المملكة الرابعة


 

ملفان شغلا الرأي العام العربي والعالمي بعد ان كانت الازمة الكورية الشمالية وخيارات الحرب الكونية بدمارها الشمل يتصدر عناوين الصحف والاخبار , الأول ما حدث في العربية السعودية من زلزال سياسي أقتلع الأسس التأريخي التي بنيت عليها المملكة السعودية بما جرت عليها من اصلاحات والثاني ملف رئيس الوزراء اللبناني وتقديمه استقالته في حدث غريب وتغييبه في الرياض وقبل ان يخرج للعلن في لقاء تلفزيوني اجرته معه محطة المستقبل التابعة له .

فالاعصار الاداري الذي ضرب المملكة العربية السعودية كانت قوته اقسى من قوة اعصار ايرما الذي ضرب سواحل فلوريدا الا ان وسائل الاعلام الغربية غضت الطرف بداية عنه , فقد صدرت ألاوامر الملكية بتشكيل لجنة للتحقيق في قضايا الفساد، وكانت اللجنة برئاسة ولي عهد المملكة الأمير محمد بن سلمان بن عبدالعزيز، وعضوية رئيس هيئة الرقابة والتحقيق ورئيس الهيئة الوطنية لمكافحة الفساد، ورئيس ديوان المراقبة العامة، والنائب العام ، ورئيس أمن الدولة”، وقد أصدرت هذه اللجنة قراراتها بتوقيف عدد كبير من الأمراء ورجال الأعمال المعروفين بالمملكة للتحقيق معهم في تهم فساد منسوبة لهم. وقال بن سلمان في اللقاء الذي اجرته معه قناة العربية من أنه سوف يحارب الفساد ومن يثبت تورطه به لن ينجو كائنا من كان وأن من تتوفر ضده الأدلة سيحاسب حتى لو كان أميرا أو وزيرا وهذا حسب قوله وكان ان ترجم كلامه الى الواقع , حيث تفاجأ الجميع وبالتحديد ليلة احتجاز بعض الأمراء والمسئولين بسبب قضايا فساد .

فيما يبدو ان حملة بن سلمان هذه كان معدا لها سلفا , في الولايات المتحدة الامريكية تحديدا !, فالرجل فرامله وضعت على سكة قطار توصله والهدف المرسوم له وهي متماهية الى حد كبير وما يود ترامب تحقيقه من هدف لا بل هي العمق لاستراتيجي لها , ” تصريح ترامب حول ما قام به بن سلمان يؤكد ما ذهبنا اليه .. هما يعلمان جيدا ما يفعلانه , وذلك كان تصريح ترامب عبر حسابه في تويتر ” .

مقدمات ستتبعها خطوات اخرى من اجل تهيأت الساحة كاملة وقبل توليه عرش المملكة والذي لن يطول أكثر من بضعة اشهر وحسب المعطيات الاخيرة وما ترشح اصلا من داخل القصور الاميرية ومدى الرعب الذي بات البعض يعيشه منهم لئلا يصلهم سوط محمد القادم الى اعتلاء العرش , فكانت ” ليلة الرعب ” , من بين الاشياء الضرورية التي كان للامير فعلها فتمت الطبخة ونضجت رؤوس الامراء والوزراء والقادة وكبار رجال الدين من البقية الباقية منهم , كان عليه ان يهشم رأس كبيرهم فابتدا منهاج الحفل باذلال ابن الاخت ورئيس وزراء لبنان ” سعد الحريري ” , واجباره على تقديم استقالته في ليلة هي الاقسى عليه ودموعه التي كفكفها خير شاهد كانت وحسب الصور التي تداولتها منصات التواصل الاجتماعي .

مالذي قام به الحريري ليعاقب بهكذا عقوبة من الخوال وليعامل بتلك الذلة ؟

هناك من يذهب الى ان ما جرى على الحريري كانت قد جنته يداه من سوء ادارته للملفات السياسية والتي ازعجت السعودية , من بينها وحسب متابعون , سماحه للجيش اللبناني لاخراج داعش من لبنان بينما السعودية كانت تعتبر ان داعش رصيد السعودية في لبنان , الموافقة على تعيين سفير لبناني جديد في سوريا دون ان يستفسر من السعودية عن موافقتها من عدمه .

اخيرا استقباله مستشار خامنئي ولايتي قبل يوم من استدعائه للسعودية وعدم التزامه بما نقله السفير السعودي في لبنان البخاري من عدم قبول السعودية لاستقبال الحريري لولايتي

اذن الحريري معتقل في السعودية وحتى الساعة ليس كمواطن لبناني بل كونه مواطن سعودي يحمل الجنسية السعودية ومتهم بالفساد ولذلك لن يسمح له بالعودة الى لبنان الا في حال حدوث متغيرات في الموقف السعودي ازائه مع طرح شرط الضمانات التي ستطالب بها السعودية وعن لسان سعد الحريري ذاته تتعهد خلالها الاحزاب اللبنانية وحزب الله في مقدمتها في التباحث بشأنها وهذا ما سنأتي عليه لاحقا .

– لماذا لبنان الآن وبواجهة سعد ؟؟

ان اطول اظفر لايران في المنطقة هو حزب الله ولما كان كذلك صار لابد من تهيأة الرأي العام العربي واللبناني على وجه الدقة من القادم المتخم بالحقد والكراهية لايران مع الطاعة التامة لتنفيذ جميع ما يطلب منه من قبل مستشار ترامب وصهره غاريد كوشنر” هو حلقة الوصل بينه وبين ترامب من جهة وساعي بريد نتنياهو من جهة ثانية ” , فكان لابد للامير محمد بن سلمان من اجبار الحريري ليعلن استقالته من السعودية وبالطريقة الممسرحة التي جرت بها , واما عملية تجميد ارصدته فهي لاتعدو غير ورقة ضغط أضيفت لقرار الاقامة الجبرية مع اعطائه حركة واسعة داخل المملكة اوخارجها ولكن مع وجود رجال المخابرات السعودية التي بطبيعة الحال لن تفارقه بالمطلق .

اذن فالهدف لبنان وحرب الوكالة تريد السعودية منه خوضها على اراضيه واما مسببات الحرب , فالحجج ليست من الصعب تبرير وجودها , فمجرد ان قام الحوثيون باطلاق صاروخ بعيد المدى على مطار جدة حتى تعالى صوت وزير الخارجية السعودي عادل الجبير واتهم ايران وان حزب الله ومن كوادر عامله مع حركة انصار الله الحوثي داخل اليمن هي من قامت بعملية الاطلاق , وستتوالى الحجج بعد هذا , ولن نذهب بعيدا قبالامس فجر انبوب ناقل للزيت السعودي الى البحرين في منطقة البوري البحرينية وفي غضون ساعات وجهت اصابع الاتهام الى ايران ؟ . على ان هذا لايتنافى ووجود التدخلات الايرانية في الداخل اللبناني وفي سورية والعراق واليمن , بيد ان وعلى الرغم من هذا لم تستطع دول الخليج من تقديم الادلة الدامغة على التدخلات الايرانية من اجل تقديمعها الى مجلس الامن لاستحصال قرار جرائها يساهم في الحد من تلك التدخلات .

السؤال المطروح هل تستطيع السعودية من جر لبنان الى حرب بالوكالة في الوقت الذي لا زالت المملكة تخوض حربا ضروس مع الحوثيين ولاكثر من 3 سنوات دون نتيجة تذكر لا بل على العكس قوي نفوذ النظام الايراني اكثر وتضاعفت القوة العسكرية للحوثيين اكثر فاكثر وقوتها الصاروخية باتت منظومة عالية الدقة كمنظومة الباتريوت غير قادرة على امساكها , ” الصواريخ ايرانيه نعم لكن كيف وصلت الى الحوثيين هذا ما يجب على قادة السعودية من فك طلاسمه وكيف وهي تطبق على اليمن من كافة منافذه ” ثم هل هدأت الحرب في سوريا وما ذا عن المجاميع المسلحة المدعومة من قبل المملكة في الداخل السوري ونفوذها الكبير في اليمن ودعمها للرئيس عبد ربه منصور ؟ هل ستستثمرها بضرب لبنان وايران ربما بصواريخ تستطيع ايصالها لها وعن طريق اسرائيل الجولان ؟ هذا ما يدور برأس البعض من المستشاريين للولي محمد .

بكل تأكيد باتت السعودية اليوم غير السعودية وقبل ان يقدم الحريري استقالته فالحلول السياسية باتت اقرب اليوم من الخيارات العسكرية وهذا ما سوف يتم طرحه في اجتمعات وزراء خارجية الدول العربية في القاهرة الاحد القادم وحسب تسريبات خرجت من بعض المسؤولين السعودين , ربما تغيير الموقف السعودي باتجاه ضبط ايقاع الحلول السياسية جاء بعد ردود الافعال التي خرجت من فرنسا وامريكا وبريطانيا هذا من غير مواقف بعض الدول العربية واسرائيل وموقفها المتذبذب اتجاه الاقدام بشن حرب على لبنان من عدمها .

خرجت علينا تصريحات من البيت الابيض لتقلب المجن مرة اخرى , فالمتحدثة باسم البيت الابيض , هيذر نويرت قالت بالفم المليان من ان امريكا لن تسمح ان تكون الاراضي اللبنانية ساحة لتصفية حسابات او ان يخوض حربا بالوكالة , ووفق ذات المنطق كان موقف فرنسا وبريطانيا , وقبل ان يطل علينا الامين العام لحزب الله حسن نصر الله بتصريحات أكد فيها على حصوله على معلومات تفيد ان السعودية قدمت عشرات المليارات من اجل ان تقوم اسرائيل بغزو الاراضي اللبنانية , محذرا بذات الوقت اسرائيل قيامها بهكذا حماقة ومذكرا اياها بحرب تموز 2006 وكيف كانت قدرة حزب الله انذاك وكيف اصبحت اليوم . ثم جائت الخبطة القوية على رأس محمد بن سلمان من قبل الرئيس السيسي بتصريحه من ان مصر لن تكون طرفا في اي نزاع يحصل في لبنان مع كونها هي ضد توجهات حزب الله , وهذا الموقف هو الاخر شكل صدمة في الاوساط السعودية لتخسر حسابات بن سلمان مرة اخرى ويتناسى ان مصر لازالت في حرب قائمة مع العصابات الارهابية في سيناء وكذلك عملياتها بين الحين والاخر في حدودها مع ليبيا وان مصر بعد انور السادات التزمت باستراتيجية دفاع ثابته وهي عدم زج الجيش المصري باية حروب خارجية سوى ما يتوجب عليها في الدفاع عن اراضيها حصرا ” قيامها بقصف مواقع في ليبيا جاء للدفاع عن الامن القومي المصري للحد من عمليات دخول الجماعات الارهابية الى اراضيها ” , ثم ان اسرائيل العدو الصريح الاول لحزب الله هي الاخرى من الصعب باتت ان تقدم على مغامرة اخرى كالتي اقدمت عليها في تموز 2006 والتي لازالت تتجرع كأس مرارتها الى الان , فالحسابات الاسرائيلية باتت بعيدة عن هكذا مواجهة خصوصا والرسالة التي اوصلها السفير الالماني في لبنان الى نتنياهو ابان معركة جرود عرسال وكيف حذره فيها وعن لسان حزب الله من ان جميع المدن الاسرائيلية هي تحت مرمى الصواريخ اللبنانية في الوقت الذي كانت اسرائيل قد أعدت العدة للتدخل في مساعدة أبو مالك التلة ذراع أبو محمد الجولاني قائد جبهة فتح الشام في جرود عرسال ومنه توقفت عن ذلك التدخل وتركت ابو مالك وحيدا في مواجهة الحزب ولتدخل القوات اللبنانية الجرود وتسيطر عليها . واذن فإسرائيل هي الاخرى لن تكون رأس الحربة التي تمناها بن سلمان في مواجهة حزب الله .

يقول الكاتب الامريكي توماس فريدمان حول استراتيجية محمد بن سلمان اتجاه ايران والمنطقة

” أخشى أن هؤلاء الذين يحثون بن سلمان على القيام بالمزيد من الإجراءات العدائية تجاه إيران، مثل الإمارات، أو ترامب، أو مستشاره جاريد كوشنر، أو بنيامين نتنياهو، سيدفعون به نحو حرب خارجية، وداخلية في نفس الوقت”، موضحاً أن المملكة العربية السعودية والمنطقة أصبحت خارج السيطرة “.

فهل سيستوعب بن سلمان تلك الرسالة ؟ .

حتما انه لن يكون بعيدا عن الاستشاره الامريكية وسيقرأ تصريحات ترامب بشيء من الواقعية وربما سوف يقتصر دوره في اثارة الداخل اللبناني من خلال سعد الحريري بعد ان تفرد السعودية جناحه لينطلق مجددا الى لبنان فتيار المستقبل ينتظره وهي على استعداد لتقبل اي تصعيد فتحشيدها لن يكن بالامر الصعب كونها هي مؤدلجة سلفا سياسيا وعقائديا .

واذن فالامير محمد سلمان سيتفرغ كليا اليوم في مواجهة الحرب الناعمة التي يخوضها الآن مع الامراء الذين يتوقع منهم ردود فعل سلبية ليعمل على تصفيتهم واحدا تلو الاخر وسينجو منه من يقدم له فروض الطاعة , على ان بن سلمان سيجعل الاقتصاد السعودي اقتصاد دولة تحت وصايته المطلقة فهاهو قد جنى 100 مليار من الامراء والوزراء الفاسدين , حتما ستشهد السعودية انحسارا شديدا للمؤسسة الدينية الوهابية المتشددة , واجراءاته في هذا المجال بدأت قبل تصقية خصومه بدواعي الاصلاح وسقتلع مزيدا منهم , على ان هناك قرارات ستصدر وتغييرا في الدستور يعطي حريات اكبر للمرأة ويلغي الكثير من القوانين التعسفية . الا انه مع هذا يبقى الامير محمد بن سلمان لابسا لامة حربه ويتمناها اليوم ان لو تحصل وكما اسلفنا فمنصب الملك في مملكة عجوز متهرئة يحتاج الى ثورة داخلية تثيت جذورها ربما يتأتى لها بزج السعودية بحروب خارجية تكون احدى مميزات المملكة الرابعة تحت ظلال مملكته .

واما ما خص ازمة الحريري فهي الاخرى تغيرت بوصلتها خلال ما طرحه في اللقاء الحصري الذي اجرته معه المذيعة بولا يعقوبيان والذي جاء بدعوى من الحريري نفسه وحسب قولها هي في لقاء لها مع قناة الجديد وهي تهم للمغادرة الى السعودية .

لم يستطع الحريري في اللقاء من تغيير القناعة التي تولدت لدى الشارع اللبناني كونه محتجز وانه رهن الاقامة الجبرية ؟ , وعلى الرغم من تاكيده من انه سيعود الى لبنان في القريب العاجل وبفاصل لايتعدى ” الايام القادمة ” حسب قوله . ” ظهور الشخص الشبح وهو يحمل ورقة اثناء اللقاء خلف بولا ونظرات الحريري الرافضة لتواجده وايماءه بيده اليه بالخروج ومن ثم عدم وضعه لساعته بيده التي قيل من انها وجهاز هاتفه صودرت منه وكذلك محاولة بولا من ايجاد مببرات اللقاء ونفي التهمة عنها كونها تقوم بمسرحية واضطرابها مع حماسة وتسرع غير معهودين كونها مقدمة برامج مرموقه كل هذا كان مدعاة للشك وان اللقاء لايعدوا كونه جاء بأمر من السلطات السعودية لاغير ” .

الحريري واستقراء للغة التي تكلم بها ماعاد الحريري الذي تلى قرار الاستقالة فليس ثمة من تصعيد واذن فهو حتما سيتراجع عن ذلك القرار وسيجلس مع الفرقاء اللبنانين لعمل تسوية حاسمة , كل هذا وحسب رايه جاء نتيجة ماانتجه من صدمه ايجابية للداخل اللبناني !!.

الداخل الذي توحد بجميع اطيافه خلف الحريري وتعاطف معه كرمز ورئيس لبناني تعرض للاهانة والاذلال من قبل دولة اخرى وان كانت السعودية او حتى من قبل اخوالا له في رابطة الدم . الحريري سيرجع هذه المرة ومعه خارطة طريق لن يكون محمد بن سلمان بعيدا من رسم فقراتها وأهم ما تضمنته تلك الفقرات يقع في 3 نقاط تشكل العمود الفقري بشرط العودة الى لبنان وليعاود العمل السياسي كرئيسا للحكومة اللبنانية , وتلك النقاط هي :

1- إعطاء الضمانات له بعدم تعرضه لمحاولة اغتيال والحفاظ على حياته وحياة عائلته واعطائه صلاحيات اكبر في ادارة الدولة .

2- بحث ملف تخلي حزب الله عن نشاطاته خارج لبنان واسهاماته في زعزعة امن السعودية ودول الخليج وخروج كامل خلاياه من اليمن والكف عن تقديم الدعم العسكري واللوجستي الى النظام السوري .

3- عمل تسوية شاملة وكاملة ونهائية بين حزب الله وتيار المستقبل .

فهل سينجح الحريري في معركته السياسية القادمه مع حزب الله ويريح السعودية وقبلها الغرب من تدخلات حزب الله الخارجية وزعزته لامن المنطقة ؟ … لا أظن . ولنترقب اولا عودة الحريري الى لبنان ومن ثم سيكون لكل حادث حديث .

شارك
المقال السابقالمشهد الأخير …
المقال التالىتجّــــار الهــــواء

حيدر صبي.. كاتب وناشط سياسي .. مهتم في الشأن السياسي العراقي والعربي وااقليمي .. بكلوريوس هندسة .. رئيس تحرير صحيفة سابق .. عضو نقابة الصحفيين العراقيين .. عضو اتحاد ادباء النجف .. شاعر ..

....
المزيد عن الكاتب

لا تعليقات

اترك رد