دعوا ما للبعير للبعير و ما لبريمر لبريمر


 

لا يصعب علينا إيجاد ما يسلينا ويشغل أوقات بطالتنا المزمنة و بنفس الوقت يديم حروبنا و صراعاتنا و فُرقتنا و يعزز سهامنا في خواصر الفِرق الهالكة دون فِرقتنا الناجية ، هذه المرة عثرنا على وسيلة من وسائل العلاج الشعبي القديم كانت مستخدمة قبل و بعد الإسلام لنجعل منها حديث المقاهي و شبكات التواصل صعوداً إلى الصحف و الإذاعات و محطات التلفزة و انشغل الرأي العام بها لإثنتي عشرة سنة خلت وقد تكون هذه أطول فترة استغرقها الخوض في موضوع لا لإنضاج فكرة مفيدة لكن لمجرد التسقيط حتى صار العلاج ببول البعير مادة للتندر و السخرية من العرب و المسلمين بأيدي العرب و المسلمين ، و مَنَحْنا فرصة مجانية لجمهور الأنتي أرابيزم و الأنتي إسلاميزم من العرب و المسلمين لا من غيرهم للمشاركة في حملة القدح و السخرية هذه . و بما أن البُعْران تكثر في الجزيرة العربية و الخليج العربي فقد أثير الموضوع من جديد لاستخدامه في تأجيج التوتر الناتج عن الأزمات السياسية الأخيرة في المنطقة ، وأخيراً توظيفه طائفياً فهذا الحيوان موجود على ضفة و نادر على ضفة اخرى مما يضاعف من فرص نجاح هذه الحملة بشقها الطائفي .
ما الذي ذكركم ببول البعير ؟
ربما كان بحث الدكتورة السعودية أحلام العوضي قبل اثنتي عشرة سنة عن الأمراضِ التي يمكن علاجُها بهذه المادة هو القشة التي رفعت شأن البعير عند البعض و قصمت ظهره عند البعض الآخر ، جاء في بحثها أن هذه المادة ” ناجعةٌ في علاج الأمراض الجلديَّة كالسعفة – التينيا – والدَّمامل والجروح التي تظهَرُ في جسم الإنسان والقروح اليابسة والرَّطبة ” و قالت العوضي وهي أستاذ مشارك في تخصص الميكروبيولوجي في كلية التربية للبنات بجدة حاصل على رجة الدكتوراه في علم النبات أن لهذه المادة ” فائدة ثابتة في إطالة الشَّعر ولمعانِه وتكثيفِه، كما يزيل القِشرة من الرأس و هو علاجٌ ناجعٌ لمرض الكبد الوبائيّ حتَّى لو وصل إلى المراحل المتأخرة الَّتي يعجز الطبُّ عن علاجها “.
هذا بحث علمي تخصصي قدمته سيدة عربية و هو من ضمن تخصصها فهل يجوز أن يناقشه من لا علاقة له بهذا التخصص ، هل يستحق الموضوع أن نترك مصائبنا منذ بول بريمر و ننشغل ببول البعير ؟ بول بريمر ، هذا العتّاكَ ( أي جامع القمامة ) لم يكن ليحمل شواله الذي ملأه بحثالات المفسدين ” من الشوارع الخلفية ” بحسب تعبيره هو ليعيثوا بالعراق فساداً و إفساداً بعد غزو بلاده له ثم لتتساقط دولنا العربية من بعده واحدة إثر أخرى كأحجار الدومينو لأننا أقوام لا زالت تعالج ببول البعير ، بل لأننا لم نعد نبرع بشيء بقدر ما نبرع بالنيل من بعضنا البعض بدافع العصبية ، المذهبية تارة و العرقية تارة و صرنا نستخدم كل ما يقع بين أيدينا للطعن و القدح ببعضنا .
ماذا لو أن هذه المادة ناجعة فعلاً في علاج مرض لم يجد له الطب علاجاً ؟
لماذا نحن و نحن فقط في المرمى دائماً ؟ الصينيون تعالجوا و ما زالوا بالبول البشري ( بول الرُضّع ) فيما تعالج مواطنو شمال اوربا ببول الخنزير و بعض الشركات تنتج أدوية من بول الحوامل و هناك استخدامات أخرى في أوربا غير العلاج لن نذكرها في هذه المقالة لكن صوفتنا حمراء دائماً ، ذريعتنا الخالدة ( أنظروا أين وصل العلم و نحن لا زلنا بعقل الجاهلية ) . حسناً إذا كنا نتذرع بالعلم هل تتبع الموضوع أحد و عرف رأي العلم به ؟ من بين 730 مخترِعاً من 42 دولة مشاركة في الدورة الثالثة والثلاثين لمعرض الاختراعات الدولي في جنيف السويسرية فازت العوضي بميداليتين فضيتين وشهادة تقديرعن اختراعين مسجلين باسمها ، الأولى عن تطويرها علاجاً لبعض الأمراض الجلدية و الجروح بتحضير هذه المادة صيدلانياً و كانت قد تمكنت أيضاً من تجفيفها لاستخدامها على شكل كبسول ، وسبق للعوضي أن حصلت قبل ذلك على الميدالية الذهبية للمرأة المخترعة من المنظمة العالمية لحماية الملكية الفكرية عن العلاج بهذه المادة ، أما الميدالية الفضية الثانية فقد كانت عن ابتكارها طريقة لاستخدام الغشاء الرقيق الموجود في بيض الدجاج والنعام كبديل عن أوراق الترشيح المستخدمة في المختبرات العلمية . المنجز الأخير طبعاً لم يذكره أحد عندنا طيلة الإثنتي عشرة سنة الماضية و لم تكتب عنه صحيفة و لم نر ملصقاً يحمل صورة بيضة نعامة كما فعلوا مع صورة بعير وضعوهاعلى علبة مشروبات للتندر و السخرية .
هي باحثة إذن و متخصصة أجرت بحوثاً و تجارب و توصلت إلى نتيجة إعترفت بها محافل علمية رصينة و كرمتها . ألا يكفي هذا لتبرئة المشروع من تهمة الجاهلية ؟ هل ينفعها القول أن ابن سينا أيضاً سبقها ونصح به ؟ ما فعلته العوضي أنها قالت لنا لم هذه المادة مفيدة بطريقة علمية وتمكنت من تحويلها الى مرهم و كبسول لعلاج أمراض مستعصية فما الضير في ذلك ؟
لم يكن في نيتي الخوض في هذا الموضوع و لست هنا مع أو ضد طالما أن العلم قد قام بهذه المهمة ، لكني قرأت أن هيئة الغذاء والدواء في دولة عربية كشفت مؤخراً أن بعض العطور المستوردة لبلداننا ( الجاهلية ) من البلدان ( المتحضرة ) يدخل في تركيبها بول الإنسان و الحيوان لوجود مادة اليوريا المثبتة لتقليل التكاليف و كسب أكبر عدد من الزبائن ، و لاستكمال حبات المسبحة هناك أيضاً مادة مستخرجة من براز الأبقار تضاف إلى العطور الرخيصة لتكتسب اللون الأصفر وتؤخر هذه المادة تاريخ النفاذ لثلاث سنوات تقريبًا !
لقد شق علي أن أرى بني جلدتي يتعطرون بهذه المواد دون أن أنبههم إلى أننا إذا كنا نتعطر بها فإن ألعلاج أوجب من العطور على أية حال ، لذلك دعوا ما للبعير للبعير و ما لبريمر لبريمر

شارك
المقال السابقحَدِيثُ النَّفْسِ مَازَجَ حَدِيثَ الْحِسِّ
المقال التالىجميلة تطيرُ

عماد عبود عباس كاتب عراقي عضو عامل في نقابة الصحفيين العراقيين 1974 وعضو اتحاد الصحفيين العرب و الاتحاد الدولي للصحافة İFJ اكمل دراسته في جامعة سراييفو في يوغسلافيا السابقة عمل في مجال الاعلام مدير تحرير و مذيعا و منتج برامج، يكتب العمود الصحفي و المقالة في عدد من الصحف و المواقع الالكترونية

....
المزيد عن الكاتب

لا تعليقات

اترك رد