصاب في الاسلام وجذوره القرآنية ، كنوع من الاعتذار يصدر عن رجل دين مسلم لبنات بلدي الكريمات، فقد وقفت في مؤتمر الجينوسايد في أربيل عام 2014 معلنا براءتي من كل النصوص والاحكام والفتاوى الاسلامية التي تبرر وتجيز قتل الايزيديين وسبي نسائهم وأطفالهم باسم الله والاسلام، وقد كلفني موقفي ذاك الكثير من اخوتي المسلمين السنة والشيعة حتى وصل الامر الى اتهامي بالعمالة للصهيونية والماسونية والشذوذ الاخلاقي والجنسي!

واليوم اضطر مرة اخرى لتبني موقف أعلم مسبقا انه سيكلفني الكثير كذلك ، واعلم اني سافقد عددا اخر من أعز الاصدقاء والأقارب من قائمة المحبين، وسأواجه تهديدات جديدة، لكن ذلك كله لن يثنيني عن قول الحق ومواجهة الانحطاط الاخلاقي الذي يراد منه (تشريع) اهانة كرامة الانسان العراقي.

ان اصرار قوى الاسلام السياسي بتواطؤ مرجعيات دينية مستفيدة من فسادهم وانحرافهم على تشريع قوانين غير اخلاقية تحت عباءة الدين وتطبيق احكام الشريعة، متجاهلين اعتراضاتنا ومطالباتنا المستمرة والصادقة بحفظ ما تبقى من سمعة الدين الاسلامي في نفوس وضمائر امهاتنا وآبائنا الطيّبين، يجعلنا في مواجهة لم نختارها ولم نتمناها مع تراثنا الديني ويضطرنا لكشف التشوهات الفظيعة التي دعتنا للمناداة بتصحيح المسار ومراجعة هذا التراث المشوه.

رغم الملاحظات الكبيرة على قانون الاحوال الشخصية العراقي رقم 188 لسنة 1959 الذي اعتمد الشريعة الاسلامية اساسا للتشريع الا انه كان افضل بكثير من القوانين المعمول بها في دول المنطقة من حيث منح المرأة بعض حقوقها الانسانية المقبولة نوعا ما، خصوصا اذا اخذنا بنظر الاعتبار قرارات مجلس قيادة الثورة المنحل ذات الصلة كتوريث المرأة في العقارات والاراضي.
لكن الاحزاب الاسلامية في العراق ومنذ التغيير في 2003 تسعى جاهدة لتعديل هذا القانون لا بهدف تطويره ومعالجة الثغرات فيه وانما لتكريس قيم قديمة متخلفة وثقافة بالية في امتهان المرأة وتبرير اغتصابها طفلة تحت مظلة القانون والدستور!

ففي الوقت الذي اعلنت وزارة التخطيط في تقريرها السنوي ارتفاع معدلات الطلاق في العراق بشكل يهدد امن الاسرة، الى جانب تقارير وزارة العمل والشؤون الاجتماعية عجزها عن تغطية احتياجات النساء العراقيات ( ارامل ومطلقات ومشردات ) لعدم توفر الوفرة المالية المطلوبة وتزايد معدلات الطلاق والوفيات وارتفاع عدد الايتام بشكل مخيف في البلد الذي يواجه حربا مفتوحة مع الارهاب الاسلامي، يعمد مجلس النواب العراقي الى تقديم مقترح قانون تعديل قانون الاحوال الشخصية بشكل يجيز للمواطنين العراقيين الزواج استنادا لفقه المذهب الذي يختاروه، كما تنص المادة الأولى من مقترح التعديل:
يضاف ما يلي إلى آخر المادة الثانية من قانون الأحوال الشخصية رقم 188 لسنة 1959(المادة الثانية:
1 -تسري أحكام هذا القانون على العراقيين إلا من أستثني منهم بقانون خاص. ) المعدل ويكون البند (3) لها:
أ. يجوز للمسلمين الخاضعين لأحكام هذا القانون تقديم طلب إلى محكمة الأحوال الشخصية المختصة، لتطبيق الأحكام الشرعية للأحوال الشخصية وفق المذهب الذي يتبعونه.
ب. تلتزم المحكمة المختصة بالنسبة للأشخاص الوارد ذكرهم في الفقرة (أ) من هذا البند عند إصدار قراراتها في جميع المسائل التي تناولتها نصوص قانون الأحوال الشخصية رقم 188 لسنة 1959 المعدل وغيرها من المسائل المتعلقة بالأحوال الشخصية، بإتباع ما يصدر عن المجمع العلمي في ديوان الوقف الشيعي، والمجلس العلمي والإفتائي في ديوان الوقف السني، وتبعاً لمذهب الزوج، ويصح أن يكون سبباً للحكم.

ج. يلتزم المجلس العلمي في ديوان الوقف الشيعي بإجإبة المحكمة عن استيضاحاتها، وفقاً للمشهور من الفقه الشيعي وفتاوى الفقهاء الاعلام، وعند عدم الشهرة يؤخذ برأي (المرجع الديني الأعلى) الذي يرجع اليه في التقليد أكثر الشيعة في العراق من فقهاء النجف الأشرف.
د. يلتزم المجلس العلمي والإفتائي في ديوان الوقف السني بإجابة المحكمة عن استيضاحاتها، وفقاً للمشهور من الفقه السني.

وهنا ينبغي ان اسجل مجموعة ملاحظات جوهرية بالغة الاهمية على هذا التعديل:

اولا: ان التعديل تمييزي لانه يسمح للمسلمين من العراقيين دون غيرهم بالاحتكام لمعتقدهم ومذهبهم الديني بان يختاروا اسلوب الزواج الذي ينظم حياتهم الاسرية، ولا ينص على ان لجميع العراقيين ان يختاروا طبقا لمعتقدهم الاسلوب الذي ينظم حياتهم الاسرية ما يجعل غير المسلمين من البهائيين والايزيديين واليارسانيين والكاكه يي والملحدين واللادينيين والملحدين وغيرهم محكومين بالقانون القديم الذي شرّع اساسا بالاعتماد على الفقه الاسلامي!

ثانيا: يمنح هذا التعديل حاكمية طاغية للمذاهب الرسمية والقرآءات الفقهية بمدارسها التقليدية الشيعية والسنية عبر نافذة واحدة محددة متمثلة بدواوين الاوقاف الشيعي والسني في اطار مرجعي محدد، كما يمنحها حقا حصريا في تنظيم حياة المواطنين السنة والشيعة اعتمادا على مشهور اقوال الفقهاء كما في ( ج -1 – من المادة الثانية منه )ما يعني بالضرورة اغلاق باب الاجتهاد والتجديد بما يتناسب مع حاجات إنسان اليوم! كما يشرع بشكل مخيف ولاية وسيادة للفقيه ( المرجع الاعلى للشيعة في النجف الاشرف) على احكام القضاء في هذا الموضوع، ما يعني ان ولاية فقيه (مجزئة ) تنفذ من الشباك بعد ان منع الدستور دخولها من الباب!

ثالثا: الزواج في القانون يشبه النكاح في الفقه الاسلامي شكلا، ولكنه يغايره مضمونا بشكل كامل، وهنا ينبغي ان نتوقف طويلا، حيث يعرف قانون الاحوال الشخصية العراقي رقم 188 لسنة 1959 الزواج في المادة الثالثة كالتالي : 1 -الزواج عقد بين رجل وإمرأة تحل له شرعاً غايته إنشاء رابطة الحياة المشتركة والنسل.
بينما يعرف الفقه الاسلامي الزواج على وفق آراء اهم فقهاء المذاهب الاسلامية على النحو التالي :

١- الحنفية – عرف بعضهم النكاح بأنه عقد يفيد ملك المتعة قصدا، ومعنى ملك المتعة اختصاص الرجل ببضع المرأة. وسائر بدنها من حيث التلذذ، فليس المراد بالملك الملك الحقيقي، وبعضهم يقول: إنه يفيد ملك الذات في حق الاستمتاع، ومعناه أنه يفيد الاختصاص بالبضع يستمتع به، وبعضهم يقول: إنه يفيد ملك الانتفاع بالبضع وبسائر أجزاء البدن بمعنى أن الزوج يختص بالاستمتاع بذلك دون سواه.
٢- الشافعية – عرف بعضهم النكاح بأنه عقد يتضمن ملك وطء بلفظ إنكاح أو تزويج أو معناهما والمراد أنه يترتب عليه ملك الانتفاع باللذة المعروفة.
٣- المالكية – عرفوا النكاح بأنه عقد على مجرد متعة التلذذ بآدمية غير موجب قيمتها ببينة قبله غير عالم عاقده حرمتها ان حرمها الكتاب على المشهور أو الإجماع على غير المشهور اهـ ابن عرفة، ومعنى هذا أن النكاح عبارة عن عقد على متعة التلذذ المجردة.
٤-الحنابلة – قالوا: هو عقد بلفظ إنكاح أو تزويج على منفعة الاستمتاع وهم يريدون بالمنفعة الانتفاع كغيرهم لأن المرأة التي وطئت بشبهة أو بزنا كرهاً عنها لها مهر مثلها وهي تملكه لا الزوج إن كانت متزوجة لقوله عليه السلام: “فلها بما استحق من فرجها” أي نال منه بالوطء).
٥- الشيعة الامامية: يقول المحقق النجفي في موسوعته جواهر الكلام في شرح شرائع الاسلام :كتاب النكاح الذي هو في اللغة للوطء عند المشهور بل عن المختلف الإجماع عليه، بمعنى اتفاق أهل اللغة، قال في محكي الصحاح: «النكاح الوطء و قد يقال للعقد» و في محكي المغرب «أصل النكاح الوطء ثم قيل للتزويج نكاح مجازا، لأنه سبب للوطء».

ومن هنا نستلخص الفرق الموضوعي الجوهري بين النكاح الذي هو ممارسة الجنس بمباركة الرب واحتكار الفرج وفق الفقه الاسلامي، وبين الزواج الذي هو نواة المنظمومة الاجتماعية والاساس لتشكل الاسرة وفق القانون، وهو خلل بنيوي ومنهجي في هذا القانون الذي يشرع انتهاك الاسرة من خلال حصر العلاقة الزوجية بالعلاقة الجنسية بين الزوجين.

رابعا: يشرع هذا التعديل انتهاك برآءة الاطفال وهي مخالفة صريحة وفاضحة للدستور الذي يلزم الدولة بحماية الطفولة كما تنص المادة (29): أولاًً :
أـ الأسرة أساس المجتمع، وتحافظ الدولة على كيانها وقيمها الدينية والأخلاقية والوطنية.
ب ـ تكفل الدولة حماية الأمومة والطفولة والشيخوخة، وترعى النشئ والشباب، وتوفر لهم الظروف المناسبة لتنمية ملكاتهم وقدراتهم.
ثانياً :ـ للأولاد حقٌ على والديهم في التربية والرعاية والتعليم، وللوالدين حقٌ على أولادهم في الاحترام والرعاية، ولاسيما في حالات العوز والعجز والشيخوخة.
إذ لا يمكن ان تصور حماية طفولة وبراءة البنت التي يتم اغتصابها جنسيا بعمر تسع سنوات الذي يشرعه هذا التعديل في المادة ثانيا ( ج ) التي ترجع حكم الزواج لفتوى المرجع الشيعي الاعلى في النجف الاشرف ومشهور الفقه الشيعي، ولغرض توضيح هذه النقطة ادرج رأي ابرز مراجع النجف المعاصرين ممن يقلدهم غالبية الشيعة في العراق:
١- الامام السيستاني: منهاج الصالحين ج3
الفصل الاول: مسألة 8 : لا يجوز وطء الزوجة قبل إكمال تسع سنين، دواماً كان النكاح أو منقطعاً، واما سائر الاستمتاعات كاللمس بشهوة والتقبيل والضم والتفخيذ فلا بأس بها، ولو وطئها قبل اكمال التسع ولم يفضها لم يترتب عليه شيء غير الاثم على الاقوى، ـ والافضاء هو التمزق الموجب لاتحاد مسلكي البول والحيض أو مسلكي الحيض والغائط أو اتحاد الجميع ـ ولو افضاها لم تخرج عن زوجيته، فتجري عليها احكامها من التوارث وحرمة الخامسة وحرمة اختها معها وغيرها، ولكن قيل: يحرم عليه وطؤها ابداً. إلاّ أن الاقوى خلافه، ولا سيما إذا اندمل الجرح ـ بعلاج أو بغيره ـ نعم تجب عليه دية الافضاء، وهي دية النفس ان طلقها، بل وإن لم يطلقها على المشهور، ولا يخلو عن وجه، وتجب عليه نفقتها ما دامت مفضاة وإن نشزت أو طلقها، بل وإن تزوجت بعد الطلاق على الاحوط. ولو دخل بزوجته بعد إكمال التسع فأفضاها لم تحرم عليه ولم تثبت الدية، ولكن الاحوط وجوب الاِنفاق عليها كما لو كان الافضاء قبل إكمال التسع، ولو افضى غير الزوجة بزناء أو غيره تثبت الدية، ولكن لا إشكال في عدم ثبوت الحرمة الاَبدية وعدم وجوب الانفاق عليها.

٢- الامام السيد محمد محمد صادق الصدر:
منهج الصالحين كتاب النكاح الفصل الاول:
مسألة 8 : لا يجوز وطء الزوجة قبل إكمال تسع سنين، دواماً كان النكاح أو منقطعاً، واما سائر الاستمتاعات كاللمس بشهوة والتقبيل والضم والتفخيذ فلا بأس بها، ولو وطئها قبل اكمال التسع ولم يفضها لم يترتب عليه شيء غير الاثم على الاقوى، ـ والافضاء هو التمزق الموجب لاتحاد مسلكي البول والحيض أو مسلكي الحيض والغائط أو اتحاد الجميع ـ ولو افضاها لم تخرج عن زوجيته، فتجري عليها احكامها من التوارث وحرمة الخامسة وحرمة اختها معها وغيرها، ولكن قيل: يحرم عليه وطؤها ابداً. إلاّ أن الاقوى خلافه، ولا سيما إذا اندمل الجرح ـ بعلاج أو بغيره ـ نعم تجب عليه دية الافضاء، وهي دية النفس ان طلقها، بل وإن لم يطلقها على المشهور، ولا يخلو عن وجه، وتجب عليه نفقتها ما دامت مفضاة وإن نشزت أو طلقها، بل وإن تزوجت بعد الطلاق على الاحوط. ولو دخل بزوجته بعد إكمال التسع فأفضاها لم تحرم عليه ولم تثبت الدية، ولكن الاحوط وجوب الاِنفاق عليها كما لو كان الافضاء قبل إكمال التسع، ولو افضى غير الزوجة بزناء أو غيره تثبت الدية، ولكن لا إشكال في عدم ثبوت الحرمة الاَبدية وعدم وجوب الانفاق عليها.

وبعد الاطلاع على فتوى ابرز واهم مراجع الشيعة المعاصرين في النجف يتضح بان هذا التعديل يعرض حياة وأمن وبرآءة الطفلة العراقية لخطر انتهاك يجرمه القانون الدولي وهو ( البيدوفيليا – Pedophilia ) هو الإنجذاب الجنسي للأطفال ، وتم تصنيفه كإضطراب طبقاً للدليل التشخيصي والإحصائي للاضطرابات العقلية منذ عام 1968 ، والصادر من الجمعية الأمريكية للطب النفسي (APA) ، وقد اخذت ( منظمة الصحة العالمية ) ذات الموقف واعتبرته إضطراب جنسي ونفسي.

خامسا: يمارس الاسلاميون عملية تدليس خطيرة تعمد لتشويه الفهم الليبرالي للديمقراطية من خلال التاكيد على حق المواطن في حرية الدين والمعتقد الذي يكفله القانون والدستور لتبرير جريمة اغتصاب الاطفال وانتهاك براءتهم، بقولهم ان هذا التعديل يمنح المواطنين حق تظيم احوالهم الشخصية استنادا للشريعة الاسلامية اختياريا ولا يفرضه على جميع المواطنين وهو جوهر الليبرالية الديمقراطية، وهذا تدليس خطير فالليبرالية الديمقراطية تؤكد على حق الانسان في ممارسة حريته الشخصية دون المساس بكرامة وحقوق الاخرين فضلا عن انتهاكها! وهذا القانون يشرع انتهاك كرامة الاطفال وبرائتهم وهي جريمة يعاقب عليها القانون.

لاتمثل هذه الملاحظات الا مراجعة بسيطة اولية لما يمكن تصوره من انتهاكات وجرائم يشرعها هذا التعديل، وهي لا تسعى لاستعداء احد او مصادرة حق احد في تنظيم حياته الشخصية والاسرية وفق معتقده الديني والفكري وانما هي محاولة جادة لحماية هامش انساني من كرامة الفرد والاسرة في العراق، ولو نص التعديل صراحة وبوضوح على تجريم زواج القاصرات دون سن 18 سنة الذي لا يتعارض مع طبيعة التشريع الفقهي الاسلامي السني والشيعي فان الموقف يتغير حين ذاك بشكل كبير جدا.

1 تعليقك

اترك رد