الفنون البصرية بين المحاكاة والذاتية

 

مرت الفنون البصرية بعدة مراحل اطولها ما تم الاعتماد فيه على نقل الطبيعة وتسجيلها من عصر الكهوف التي كانوا ينقلون الطبيعة الى حوائطها كي يتعايش قاطنوها مع ما حولهم وحتى القرن العشرين .. عصر انقلاب المفاهيم وقرار مفاهيم جديدة .. الذي وافق عصر الاكتشافات ، والاختراعات الحديثة ، والنظريات العلمية التي قلبت المفاهيم رأسا على عقب.

استمر الفن التشكيلي خلال عصور الفن المختلفة ولمئات السنين لغة بصرية تعتمد في الاساس على الطبيعة الخارجية كمصدر ومرجع للأفكار الفنية التشكيلية، وكتقليد ثابت وموروث تقاس جودة الاعمال الفنية بالاقتراب منه . وتوصف بالضحالة كلما ابتعدت عنه وحتى انه وصل الى تقليد ونقل غاية في الدقة والإتقان المذهل لتفاصيل الموجودات. كما يظهر بوضوح في اعمال فناني ما قبل القرن العشرين من ابراز لأدق صغائر الاشياء مثل نسيج الاقمشة ، وتفاصيل الارض ، والسقف ، وتجاعيد الوجه ، وخصلات الشعر ، وملامس المعادن ، والأعمار وغيرها وربما يظهر ذلك بوضوح في اعمال فنانين مثل هانز هولين وفرانز هالز وحتى بعدها بقليل مع فانسنت فان كوخ صاحب المدرسة التأثيرية التي لم يخرج من اطارها الفن كتقليد يستلهم لوحاته من نماذج موجودة امامه في الطبيعة كلوحة غرفة نومه ، وعباد الشمس ، والحقول المختلفة وصوره الشخصية وغيرها .. كانت الطبيعة اذن هي الام والمصدر والرحم الذي انتج افكار اللوحات التشكيلية في ذلك او في تلك الفترة وبخاصة قبل اختراع الكاميرا الفوتوغرافية التي اسهمت بدورها في الانقلاب على التسجيلية الواقعية.

هكذا كان فنان تلك العصور يعتقد بأن الحقيقة الفنية موجدة خارج كيانه الانساني فهو يبحث عنها ويكتشفها ويسجلها كحقيقة بصرية لا تخطفها عبن المتلقي. ووصلت تلك الحقيقة البصرية الى ذروة وصفها الى عصر النهضة الايطالية فنكشفت قراءة المنظور والظل ، والنور وبدأت اللوحات تظهر ثلاثية الابعاد . ومن لشهود هذا العصر الفنانون مايكل انجلو وليوناردو دافنشي ورامبرانت وغيرهم.

وبالرغم من ذلك لا يمكن لأي متأمل ان يدعي ان تلك الاعمال كانت خالية من الابداع لمجرد كونها اعملا تسجيلية لحقائق بصرية ، وإنما بوسعنا ان نقول انها كانت اعمالا فنية طغت عليها الحرفة والتقنية فأبعدت الفنان عن حريته التشكيلية وسجنته في قالب من القواعد والأصول الرصينة والألوان المحددة والمتوارثة من الاساتذة السابقين بتعليمات لا يسمح فيها للتلميذ بالإبداع ، وإنما الاصل ان يلتزم التلميذ بالمنهج الاكاديمي لإبراز الحقيقة البصرية الواقعية للحياة كما لو كانت صورا فوتوغرافية.

لا تعليقات

اترك رد