الفن بين مفارقة التقليد والحداثة


 

إن هيغل في (جماليته)، لا يصرح مباشرة بموت الفن ونهايته ولا أن الفنانين اختفوا وانقرضوا، ولكنه يرى أن فن عصره لم يعد يعبر عما كان يعبر عنه من انتظارات واعتقادات الحضارات القديمة، لذلك يبقى الفن الإغريقي والفن الوسيطي (القوطي) شيئا من الماضي.

هذه الفكرة تطرح أفكارا أخرى اتخذت كإشكاليات كبيرة في الجمالية الغربية لدى القدامى والمحدثين، ألا وهي فكرة “التقدم والرجعية” في الفن. ومن تم تطرح مسألة تطور الإبداع الفني نحو الأحسن، مع الاعتقاد أن تاريخ الفن يكشف لنا ربما عن درجات امتياز نصل بها إلى مستوى الجودة.

نتساءل إذا: هل يوجد تأخر في الفن؟ أي هل يمكن الحديث عن تقهقر من الأحسن إلى الأسوأ؟ وما معنى الجودة في الفن؟ وما مقاييسها؟ وهل هي مطلقة وقارة في الزمن الفني؟

هذه تساؤلات يمكن الإجابة عنها ومناقشتها في مقام آخر.

المهم أن عددا من الفلاسفة من بينهم هيغل يرون أن الجودة تحققت في الماضي، في التماثيل الإغريقية، وأن ما جاء بعد الإغريق ما هو إلا نسخا باهتة لتلك التماثيل.

إن الحنين إلى الماضي وإلى العصور القديمة كانت مفارقة كبيرة لدى كثير من الفلاسفة وتشكل قاسما مشتركا بينهم، وأخص بالذكر من كانوا يعتبرون من مفكري الحداثة ومنظري المستقبل. ففي الوقت الذي كانوا يطرحون أفكارا فلسفية حداثية، كانوا من الجانب الفني والجمالي تقليديين في ذائقتهم الجمالية.

نصل إلى ماركس ليطلعنا بقوله مستغربا: “أننا لا زلنا حتى القرن 19 نتذوق الأعمال الفنية الرائعة للعصور القديمة”.

أشرت إلى كارل ماركس الذي تعتبر كتاباته عن الفن وتأويل الإبداع تعبيرا عن إرادة قائمة بهدف حل التناقض المرتبط بالجدلية الماركسية. “إذ أن تطور الأشكال الإيديولوجية – السياسية والقانونية والفلسفية والأدبية والفنية يقوم على التقدم الاقتصادي”، فهناك تطابق بين التطور الاقتصادي والإنتاج الفكري، غير أن هذا التطور ليس مطلقا ولايمكن التحقق منه عبر التاريخ. فالفن شكل إيديولوجي مستقل وأنه يوجد في بعض الأحيان رهينة علاقة غير متكافئة بين تطور الإنتاج المادي والإنتاج الفني.

إذا عدنا إلى الحديث عن الذائقة الفنية لدى ماركس وكذلك رفيقه إنجلز، نلاحظ أنهما سقطا في الفخ الذي نصباه للكاتب هنري بلزاك حينما اتهماه بالتقدمية المحافظة. فرغم أنهما كانا تقدميين في فلسفتهما إلا أن ذوقهما الفني كان تقليديا، بحيث أبديا إعجابهما بكتاب كبار مثل شكسبير وغوته وعبرا عن تعظيمهما للعصور اليونانية القديمة. “إن ذوقهما الكلاسيكي كان في الاتجاه المعاكس من قناعتهما السياسية والفلسفية “كما أشار إلى ذلك هنري أرفون.

نجد نفس الاتجاه في الفلسفة النتشوية “التي كانت معادية بشدة للفلسفة الهيغلية”، وتتغدى هي أيضا عن ذكريات اليونان القديمة الما قبل سقراطية، في الوقت الذي كان نتشه قد بنى تصوراته للحداثة في كتابه “المأساة”.

“إن جمالية نيتشه التي كانت جريئة في ميدان الإبداع الأدبي قد بقيت كلاسيكية في ميدان الفنون الجميلة، ولم تنفصل عن ذلك الأسلوب الكبير للأشكال التقليدية المتأثرة بذكريات المعجزة اليونانية” (مارك جمنيز).

نأخذ سيغموند فرويد كمثال ثالث على النزعة المحافظة في ميدان الجمالية.

فأول ما يصادفنا ونحن نطلع على كتابات فرويد حول الفن، طابعها التجديدي المبني على نظريات التحليل النفسي التي أسهمت كثيرا في قراءة وتحليل الأعمال الفنية ودراسة نفسية الفنانين (ليوناردو دافنشي كمثال)، لفهم أسرار الإبداع الفني الداخلية المرتبطة بالشعور واللاشعور، في المقابل ما تنزع إليه ذائقة فرويد الفنية الكلاسيكية المحافظة.

إن الفن حسب فرويد “خال من كل مغزى ميتافيزيقي أو ديني، بل هو مجرد تخدير ومن محاسنه أنه قد يخفف على الفرد الذي يواجه تقلبات الحياة”.

“إن هذا المحلل النفساني الذي كان معاصرا للثورات الطليعية (مات فرويد سنة 1939)، لم يكن على دراية بحداثة التفكيكات التي عرفها الفن كالتجريد واللاتصوير”، رغم أن هذا التيار الفني كان ممكنا أن يشكل أرضية خصبة لدراسات التحليل النفسي آنذاك.

إن هذا التعلق بالكلاسيكية والجمالية المثالية هو في نهاية المطاف قاسم مشترك بين كل من ماركس ونتشه وفرويد (وحتى هيغل) وهو في واقع الأمر نوع من الحنين إلى تلك العصور القديمة وللتراث الفني الغربي الذي ساد بين العصور الوسطى مرورا بالنهضة وصولا إلى القرن 19.

نتساءل أليس التعلق بالماضي والارتباط بالتراث نوعا من “موت الفن” و”نهايته”؟

فالارتباط بالماضي والتعلق بالتراث يعني رفض كل تجديد، والسير في الطريق المعاكس الذي نهجته الحداثة. وهذا ما سلكته الحداثة الفنية العربية التي أخطأت الطريق ونهجت سبيلا أدى بها إلى متاهات لم تستطع أن تنعتق من مسالكها، فسيرها في الاتجاه المعاكس تماماً للذي سارت عليه الحداثة الغربية، عبر إعادة الاعتبار للماضي الحضاري والثقافي، ومحاولة إعادة الحياة لبعض النماذج التراثية كالخط العربي والزخرفة الإسلامية والفنون الشعبية والرموز، أدى بها في نهاية المطاف إلى الاجترار والتكرار وإعادة نسخ ما سبق، حيث بات فنانوها يكررون أنفسهم دون توقف إلى درجة الركاكة

والتأفف والملل. كانت الحداثة الفنية العربية، بخلاف قرينتها الغربية تفتقد إلى خلفية معرفية وفلسفية وجمالية تؤطرها وتجعلها مشروعا مكتملا يعطيها استمرارية في التاريخ والزمن.

“لقد تم استنفاد كل الوسائل الإبداعية لأن كل شيء قد تم اختياره وتحقيقه مع ظهور فنانين مثل مارسيل دوشان وأندي وارول وتجارب الفن المفاهيمي التي وضعت حدا لمفهومي العمل الفني والفن نفسه، باعتبارها كل أثر “مبتذل” بمثابة عمل فني”، وعلى هذا ستكون نهاية الفن بمعنى أن يكون محكوما عليه بالتكرار.

وهذا القول مما ساد في أطروحة أرتور أدورنو حول نهاية الفن. فأعمال كل من دوشان ووارول تشكل ما يمكن أن نسميه بالحدود المطلقة التي تجعلنا لا يمكن أن نتصور تاريخ الفن أبعد من ذلك.

“إنني أعتقد أنه مع علب بريو (من أعمال أندي وارول)، استنفد الفن كل إمكاناته وبالتالي انتهى تاريخ الفن”.

“ولا نقول توقف بل انتهى وأصبح واعيا بذلك وفق فلسفته الخاصة، وبمعنى آخر أصبح الفن في ذلك الوضع الذي توقعه هيغل في فلسفته للتاريخ.” (دانتو)

حتى لا نكون متشائمين فوق الحدود نضع السؤال ونتمنى الوصول إلى إجابة: “ألن يوجد مستقبلا شيئا كفعل أو إبداع فني لم يسبق مثيله من قبل وغير متوقع الحدوث بإمكانه توسيع آفاق تاريخ الفن الذي لا يتكون ولا يتولد إلا من خلال تراكم الأعمال الفنية والاتجاهات الجمالية والنقد البناء”؟

أين نحن من كل هذا؟

إذا كانت هذه هي الحقيقة، فما الذي نبحث عنه نحن الفنانون العرب؟

هل لنا تاريخ فن بدأ لينتهي؟

بالأمس كان لنا فن له جماليته الخاصة تنبني على خلفية معرفية وإيديولوجية فلسفية واضحة، أطرت الفنانين (خطاطين ورسامي منمنمات وزواقين) وتأثروا بها، أما اليوم وأنا أسرد أقوال وأفكار الفلاسفة الغربين وميولاتهم الفنية وذائقتهم الجمالية التي أطرت وأثرت في التيارات والاتجاهات التشكيلية، أتساءل مع نفسي كيف لا نجد كتابا ولو واحدا لفلاسفتنا المغاربة والعرب عامة يتناول القضايا الجمالية المتعلقة بالإنتاجات الفنية العربية؟ لا أحد ممن يهتمون بالشأن الفلسفي عبر لنا عن ذائقته الفنية ولو بسطر واحد في مؤلفاته، والذين يتناولون الحديث، كتابة أو شفاهة، عن الحداثة وما بعد الحداثة، يتفادون دائما الخوض في المسائل الفنية والجمالية. وما كتبه المهتمون بالفلسفة الجمالية العرب، ما هو إلا ترجمات أو إعادة صياغة أفكار الفلاسفة الغربيين أمثال هابرماس ودانتو وأدورنو وغيرهم لا أقل والأكثر.

هل نسعى إلى إحياء الفن بعدما أعلن أصحابه عن موته ونهاية تاريخه؟ فنهاية الفن كما سبق تعني الخوض في الاجترار والتكرار.

لا شك أن الفن عندنا قبر في مهده، ومنذ ولادته لم تسمع صرخته، وما التكرار والاجترار إلا شاهدان واضحان على ذلك.

لا تعليقات

اترك رد