لن أندم أبدا


 
(لوحة للفنانة هناء بكتاش)

ذهبت ادراج الرياح تلك الأحلام والوعود التي وعدت بها نفسها او أوهموها بتلك الوعود … وصدقتهم حين قالو لها سنكون احرار …

خرجت غاضبة باكية ، لا تعلم اين تذهب بعد ان وقعت على ورقة الطلاق

كانت تندب حظها العاثر كيف استسلمت وصدقت كل ما قيل لها ،لم تظن سوءا بأحد يوما كانت صادقة جدا وطيبة القلب ، لم يحالفها الحظ حتى في أحلامها ..كانت كوابيس تفزعها ما بين سقوط في هاوية او في قارب كسر مجدافه بفك تمساح مشاكس او حافية القدمين تهرول نحو المجهول في دروب مظلمة .. وتصحو مفزوعة تستغفر الرب وتعاود النوم ثانية ..

ثم تصحو صباحا حزينة مكتئبة متعبة من هذا الكابوس وذاك

تعلقت به كثيرا.. خاطبت نفسها …

كانت تودعه مرات ومرات مع نفسها وتقسم ان لا تعود اليه

لطالما كان منشغلا عنها لم يشعرها يوما بأنها اهم ما يملك.. في هذا العالم القبيح الذي ظنته جميلا بوجوده في حياتها

كلما حاولت استفزازه بمن يحاول مغازلتها او ما يردها من رسائل المحبين والمعجبين بها لا ترى منه الا ذاك البرود والابتسامة الباهتة التي تجعلها تبتعد عنه اكثر فاكثر..

كانت تعاتب نفسها لِمَ أنا كذلك .. ليذهب الى الجحيم ….

كانت تنتظر ان تُطرق بابها يوما .. بقيت وحيدة هي وظنونها تتضرع لربها ان يَمُنَ عليها بسلام القلب ذاك القلب الذي تفحم من الحزن والالم ،

وتلك القهقهات التي تزفر الدموع وحنين لماضي ولى لم تبقى منه الا تلك الذكريات… لن يعود

تخاطب نفسها ليتني اعود صغيرة

ليت العمر يباع لاشتريت دهرا لأبدأ من جديد

ليتني كنت في العشرين…. وماذا تفعل فتاة في العشرين ويحك يا حسناء

في مجتمع لا يرحم في عالم مزيف شوهوا كل جميل فيه واولهم ذاك الذي أسميتهِ الحبيب.. يا خيبة ظني بالحبيب

كانت دائمة البحث عن شيء ما ..!شيء لابد الحصول عليه

كانت تعرف ما ينقصها لكنها لا تستطيع البوح به هي اسيرة مجتمع وتقاليد وحتى المثقف فيه لا يرحم مجتمع ذكوري ازدواجي..

كانت تعلم جيدا بأنها بحاجة لرجل في حياتها

رجل يلتحفها يكون معطفا يقيها برد الشتاء وصواعق الصدمات وشمس تموز وحزن المسافات رجل يكون لها أبا وصديقا وزوجا وحبيبا .

لم يكن يعني لها الجنس مشكلة ابدا جُل اهتمامها ان تكون برفقة احدهم تقضي معه ما بقي من العمر. رجل هو كل الرجال..

كان للأرق نصيب كبير في حياة حسناء ،تستيقظ وكأنها احتست بضع كؤوس حزن ليلا.. كل من يرى حسناء يظنها سعيدة وغنية

كانت تبتسم ترد عليهم متمتمة ..بأذن الله ..آمين

فِي يوم من ايّام نيسان قررت ان تخطو خطوة جريئة حين ذهبت تجول في ارجاء المعمورة حاملة حقيبة صغيرة فيها بضع نقود وبعض أدوية أمراض العصر وقلم وكشكول صغير مرتجلة الطرقات تغني تارة واُخرى تردد ما قاله لها ذات يوم ذاك الذي ظنته حبيبا فإذا به عابر سبيل .. يا لكبريائها

كانت شجاعة رغم قسوة الدنيا عليها تندب حظها لأنها اخطأت بحق نفسها كثيرا

تركت الجامعة لأسباب سياسية.. حاربوها ولم تك حينها لتمتلك خيارا اخر

كان نفسها قصيرا لا تحتمل الظلم أينما ذهبت كان أمامها ودارت الايام ومرت السنين.. وإذا بها تلتقي بأحد أصدقائها القدماء فرقتهم الظروف وما حدث ويحدث في البلد.. هناك من سافر ومن لقى حتفه في الحروب المتلاحقة واحدة

تلو الاخرى وما بين اغتيال وهروب وما لين يوم وآخر تكررت لقاءاتهم وكل لقاء كان ذكريات لماض جميل … لم يعد منه سوى انسامه..

كانت سعيدة بلقائه وفِي كل لقاء به كانت تشعر بانه يعطيها جرعة من الأمل ، غالبا ما كان ينصحها بان تعيش حياتها ((تمتعي يا حسناء .. الحياة جميلة)

كان يكرر هذه العبارة .كان يبكي احيانا حين يحتسي بضع كؤوس من الخمر لم يكن محظوظا لكنه طيب القلب وحنونا ينتبه لكل صغيرة وكبيرة يحاول ان يجعلها سعيدة بالرغم من ضيق الوقت الذي تلتقي به كانت تشعر بالرضا والسعادة حين يقدم لها فنجان القهوة والسيكارة .. واستمرت اللقاءات التي كانت تتخللها نقاشا في السياسة او اوضاع البلد المتردية وانتقاد المسؤولين وما آلت اليه الحروب المتكررة ورجالات الدين والمتأسلمين وبعض الظواهر الاجتماعية التي كنّا نستهجنها سابقا وأصبحت الْيَوْمَ مقبولة كل شيء ممكن.. ومواقف الاصدقاء ايّام الزمن الجميل

كانت تارة تضحك واُخرى تستمع وإياه لبعض الاغاني وتذرف بضع دموع وبعدها يقول لها لا تهتمي الحياة جميلة

نحن أفضل من سوانا … ترد عليه كلامك سليم صديقي العزيز لكن تبقى هناك غصة في القلب .. تدور الحسناء وتدور حولها تلك الغصة

تضحك وتبكي وتدخن وتغني وتشرب القهوة وتتأوه…. وهكذا ينتهي اللقاء

وتعاود الكرَّة بعد يومين او ثلاثة بلقاء اخر

وأحيانا يتكرر الحديث عن الموضوع ذاته في كل لقاء.. بعد ان يأخذ الخمر…. مداه .. لا أندم أبدا….

كل شىء دفع ثمنه

لا الخير الذي قدم

ولا الشر كله عندي سواء

وقضي وطواه النسيان

أوقدت من ذكرياتي النار

واحزاني وافراحي

لن احتاجها بعد الان

كانت تردد حسناء هذه الاغنية للمغنية الفرنسية اديث پياف

وتستمر حسناء بدفع فاتورة حياة لم تختارها.

وفِي يوم ممطر لم يكن بالحسبان رِن جرس الهاتف.

صباح الخير سيدتي

صباح الخير .. من معي

أنا الحظ

هل لك بمرافقتي الْيَوْمَ

ادعوك لنرتشف بضع جرعات من الأمل

ابتسمت حسناء ذاكرة دروب الماضي وآهاته والحاضر وأوجاعه متأهبة للذهاب مع ما يسمى الحظ…

يا ترى هل سيكون القادم أفضل …

ومشت متأبطة ذاك الذي دعاها متوجسة الخطى وبعد دردشة قصيرة دارت بينهما

اعتذر الحظ …!؟

أسف لم تكوني انت المقصودة

لا تعليقات

اترك رد