مأسي التاريخ – ج1


 

لقد دفعت المجتمعات العربية ثمنا باهضا لسنين الظلم والفوضى التي عاشتها والتي لا زالت تعيشها، وتطلب إبقاء هذا الوضع القاتم جمود فكري وسبات عميق تسبب في خمول متواصل. فمعظم المجتمعات العربية تعالج سكرات الموت بحلول ترقيعية لا تبت لعملية التنمية والتطور في شيء، إذ أن مساوئ وعيوب الدولة غير قابلة للاحتمال أكثر ولا يستطيع أحد إخفائها وتمثل شروخا مخيفة، حتى ولو ظهر للمتابع العادي بعض مظاهر التقدم والنماء، إلا في حالات نادرة والتي شقت طريقها بثبات.

هذا الوضع يشكل فعليا آلاما يومية ونقطة قصوى للعذاب العادي الذي يتخبط فيه الإنسان العربي الذي ضاع بين الفقر والتهميش والحروب والتهجير، وأصبح حديث الناس سوى عن مجازر الروح وزنزانات المعاناة ودماء الأبرياء والمناضلين تلطخ كل بلاط القلاع المحصنة لنخبة السلطة المطلقة.

أرى أنه من الصعب تقييم ثمن المآسي التي عانيناها ونعاني منها، إلا أن لها تكلفة إنسانية باهظة دفع ثمنها الكثير من الناس الذين عانوا كل أشكال العنف المستمر وهي غالبية أخرسها الخوف. هذا الخوف الذي كان حتمية العنف الذي كان ضروريا أن تتخذه الدولة لمقاومة مطامح عميقة ومشروعة للمجتمع، رغم أنه لم يكن ضروريا لكل هته الضحايا ومعاناة الشعوب. و مثل ذلك فاتورة الدموع والإذلال ونقطة مفصلية بين النظام الديمقراطي وأنظمتنا الفوضوية.

هته الطبيعة الفوضوية والبدائية في تدبير الشأن المؤسساتي والتي تكمن في كل أشكال الدم وشراسة العنف وفظاعته أدت إلى تعفين القيم المجتمعية والمؤسساتية والأخلاق الإنسانية في المجتمع العربي، كلها أشياء أدت إلى تمزيق الواقع الإجتماعي العربي وتدميره وخلق شروخ كبيرة بين مكوناته ونخبه.

من نتائج هذا الإحتقان المجتمعي خلق خلل نفسي أدى إلى احتقار الإنسان العربي والتشكيك في قدرته على الخلق والإبداع وأنه لا يستحق الحرية ومحكوم عليه بالتبعية وبحاجة إلى قائد فذ للقيادة. كما أصبح العربي لا يجيد إلا السخرية والطعن حين يتحدث عن أبناء جلدته وهي خاصية تطبع علاقاتنا المعاصرة ببعضنا البعض وهو إحدى أبشع صور التمييز العنصري الذاتي.

فالتاريخ الأسود الذي عاشته معظم المجتمعات العربية في فترة الإستعمار أو بعدها أنتج تصرفات معينة نخرت المجتمع العربي كالنفاق والانتهازية وتفشي الفساد والمحسوبية وهي خصائص حتمية أيضا لسنين طويلة من الإستبداد. كما أن احتقار الذات المفروض والغضب المكتوم كان يعجل دوما بانفجار عنيف حين تتوفر الظروف، فالإنسان العربي كان دوما نتاج ظروف اجتماعية – اقتصادية وسياسية معقدة صنعت منه ما هو عليه اليوم، بعضها كان موروثا عن الأجداد من تاريخ بئيس وأخرى خلقت لهم بتخطيط وإرادة عليا.

فالحالة العربية الراهنة هي جملة قواعد وتصرفات ومواقف أوجدتها مصالح وظروف معينة وهي في غالب الأحيان ليست خيارات يتخذها الشخص وإنما لعبة يجد نفسه بداخلها دون رغبة في ذلك. هذا الإحساس أنتج في الكثير من الحالات أنظمة بربرية فوضوية تجيد صرامة التخويف والعنف الممنهج للحفاظ على الصورة التي تحاول تلميعها يوميا بواسطة روتوشات سياسية أو إعلام مدفوع الأجر.

فالإنسان العربي نصفه مظلم بسبب سنوات القمع والتسيب وهته الفكرة تبين لنا أيضا أن النصف الثاني لا زال يأمل في غد آخر، والديمقراطية والتنوير تراهنان على النصف الآخر الذي لم يتضح بعد. إلا أن العمل على تطوير هذا الجانب المضيء يرفع من مستوى تصرفات معينة إيجابية ويهدم أو يخفض على الأقل من مستوى تصرفاته السلبية المعهودة.

هذا الانتقال يشكل الحلقة المفقودة في واقعنا العربي المعاصر فهو يبلور أفكارا ويطورها وفي نفس الوقت يعمل على قمع أخرى، فالمطلوب تغيير الرؤى والتصرفات والمواقف لدى الإنسان العربي لتلاءم متطلباته وطموحه وهي كلها مؤشرات على طبيعة النظام السياسي الذي يمكن خلقه وبناءه من خلال هته العقليات الجديدة والمتنورة والتي تخلت بشكل نهائي عن رواسب الإستبداد والعشيرة والقبيلة.

يتبع…

لا تعليقات

اترك رد