حَدِيثُ النَّفْسِ مَازَجَ حَدِيثَ الْحِسِّ


 

تنتابنا أحوال نمتلئ بها حتّى “تضيق العبارة وتتّسع الرّؤيا”، وحتّى نفزع إلى أصيل نصوصٍ قرأنا نلوذ بها لتقول عنّا مواجيدنا ولنخلوَ فيها إلى أنفسنا. وقد عرض لي ما ألجأني إلى نصّ سامق أطلب فيئه؛ حدّث أبو هريرة … قال لمحمود المسعدي.

… وإنّي بين يديه أقرأ “حديث الحسّ” إذ بعبارة فيه تشيع في نفسي كما شاعت في النّصّ فهي نواته الّتي إليها تنشدّ فقره وتؤوب إليها معانيه:” إِنِّي أَجِدُ فِي جَسَدِي وَهْوَ عَلِيلٌ كَيْفَ يَرِقُّ حَتَّى كَأَنَّهُ عُودٌ كُلَّمَا جَسَسْتَهُ أَنَّ، وَكَيْفَ تَدِقُّ الحَاسَّةُ وَتَحْتَدُّ”. فهذا حديث النّفسِ مازج حديث الحسِّ وهذا مقروء يشفّ عن قارئه:

ساعة من الزّمان أسلمت أبا هريرة من مرضه إلى علّته وبين ذاك وهذه فرق ما بينه وبين النّاس؛ تحوّلَ أبو هريرة عن مرض النّاس وهو منهم (يمرض النّاس فيطلبون الشّفاء) إلى علّته (وقد طلبت الشّفاء مثلهم ساعة مرضي الأولى ثمّ وجدت في علّتي ما لم أجده في الصّحّة وتمّت لي بها حياتي).

المرض دالّ صريح الإحالة على مدلوله مشترك في أفهام النّاس يطلبون انقضاءه (الشّفاء) ويرصدون مآله (الإبلال) ويقابلونه بضديده (الصّحّة): “هل عاد لك من الصّحّة ما كان ذهب؟”

وقد نسب أبو هريرة المرض إلى النّاس وما نسبه إلى نفسه كامل الحديث، ونسب العلّة إلى نفسه في موضعين من النّصّ فترك مفرد المعنى إلى كثرته، والحالَ تعرِض إلى المقام يُعاش وذاك في اللّغة غنى وفي التّجربة فرادة، وفي النّصّ – وقد غاب التّصدير- ريادة.

علّة أبي هريرة فاضت عن المعنى الواحد فالعلّة “المرض”، والعلّة “السّبب”، والعلّة “الحَدَث يَشْغَل صاحبَه عن حاجته”.

العلّة من رحلة أبي هريرة الذّهنيّة لحظة تأمّل لها ما بعدها، وهي في تجربته الوجوديّة سؤال الإنسان يصير ويكون، وسؤال الحياة والموت متى وكيف؟

صُدّر نصّ التّشبيه في العبارة النّواة بفعل “أجد” وفي استعماله جدّة هذا بيانها:

ü وجد فعل من أفعال القلوب دالّ على يقين المتكلّم وهو من جهة دلالته المعجميّة موافق لمسار أبي هريرة في بحثه عن المعنى ضالّته، وهو في خاصّته النّحويّة المذكورة موافق لرحلة الذّهن يعقل من الأمور بواطنها تخفى.

ü سدّت مسدّ المفعولين الجملةُ يتصدّرها الاستفهام “كيف يرقّ/ كيف تدقّ الحاسّة”. والكيف سؤال الكيفيّة ولا يكون إلا حضورا وشهودا ووجودا. فهذا خبر العلّة يرويه أبو هريرة وهو يعيشها.

ü اليقين في الفعل موصول بمجال تحقّقه (ظرف المكان: في جسدي) والجسد أمارة الوجود وصورة منه كونا واستحالة؛ كون أبي هريرة وكيانه وقد أدركته الحواسّ، واستحالته وصاحبَه إذ ينقل التّشبيه سيرورة تخلّص الجسد العليل من كثافة المادّة عبر الحال وظيفةً نحويّةً صريحةً (وهو عليل)، وعبر(كيف) الدالّة على

الحاليّة والفعل المضارع الدّالّ على عدم انقضاء الحدث فيرقّ متّخذا صورة العود ضعفا وهزالا (العُودُ كلّ خشبة دَقَّتْ) ثمّ يصير إلى التّجريد لحنا رامزا (العود آلة الطّرب “العُودُ ذو الأَوْتارِ الأَربعة الّذي يضرب به”)

ينقل التّشبيه حاضر العلّة حالا يعيشها أبو هريرة. وفيه تتراسل حاسّتان أو جاسّتان : حاسّة اللّمس في صورة الجسد العليل رقّ للعلّة ردّد صداها ألما وإمحالا، وحاسّة السّمع في صوت أبي هريرة وحنينه (1) تستقطبه صورة العود تُجسّ أوتاره فيكون منه أنين ورنين. والجامع بينهما شدّة الحساسيّة.

فإذا فحصنا الصلة بين المشبّه (الجسد) والمشبّه به (العود) وجدناها على مدى من التّكثيف فكرة بعيدة ورمزا شفيفا؛ آية ذلك يسر التّحوّل في الدّالّ من معنى أوّلَ إلى معنى ثان، ومن المعنى الحقيقيّ إلى المجازيّ يساعد على هذا غموض الإحالة (الهاء في جسّسته تعود على العود أو على الجسد؟) فمن الجسد مجسّة يجسّها الطّبيب ، والعود يجسّه ضاربه فيَطرب لذلك “من تحالم في دهره كلّه”.

وفي رقّة الجسد ضعف ونحافة يعاينها العائد فيكون منه إشفاق وحنين “مرض أبو هريرة حتّى أشفقت عليه”، ويتلبّس الجسدُ بصاحبه الموجوع والعودُ بضاربه الطرِب فيئن ما جُسَّ. ويكون من مجاسّ الجسد ومن ألحان العود أطراب صاحبه أو ضاربه أو سامعه يحكيها أنينا. كذا تجتمع في التّشبيه معانيه الأُوّل والثّواني، البثّ والتلقّي، الحسّ والإحساس فيحضر الجسد ناقلا لأوجاع العلّة “الإمحال وذهاب الماء” ولأوجاع النّفس ” ضمّيني إليك” كما تحضر الألحان ترجمانا للوجدان.

ويوصل في التّشبيه بين العلّة والحسّ المرهف أوضحه المعطوف (وكيف تدقّ الحاسّة وتحتدّ) وهو ما آذن برحلة في الجسد نقلت الفعل الروائيّ من الواقع إلى الذّهن.

تكاملت لعلّة أبي هريرة أسبابها ومقاماتها وأحوالها:

ü امتداد في الزّمان يجلوه التّراخي في ثمّ (‘ثمّ وجدت) والانتهاء في الغاية الزّمانيّة (حتّى أشفقت عليه).

ü مقام الألم: العلّة مقام وللمقام مراقيه ولهذه المراقي مريدون مُصْطَفَوْن “ولعلّه لا يبلغ العلّة من الناس إلّا القليل” لا يبلغونها إلّا ببلوغ الأحوال المفضية إليها.

ü حال الألم: وهي حال اجتماع الطاقات وامتلاء الحواسّ (2) وهاهنا موضع الّتنافذ بين معنى الإحساس في عنوان الحديث (الحسّ) ومعنى العلّة موضوعه حدثا شاغلا “كيف تدقّ الحاسّة وتحتدّ”؛ كذا يجتمع الطّعم (المرارة والحموضة) والبصر(تحسن في العين) والسّمع (يلقي بأذنيّ كالحنين) واللّمس (يلذعني الألم).

ü حال المكابدة: مكابدة وعي الوجود ما به يمتاز أبو هريرة سائرَ الناس (يمرض النّاس يا ريحانة فيطلبون الشّفاء≠ “فخشيت أن تعاودني الصّحّة والاستقامة فأموت”، وما به فرادة التّجربة. العلّة سبيل أبي هريرة إلى الشّفاء من علّة الوجود “وقد تكون العلل من محييات الحياة”. وذاك نيتشه هداه مرضه سواء السّبيل وقد خلّى بينه وبين نفسه فتعرّفها.

ü حال العروج: يجسّدّها تخلّص الجسد من كثافته (علّتي تفكّ الجسد وتميّز الأوصال فيخفّ اللّحم والدّم) كما يجسّدها أوّلا انعتاق الرّوح يقفوها العليل متردّدة على الأعضاء ويجسّدها ثانيا الانقطاع عن الأرض

إلى ما يفارقها (كأنّي في الخلد)، (كصدى غيب بعيد) ويجتمع في هذه الحال الرّوحيّ والماديّ، النّفسيّ والعضويّ، العدم والكيان. إنّها ساعة الخلق عند النزع. وكذا نزع النّهار من اللّيل لتكون الدّنيا، وإنّه وجع الولادة (3). ما أقرب ما يرسمه المسعدي بالكلمات بما رسمه سليفان مالدون بريشته. (4)

وفي مفهوم الخلق وجه آخر من وجوه الشّبه بين الجسد العليل يرقّ والعود يُجسّ فيئنّ؛ فحال العليل رقّ منه الجسد وشفّت فيه الحواسّ فكانت علّته معراجا إلى المطلق استكناها لحقيقة الوجود وبابا لمعرفة أسمى بالكيان شبيه بحال الفنّان يصوغ من الوتر أحلام الإنسان يرسلها ألحانا “فكأنّ مقدار القوّة والحياة يزداد للعلّة وكأنّ قرب الفناء خلّاق”، أليست أمراض الشعراء “فطنا ثاقبة وأذهانا متوقّدة”؟

هي الرحلة من ظاهر الجسد إلى باطن الوعي، وهي رحلة البطل يستكنه وجوده، وهو الحسّ “صوتا خفيّا” (5).

بهذا أخرجت العلّة تجربة الحسّ من المتعة الماديّة إلى المتعة الذّهنيّة، ولم تكن ريحانة وهي تعاين علّة أبي هريرة من خارج، وتحاوره في شأنها إلّا حيلة السّرد لبيان هذا التّحوّل في تجربة الحسّ استعدادا لتجريب مجال ثان من مجالات التّجريب.

(1) جاء في اللسان:” الحَنينُ الشديدُ من البُكاءِ والطَّرَبِ، والحَنِينُ الشَّوْقُ وتَوَقانُ النَّفس”

(2) جاء في اللسان:” الإِحْساسُ العلم بالحواسِّ، وحَواسُّ الإِنسان: مشاعره وهي الطّعم والشّم والبصر والسّمع واللّمس.”

(3) الحسّ ” وجع الولادة”

(4) انظر الخروج من الجسد . راجي عنايت. ط. 3 . 1993. دار الشّروق القاهرة سلسلة : أغرب من الخيال. رسوم سليفان مالدون ص 122-124

(5) جاء في اللّسان:” الحسّ: الصّوت الخفيّ”.

لا تعليقات

اترك رد