منظمات المجتمع المدني – ج1


 

بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية والتي ذهب ضحيتها أكثر من ستين مليون قتيل، انتقل العالم إلى مرحلة أطلق عليها الحرب الباردة، حيث كان العالم ينقسم إلى معسكرين متناقضين في الأيديولوجيا وأنماط الحياة، دأبت الولايات المتحدة الأمريكية ومعها بعض دول غرب أوروبا على رصد ميزانيات ضخمة للتأثير على الرأي العام في دول الاتحاد السوفيتي السابق ودول المعسكر الاشتراكي في شرق أوروبا، بهدف تحقيق اختراقات في البنية الثقافية والاجتماعية لإحداث تغيير في البنية السياسية وأشكال الحكم في تلك الدول، واستعانت الولايات المتحدة لأجل ذلك بالأقمار الصناعية وكل أشكال التجسس، وكذلك وظفت عشرات الأقنية التلفزيونية والمحطات الإذاعية التي كانت تبث برامج حصرية لشعوب الدول الاشتراكية، تُظهر شكل الحياة الديمقراطية المبهج في الغرب.

وظلت هذه السياسة قائمة لا تتغير مع تغير أحد الحزبين الحاكمين في الولايات المتحدة، كإجراء ثابت في سياسة أمريكا الخارجية، بل على العكس فقد توسعت وتطورت اشكال تدخل الولايات المتحدة في العالم، فقد ابتدع الرئيس الأمريكي السابق رونالد ريغان في بداية ثمانينيات القرن الماضي ما سمي مشروع بناء البنية التحتية للديمقراطية في الدول النامية، واعتبر حينها نمط جديد في محاولة هيمنة أمريكا على العالم .

بعد تفتيت الاتحاد السوفيتي وانهيار المعسكر الشرقي برمته وانفراد الولايات المتحدة الأمريكية بقيادة العالم بوصفها القوة الوحيدة القادرة على فرض أنماطها الثقافية بالقوة الاقتصادية والهيمنة العسكرية، انتشرت المنظمات الغير حكومية في الدول النامية ومن ضمنها العالم العربي ” Non-governmental organization ” اختصار” NGO” منظمات خيرية ، بيئية ، منظمات حقوق الإنسان ،وهي منظمات يجب أن تعمل بشكل

مستقل عن الدول وعن المنظمات الحكومية، وأن تكون أطر غير ربحية ويتم تمويلها من التبرعات الغير مشروطة، تعتمد بشكل أساسي على مجموعات عمل بشرية تعمل بشكل واسع في الكثير من الدول .

الولايات المتحدة الأمريكية التي سبق وأن وظّفت أجهزة مخابرات في بعض الدول العربية ودول المنطقة من أجل تأسيس البنى التحتية للديمقراطية بحسب المفهوم الأمريكي، عملت جاهدة لتوظيف بعض من هذه المنظمات الغير حكومية في خدمة أهدافها في المنطقة وذلك من خلال استقطاب وتدريب ثم تجنيد قطاعات كبيرة من الشباب المتعلم في الدول النامية، فأصبحنا نلاحظ في منطقتنا نشاط عدد كثير من المنظمات الغير حكومية الممولة من الولايات المتحدة الأمريكية أو من دول الاتحاد الأوروبي ” الأراضي الفلسطينية وحدها تحتضن عدد كبير من هذه المنظمات بسبب أن القضية الفلسطينية تحتل أولوية خاصة عند دوائر اتخاذ القرار وصنّاع السياسة الأمريكية والغربية لحرصهم على أمن وسلامة اسرائيل، ومحاولة نشر ثقافة الأمر الواقع والتصالح وثقافة الطاعة والانصياع لدى الشباب ” .

وفي العديد من الدول النامية بما فيها الدول العربية والافريقية، وفي جزء من الدول الآسيوية وجنوب أمريكا، انتشرت هذه المنظمات الغربية وتوسع نشاطها وتعدّد ليلامس تقريباً كل شأن من شؤون حياة الناس، وأصبحت هذه المنظمات أدوات واذرع للدول الغربية في البلاد التي يتواجدون فيها، ويقومون بإعادة رسم حياتنا، وإعادة تأهيلنا لإنتاج وعي جديد تماماً بالمعنى الحرفي للكلمة كي يصار إلى قولبة هذه المجتمعات بما ينسجم مع مصالح وأهداف الغرب، عبر تدريب ومن ثم تجنيد الآلاف بل عشرات الآلاف من الشباب المتعلم في هذه الدول والذي يمتلك قدرة التأثير المباشر على محيطه، أصبحنا نلاحظ وجود هذه المنظمات في كل شأن من شؤون الحياة العامة في الدول المستهدفة، العجيب أن نرى مؤسسة أمريكية مثل مؤسسة راند الأمريكية ” Rand Corporation” والتي هي في الأساس مركز أبحاث وتطوير يقدم خدمات ودراسات للقوات المسلحة الأمريكية، مؤسسة راند هذه تم تكليفها من إحدى الدول العربية لإعادة صياغة المناهج الدراسية لتلك الدولة، في حين تقوم شركة بوز ألن ” Buzz Allen ” العالمية للاستشارات نصائح لتنظيم وزارة أوقاف دولة أخرى في المنطقة، ناهيك وعلى سبيل المثال لا الحصر عدم إجراء أية عمليات انتخابية في المنطقة دون حضور مندوبين عن مركز

كارتر ” The Carter Centr” وكأن لا مشروعية لنتائج أي انتخابات لا تمنحها هذه المؤسسة الموافقة على نزاهة ونظافة العملية برمتها، بالرغم من أن كارتر نفسه الرئيس الامريكي الأسبق والذي يرأس هذه المؤسسة التي تحمل اسمه، هو نفسه كان قد دعّم بعض الديكتاتوريات في المنطقة، وساهم في إعادة رسم الخارطة السياسية للعالم العربي في أواخر سبعينات القرن الماضي.

حتى المؤسسات العسكرية والأمنية في الدول النامية لم تسلم من تدخلات هذه المنظمات الغير حكومية عبر التسلل من نظام المعونات الاقتصادية والعسكرية من الدول الغربية لتثبيت ركائز أنظمة الحكم القائمة، فتصبح هذه الدول رهينة أهواء ومصالح الغرب، أنتم تتلقون منا مساعدات سنوية بقيمة مليارات من الدولارات، إذن أنتم لا تستطيعون منع المنظمات الغير حكومية من العمل في بلدانكم، بل عليكم احترام وتسهيل عمل هذه المنظمات وإلا قطعنا عنكم المعونات، هكذا تجري الأمور بالمعنى المطلق للكلمة .

الطامة الكبرى مع لجان حقوق الإنسان، التي كانت المعزوفة المتواصلة للسياسة الخارجية الأمريكية والغربية أثناء الحرب الباردة في مواجهة الشيوعية وتقويضها في المعسكر الشرقي وتفنيد المنظومة الأخلاقية للدول الاشتراكية وتغيير أنظمة الحكم فيها .

استمرت حكومات الولايات المتحدة والغرب في استغلال شعار حقوق الإنسان كذريعة لقلب انظمة حكم قائمة، حتى بعد إنشاء منظمة العفو الدولية ” Amnesty International ” في العام 1961 بغرض الدفاع عن حقوق الأفراد بغض النظر عن الحقوق الجماعية، وتبنت المنظمة قضايا سجناء الرأي، “سجناء الضمير” الذين يعتقلون بسبب عقيدة أو فكر أو دين، ونجحت المنظمة في تسليط الضوء على كثير من قضايا القمع والاضطهاد الفردية، لكنها رغم ذلك كانت تخضع في عملها لمصالح وحسابات الغرب في ترتيب الأولويات حتى في القضايا الإنسانية .

في العام 1978 تم إنشاء منظمة هيومان رايتس ووتش ” Human Rights Watch” بميزانية ضخمة وإمكانيات كبيرة من أجل رصد خروقات الاتحاد السوفيتي السابق لاتفاقيات هلسنكي “Helsinki Convention ” التي وقعت في العاصمة الفنلندية العام

1975 التي نظمت أسساً جديدة للأمن والتعاون بين الدول الأوروبية، والاتفاق على تطويق الأزمات، وترسيخ الأمن والاستقرار، وتغيير نوع العلاقات الدولية القائمة .

ثم في سنوات لاحقة تطورت هذه المنظمة بشكل لافت وتم تأسيس فروع لها في القارة الأمريكية وآسيا في القارة السمراء ولاحقاً في منطقة الشرق الأوسط .

إن نشاط وعمل منظمة مراقبة حقوق الإنسان الدولية سالفة الذكر توسع ليشمل العالم بأجمعه، ولدى هذه المنظمة مراقبون في جميع الأماكن التي تشهد حروب وصراعات مسلحة، وكذلك في العديد من الدول التي تُعتبر ساحات ساخنة، إلا أنها للعجب نأت بنفسها عن كل ما يجري من انتهاكات صارخة من قبل اسرائيل بحق الإنسان الفلسطيني تصل إلى درجة جرائم حرب .

وبالرغم من وجود آلاف التقارير حول دور المنظمات الغير حكومية وتحليل تأثير دور هذه المنظمات على المجتمع المدني على سبيل المثال في دول شرق أوروبا وأمريكا الجنوبية، إلا أنه يلاحظ تقريبا انعدام الدراسات والتحليلات المقارنة لمنطقة الشرق الأوسط في الغرب الذي يمثل المقر الرئيسي للغالبية العظمى من المنظمات الغير حكومية، وعادة ما تميل مراكز التحليل الغربية للنظر إلى منطقة الشرق الأوسط على أنها كتلة من الحكومات الاستبدادية المتحجرة يحكمها طغاة ظالمين بالوراثة، وبالرغم من صواب هذه النظرة المستشرقة، إلا أنها تتميز بالإبهام والغموض ولا تستند إلى رؤية تاريخية، ولا تلحظ بعض المحاولات الإصلاحية التي أجرتها وتجريها بعض الدول العربية في خططها للتنمية، فبظني أن الشرق الأوسط ليس كله كتلة متجانسة، فعلى سبيل المثال هناك دول تعمل فيها أكثر من ألف منظمة غير حكومية، بينما لا نجد أثراً لها في دول أخرى نتيجة القوانين التي تمنع وجودها .

حسناً، لكن هل جميع المنظمات الغير حكومية هي منظمات تتسم بالنفاق وازدواجية المعايير ولا تهتم إلا بمصالح الدول الغربية ؟

فيما يتعلق بالصراع العربي الاسرائيلي على سبيل المثال، لا يمكن لهذه المنظمات أن تشير إلى الخروقات المتعمدة والمتواصلة من قبل الحكومات الاسرائيلية المتعاقبة بحق الإنسان الفلسطيني بعيداً عن مصطلح “الموازنة” في التقارير التي تصدرها، وهذا يعني أن يتم وضع الجلاد والضحية في الإدانة ذاتها وفي التقرير نفسه، بذريعة ان رد الفلسطينيين على القصف والقتل التي تقوم به اسرائيل لم يكن موجهاَ ضد أهداف عسكرية، وكأن اسرائيل لا تستهدف البشر والحجر في حرب إبادة ضد الشعب الفلسطيني.

لا تعليقات

اترك رد