الناقد الأديب


 

منذ الشهر الماضي وأنا أحضر ندوات ومناقشات نقدية لأعمال أدبية، أغلبها أعمال تمثل الخطوة الأولى لصاحبها أو صاحبتها، وكانت لمجموعتي القصصية قطعة صغيرة من الشيكولاتة نصيبًا في هذه الدراسات النقدية والمناقشات، ولحسن الحظ أن من قام بمناقشتها مجموعة من النقاد الكبار، أو بتعبير أدق، أساتذة يشغلهم الإبداع، ويهتمون بالنقد ليكتمل العمل الأدبي، وليس هدم الإبداع وتدمير المبدع، فنال العمل منهم كل الثناء والتقدير بفضل الله وحظيت بدعمهم ومؤازرتهم. في بعض المناقشات الأدبية، سمعت وشاهدت بعض النقاد يضربون العمل الأدبي الذين حضروا من أجله ليضربوه بمعول الهدم بما يسمونه الجنس الأدبي، وتحديد هويته، ويهيلوا التراب على عمل قد سهر المبدع شهورًا وأحيانًا سنوات ليخرجه إلى النور ويقدمه للقارئ. لا أشير هنا إلى فاعلية بعينها أبدًا، ولا أحدد ناقدًا باسمه، ولكني أتحدث في العموم، عن المبدع والناقد والإبداع بجميع أجناسه والمتلقي. قلت في أحد التعليقات أثناء مناقشة نقدية لأحد الأعمال الأدبية، حين أستهجن ناقد وأديب كبير الجنس الأدبي للعمل، ورآه لا يمت للقصة بصلة ويطلب من المبدع أن يغير في الهيكل العام له ليحوله إلى رواية! قلت أن الشعر في بداية إستخدام الإنسان له، لم يك غير كلمة بجوار كلمة بجوار كلمة، ثم إهتم من يستعمل تلك الكلمات بأن يستخرج من تلك الكلمات موسيقى تؤثر في نفس المتلقي، ثم أخذ بالقافية، وبعد ذلك جاءت البحور والتفعيلات، جاءت لتخدم الشعر، وتزيد من حلاوته وليس لتقيد الشاعر وتشل حركته، جاءت لتزيد من سحر الكلمة، ولتؤثر أكثر في نفس المتلقي، فالمتلقي هو الهدف الأول بل والوحيد، فالمبدع يبدع للقارئ أو السامع أو المشاهد، يبدع ليغير في الكون، ليزيد من جمال الحياة، والغرض الوحيد هو التأثير في نفس المتلقي. المبدع له الحق في الإبداع بالصورة التي تستهويه، المهم أن يصل إلى نفس المتلقي، معادلة بسيطة من الفئة الأولى، مبدع يبدع لأجل متلقي وما الناقد إلا عامل حفاز، يستثير المبدع ليجيد ويبدع في كل مرة أفضل من المرة التي سبقتها، لا ليدمره أو يقيده بقوانين نحن من إخترعناها لننظم الإبداع ونعطيه الاسم الذي يَصِفَهُ ويُعرِفَه. القصة لم تكن معروفة، والرواية لم يتطرق لها أحد من العرب قبل زينب التي كتبها الدكتور محمد حسين هيكل، لكن هل يعني ذلك أن فن القصة أو جنس الرواية غير موجود من قبل؟ لقد ذكر الله في كتابه العزيز “نحن نقص عليك أحسن القصص” وهذا دليل على أن العرب كانوا يقصون ويروي بعضهم روايات عن فلان وفلانة، لكنهم لم يكتبوها مثلا أو أن الشعر أخذ منهم كل طاقاتهم الإبداعيه وصرفهم عن غيره من الأجناس الأخرى. إن الناقد حين يكون أديبًا، يأخذ بيد المبدع إلى عالم أرحب من الإبداع، ويخدما سويًا الإبداع والمتلقي، فالإبداع بستان شاسع لا حدود له والمبدع هو صاحب هذا البستان، وهو صاحب الحق الوحيد في إختيار زهور بستانه، فإن قام بزرع زهرة غريبة، لونها خلاب ورائحتها تثير العاطفة، فإن على الناقد أن يبدأ في دراسة تلك الزهرة الغريبة عليه، فما دامت هذه الزهرة راقت للمتلقي حين دخل بستان المبدع بإرادته، وانحنى ليشم أريجها، فإن على الناقد أن يتبعه ويعمل عقله وفكرة إحترامًا للمتلقي الذي انحنى لهذا الإبداع. حديثي عن الناقد الأديب، وعن العمل الجاد الذي يخلق عوالم من والحق والخير والجمال.

لا تعليقات

اترك رد