مَشغَل الفنان حميد شريف .. الادراك البصري ضد تشويه الانسان وبيئته

 

في طريقي الى مَشغَل ( الاستدوديو ) الفنان التشكيلي حميد شريف( ١٩٥٢،العراق )، كان  يخالجني شعور اللقاءغريب ممزوج بالغبطة والتلهف،  مع فنان شريف في  المكان الذي حوله من مرقص ليلي الى قاعة عرض تشكيلي  ومشغل  لاعماله الرسم ، كما تجد نفسك في وسط مشغولات متنوعة التشكيل التي تعبر عن  وجود النتاجات الفنية ،انه المكان الروحي للابداع الفني ،وليس وسيلة سطحية للعبة اللقاءات والتبادل الاجتماعي داخل المشغل ، انه العالم الخاص بتجاربه حيث يمنح نفسه حرية الحركة ببناء رؤيته الجمالية بكل ابعادها التاملية – الفلسفية، فالفنان شريف يعزل نفسه مع ادواته ولوحاته الورقية والخشبية و يتحدث مع الالوان والفرشاة وسطح اللوحة و ينفذها من خلال الصياغات للاشكال والعلامات والرموز

وبعملية الفرز والتجميع، يشكل فضاءات للتأمل عبر إشارات مرئية اساسها التقني والفكري عن طريق اللاوعي ليرتقي المنجز بالمضمون على الشكل،نحن لا نشاهد رموز تعويذات روحانية على سطح اللوحة كسبب او علة ميتافيزيقية خارج الإدراك البصري، في هذه الحالة الفنان شريف الذي يتناقض في التفكير لكي يمثل حالة ثنائية الصفاء الروح والفوضى ، والجمال والابتذال، حيث وجد في الانسان مادة بصرية لتعبيره  بوعي عن دمار الروح والمحيط الخارجي، فاتسم اسلوبه بتجريد جميع عناصر اللوحة عن طريق التسطيح والجودة في حين شملت سماكة التعرجات لتوحي باشكال وتصورات للمتلقي.

بدأ شريف يميل للالوان الخشنة و الكثيفة على سطح اللوحة ،منذ نهاية الثمانينات من القرن العشرين،فهو يتسابق بين اللون والملمس لاكتشاف التقنية التي يشكل من طلاء المتراكمة من المواد المختلفة   كالاكريليك والصمغ والنشارة والرمل كلها تجعل  الاضاءة الكامنة على سطوح لوحاته ، تتميز تلك السطوح بعفوية مبعثرة ، نفذت بحسية مرهفة عالية،  كلها متفاوته،ولكن بطرق مختلفة،كرش بعض الطلاء على مساحة مجاورة لتشكل عروضا متباينة اللون مثل الحمم البركانية .وعلى رأس هذه التراكيب تم تثبيتها باستخدام اللون الاسود او اي لون غامق ليقطع سطح اللوحة بشبه ساحات  ومستطيلات ومربعات غير منتظمة ولا مؤطرة كانها تراكيب منفصلة داخل سطح اللوحة فتبرز التراكيب الداخلية مع شعور بالاضواء والظلال الساقطة يشبه ضوء الشموع الرسام الهولندي رامبرانت.

ويبدو أن شريف يمتلك وحدة  للموضوع، فهو يتمتع في قدرته الذاتية بالموضوعات التي توجد في عالمه ( خياله الخاص )الذي يتميز بالمكان والزمان من العمل المتوازن، ففي لوحاته التي تعالج تدمير الآثار وسرقتها، حيث هناك دوامات متعرجة كثيفة من الطلاء المستخدم من مواد مختلفة كالنشارة الخشب والرمل ممزوجة مع الصمغ والالوان الاكليريك ،ليخلق بقناعته القيمة  التجريديةـ التعبيرية  ، تتسق بالالوان والفرشاة مع الأشكال البني والاسود كخلفية السطح تبرزها كتلا سخية من اللون الوردي والازرق ومشتقاته كانه شعور سردي يكشف عن نوع من التوتر في الشكل المهمش ،

مما يستطيع المتلقي أن يلاحظه وان تقرأ العين  كما لو كان السطح لهذه اللوحات المعمولة بطريقة التذكير بالفنان الكتلاني انتوني باتيس (١٩٢٣ -٢٠١٢ ).ومع هذا تبقى غريزة التعبير عند شريف تتفاعل مع الشكل من خلال  طبقات او الطلاء من الطلاء كونه عنصراً واحداً من عناصر الصورة الجمالية لتصبح مسيرته عبر الصورالتي  توحي للخيال الذي يسافر من الفضاء الخارجي الى جوهر الارض ،ليحقق هذا الخلط والربط بين الالوان المشرقة والمتباينةـ اللون البرتقالي والاصفرالمائل للسواد مع ضربات مخلوطة بمادة النشارة المبلل باللون الارجواني الغامق لتخلق ظلال مختلفة من تضاريس خشنة  على سطح اللوحة الخشبية  كانها انفجارات بركانية.

لا تعليقات

اترك رد