المشهد الأخير …


 

الملحدون: يشيرون بإصبع الاتهام إلى الدين وإلى رجالاته على أنهم السبب الأعظم في تخلف الأمة، وقد يكونون محقون في رؤيتهم من خلال المشاهد الغبية التي تصدر من أصحاب العمامات والدعاة وكذلك ممن يمارسون العبادة بالشكل الخاطئ. والملحد ينظر إلى المتدين بعين الشماتة لأن السماء والإله الذي يعبدونه لم ينتصر للبؤساء. لكنهم بالوقت ذاته هم لا يعترفون بإن الإلحاد وحده لا يكفي كثورة ولا يعترفون بعجزهم عن فعل أي شيء سوى من إنكار الدين وإنكار وجود إله ينقذ الأبرياء.

المتدينون: مازالوا على نمطيتهم، يرون بأن كثرة الفساد، وكثرة المعاصي على الأرضهما أسباب غضب السماء وتأخر النصر من عند الله، يتواكلون على الله في كل شيء إلى درجة التقاعس والاستسلام المطلق للكسل، ينتظرون معجزة إلهية تخسف الأرض تحت أقدام الطغاة، فتسود الشريعة ويتحول سكان الكون كلهم إلى متدينين، والجميع يشهد أن لا إله إلا الله؛ لكنهم لا يفعلون أي شيء ولا يعدون العدة لهذا النصر سوى الدعاء والتسبيح والتهليل والصيام والتقرب إلى الأولياء والأضرحة. وبناء المساجد ودور العبادة غير مكترثين بالجائعين والمشردين؛ يعلنون الجهاد ضد الكفار وهم يجلسون في أحضان الكفار، يستغلون الدين كوسيلة ربحية وتجارية؛ فكبر سوق الدعاة والمتشدقين مما أنفر الجميع من الدين فتشوهت صورة الدينوتحطمت صورة المتدين.

السياسيون، يتقاسمون تركة الوطن فيما بينهم؛ فهم يدركون بأن المنصب لا يدوم، ولو أنهيدوم لما وصل إليهم فيسرقون، وينهبون ما تطاله أيديهم وأعينهم ويهربون الأموال إلى البنوك الأجنبية..

الطائفيون، يشعلون فتيل الفتنة الطائفية، يخلقون التناحر والفوضى وكل طائفة تتعصبلعقيدتها على حساب الأخرى وكل طائفة تكيد للأخرى. تكثر التفجيرات وتسفك الدماء في دورالعبادات لتكبر الأحقاد في نفوس الدراويش.

طواغيت البغاء، الحروب والنكبات والكوارث البشرية بالنسبة لهم تكون المواسمالأجمل، فمن خلالها يستغلون جوع الأطفال وقهر الأمهات فيقايضون اللقمة بشرف النساء فتعم الرذيلة وتكثر بيوت البغاء، وتعج الطواحين الحمراء بالقاصرات اللاجئات ومن شردتهن الحروب ليصبحن سبايا وضحايا للقوادين

أطفال الحرب، يطوفون في الشوارع يتسولون، يسرقون، فتنمو فيهم بذور الجريمة بعدأن فقدوا حقهم من مقاعد الدراسة، ليصبحوا فيما بعد جيلاً يحترف الجريمة ويحمل في داخله الحقد والكراهية اتجاه الكون بأسره والعالم الأخرس الذي لم يناصر قضيتهم ولم يتدارك وجعهم قبل أن تضطرهم ظروف الحرب إلى التشرد واللجوء واستغلالهم من قبل المنحرفين وهواة التحرش..

الإمبراطوريات المندثرة، الروسية، والفارسية، والعثمانية. تستغل الحروب الطاحنةما بين شعوب العالم العربي؛ ليعيدوا أمجاد أجدادهم وإمبراطوراتهم السالفة؛ فكل امبراطورية تسعى لغايتها الكبرى.

إسرائيل وأمريكا، تجلسان تراقبان المشهد بصمت ودهاء وما يحدث من صراعات وتلك الفوضى التي استشرت في نسيج المنطقة العربية. يتدخلون في اللحظة الحاسمة كما يفعل ملك الغابة الأسد حين تعجز اللبؤة عن قهر الفريسة يتدخل ليحسم أمرها ويأكل الحصة الأكبر والأشهى ومن ثم يترك بقايا الفريسة للآخرين.

في ظل هذه الصراعات الكبرى، والمخططات العظمى، والمصالح الاستراتيجية والإقليميةوالطائفية، والظروف المعقدة والمصالح المتضاربة؛ هل نتوقع بأن تنتهي بمجرد اجتماعاتومفاوضات ومهاترات عقيمة

المملكة السعودية، وموجة الاعتقالات الصادمة وتصفية الرؤوس الكبيرة، تبث حالة قلقوريبة في نفوس المواطنين السعوديين، ديكتاتورية جديدة والضرب بيد من حديد بسيف ولي العهد والحاكم المرتقب الأمير محمد بن سلمان. والهلع يدب في شرايين اللبنانيين البسطاءويتأهبون لحرب جديدة تضاف إلى قائمة حروبهم السابقة.

سوريا 2018، ما بين متفاءل بنهاية الحرب وعودة الهدوء والاستقرار في المنطقة وما بين متشائم يرى بأن سوريا سوف تدخل في صراعات مختلفة وتقسيمات قد لا تكون عادلة ما بين النظام السوري وما بين الأكراد الذين كشفوا عن أنيابهم للسطو على آبار النفط المترامية هنا وهناك في دير الزور. وما بين المصالح الروسية والمصالح الأمريكية وكذلك إيران.

اليمن التعيس، سيظل جرحاً مفتوحاً لا يُعرف له داء ولا دواء وصراع مستمر ما بين مد وجزر تارة للحوثيين بدعم إيراني، وتارة للسعودية والحلفاء، والمواطن اليمني بالمطلق هو الضحية وهو الخاسر الأوحد في هذا الصراع الحاصل ما بين المخاوف السعودية، وما بين الطموح فارسي.

وأما نحن الشعوب، المجترة والمستهلكة لن يكون لنا من دور سوى التفرج والتنظير والتطبيل والتزمير لمن يكسب الجولة الأخيرة، عاش الملك، مات الملك. نودع طاغية لنستقبل طاغية أخرى. ننام على حرب لنصحو على حرب جديدة. أصبحنا مثل التماسيح واعتدنا على تقبل أي شيء ونتأقلم مع أي شيء. وكل واحد منا صار يعتنق عبادة ” اللهم أسألك نفسي وطائفتي ومصدر رزقي”

شارك
المقال السابقماذا لو خاضت السعودية حرباً ضد ايران
المقال التالىالمملكة الرابعة

الشاعر السوري لؤي طه، الذي يراوغ رؤاه في كل مرة، ويبحث عن شتات الإنسانية وولع الذات التي تكون حاضرة في أشياؤه وأشياء الآخر. ليس هذا فحسب إنما يسمح لعاطفته أن تقوده إلى كتابة مالا يكتبه الآخر في أمكنة تستنطق الكلمات لتوقظ مساحة البوح.
الشاعر لؤي طه، سوري الجنسية من مواليد 1970 يعتبر أن القصي....
المزيد عن الكاتب

لا تعليقات

اترك رد