جميلة تطيرُ


 

مخلوقات هلاميّة ، غبار ، أشياء كثيرة تفزع ، تنطّ ، تبحث عن سبيل . كانت قلقة جدًا ، المدينة مكتظّة ، تناثرت فيها أحلام خلق كثير، لاشيء يحلو لجميلة ، جميلة فتاة ذكيّة ، طالبة بكليّة 9 أفريل تدرس اللّغة الانقليزيّة ، تحلم بالهجرة إلى أمريكا أو كندا ، تكره رئيس البلديّة لأنّه كذّاب ، لا طاقة له على الحُكم ، ولكنّه استطاع أن يفوز في الانتخابات ، وعد أهل القرية بأشياء كثيرة وإلى حدّ هذه السّاعة لا شيء يذكرُ ، كلّها أوهام و وعود زائفة ، و تكره عمدة القرية ، وتكره عميد الكليّة ، وتكره صاحب الشقّة التّي أجّرتها ، و لا تحبّ إلاّ المتسوّلين و الأرامل و الأيتام ، أحيانا كثيرة تتبرّع بغدائها في مطعم الكليّة لبائس يتسوّل على الرّصيف . كانت جميلة تسكنُ في شقّة صحبة أماني وأنغام .. أسماء ساحرة .. غادرت جميلة الشّقة باكرًا ، هي اعتادت النهوض عند الشّروق ، ذلك دأبها لمّا كانت ترعى الشويهات في قريتهم الجبليّة الحدوديّة ، ضجرت جميلة كثيرا ، الافلاس و الفقر و الاحباط ، وآلام الروماتيزم الّتي تنخر جسدها ، جيوش متلوّنة ، أحاسيس رهيبة تأتي وتذهبُ ، ركبت المترو بصعوبة ، العلبة الخضراء الملتوية مكتظّة ، زحام شديد ، نزلت ، كانت خائفة ، كثُرَ السطو ، وكثرت السّرقة ، غاصت في ماء الماضي و الحاضر ، ماء هائج ينسفُ ، الماء يفعل كلّ شيء ، صرخة الفتاة الّتي تعرّضت إلى براكاج تدوّي في أذني جميلة ، وكانت كلّما تذكّرت صراخ تلك الفتاة انتابها خوف قويّ مدمّر، يحرق أعصابها و يشتّت أفكارها . عرّجت على مقهى باريس ، دفعت الباب البلوريّ غير مكترثة بالزّبائن . جميلة فاتنة ، شعرها أسود ، وعيناها كبيرتان ، جميلة قرويّة أصيلة تؤمن بالصّداقة و باقتصاد السّوق و حقوق الإنسان ، ولكنّها تكره صندوق النّقد و البنوك ، و لا تنسى إفلاس والدها ، وبيعه بقراته بسبب قرض بنكي غامض و فوائضه مجحفة . هي عاقدة العزم على فتح حساب بريدي حينما تباشر الشّغل عند التّخرّج ، أو بعد التّخرج ، فهي دائما تردّد : { الله أعلم البطالة عمّت البلاد ، أشتغل أو لا أشتغل } ، و جميلة تحبّذ الجلوس في المقهى في الواجهة الأماميّة لتشاهد حركة المارّة ، وتتمتّع بلون السّماء و الأشجار الممتدّة ، تكب الشّعر ولها قصائد متينة ، وهي تفرّق بين الشعر العمودي والشعر الحرّ و قصيدة النّثر ، و هي تختلف في هذا الأمر عن كثير من المتطفّلين الذين لا يعرفون البحور الشّعريّة و يلقّبون أنفسهم شعراء ، و لأجل ذلك هجرت الشّعر لأنّه أصبح مثل سوق الملابس القديمة يدخله البائع والشاري و اللّص ، و مثل الجريدة تلمسها الأيدي الطّاهرة و الأيدي الملوّثة ، جميلة متشبّثة بأصالتها ، ولها قدرة عجيبة على الحفظ و التّمحيص و ضبط المواعيد و التّرتيب ، لها فطنة ساحرة ، هي لا تهتم بالماكياج و تسريحة الشّعر كثيرا ، جلست في مكانها المعتاد ، جاء النّادل هاشًّا باشًّا ، جميلة مرحبا مرحبا ، كيف حال الدّراسة يا أستاذة ، ـ الحمد لله بخير ، قهوة اكسبريس . انطلقت تقتفي أثر القطار تلاحقه تلاطفه ، تحاول فتح بابه ، قطار الورد لا يعرف المحطّات ، عطره شذيّ و لونه باهر ، قطار الذّكريات سلعه كثيرة ، ولكنّها عذبة لا تتعب و لا تجرح ، فجأة أطّلت أنغام زميلة جميلة ، سلّمت عليها و ارتمت على الكرسي بجانبها ، ـ خرجت باكرا اليوم ؟ ـ نعم يا أنغام ، نحن ندرس بعد الظّهر، ـ أجل ، كنت متيقّنة أنّك هنا ، انطلقت أشغال مهرجان قرطاج ، ـ نعم ، هل ترغبين في مشاهدة العروض اللّيلة ، ـ اللّيلة ؟ ـ نعم ، نخرج من الكلّية ونأتي مباشرة ، ـ حسنا اتّفقنا ، جميلة متكتّمة لا تفشي أسرارها ، تحبّ السّينما ، ونشطت في نادي المسرح و أدّت أدوارا مختلفة ، و لكنّها أمضت سنوات في السّينما ، أحيانا تبيع نعجة من نعاجها لتسافر وتشارك في دور سينمائي ، شربتا القهوة وأكلتا البيتزا ثمّ ذهبتا إلى الكليّة ، كانت حصّة المساء ممتعة و مفيدة جدًّا ، و عند السّاعة السابعة كانتا أمام الشّاشة العملاقة ، خيّم صمت ، انطلق العرض ، ورد اسم جميلة .. انتبهت أنغام .. و ما إن برز مشهد المطار رأت أنغام جميلة داخل الطّائرة ، والطّائرة تقلع ، حتّى صرخت جميلة تطير ، جميلة تطير ، شاركتي في هذا الشّريط يا جميلة .. ما أروعك يا جميلة .. ـ اسكتي أنغام اسكتي ـ تابعي العرض سنتحدث بعد حين .. أيّتها الدّاهية أحستت أنّك تتكتّمين على سرّ . ضحكت جميلة وقالت ـ عندما يتوّج عملنا قول : جميلة تطير .

لا تعليقات

اترك رد