أول دستور صيدلة في التاريخ

 

قد يجد الباحث في تاريخ الطب والصيدلة في بلاد الرافدين صعوبة في التوصل إلى بعض المعلومات الطبية والعلاجية مقارنة مع زميله الباحث في تاريخ الطب في مصر القديمة ، أو بلاد الإغريق والسبب يعود في ذلك إلى طبيعة ارض بلاد الرافدين التي تمتاز بالرطوبة العالية وارتفاع منسوب المياه الجوفية التي أدت إلى تلف الكثير من ألواح الطينية التي تتضمن نصوص غاية في الأهمية، أما النصوص التي كانت أوفر حظا هي تلك التي دونت على ألواح فخارية تمكن الباحثين من العثور عليها والاستفادة مما دون فيها. فضلا عن كثير من الألواح التي وجدت في مكتبة آشوربانيبال والتي نسخت من نصوص قديمة تعود إلى عصور مختلفة كانت خير معين على اكتشف العديد من المعلومات وأسرار تلك الحضارة وأصالتها.

ولا نغالي أو نبالغ إذا ما قلنا إن أصل الأشياء يعود إلى بلاد الرافدين تلك النواة الأولى للاختراع وابتكار كل ما يسهم في تسخير الطبيعة في خدمة الإنسان قديما ، وهذا ما أكده اغلب الباحثين والدارسين في مجال التنقيبات الأثرية والدراسات التاريخية ومنهم صموئيل نوح كريمر عندما أشار في كتابه (هنا بدأ التاريخ) مشيرا إلى أصالة هذه الحضارة ودور سكانها في الإنتاج والسبق في كافة المجالات وما لهم من اثر على الحضارات المجاورة لهم ولاسيما الحضارة الإغريقية بشكل مباشر والعالم الحديث بشكل غير مباشر.

فقد توصلت التنقيبات الأثرية إلى اكتشاف وثيقة تتحدث عن الطب والعلاج لا اثر للسحر والتعاويذ والرقي فيها وإنما هما طب وعلاج على مستوى علمي ، بحث اعتبرت هذه الوثيقة كأول دستور للصيدلة في العالم . وقد ذكر في هذه الوثيقة اسم طبيب سومري كان يمارس مهنته في أور 2700ق.م ، وهذه الوثيقة مدونة بالخط المسماري على لوح من الصلصال وتضم ما يزيد على اثنتي عشر نوعا من العلاج . ويعد هذا الو حاول كتاب صيدلة عرفه التاريخ.

وفي لوح أخر عثر عليه في مدينة نفر (وهو محفوظ اليوم في متحف جامعة فيلادلفيا) ، يشير فيها إلى إن الطبيب السومري كان يلجأ إلى النبات والحيوان ، وكذلك المعادن كمصادر أولية لاستخراج الأدوية . إذ كان يستعمل نبات السنا وهو نوع من النباتات من فصيلة الكمون لاستخراج الأدوية وكذلك الأس والمصطكي والزعتر فضلا عن أشجار الصفصاف والكمثرى والنخيل وكانت المواد الأولية للأدوية تستخرج من الأغصان أو البذور أو قشور السيقان أو الصمغ كما في الوقت الحاضر ، أما الأدوية الحيوانية فتعتمد على الحليب وجلد الأفاعي وتروس السلاحف وغيرها. أما كلوريد الصوديوم ونترات البوتاسيوم من المواد المفضلة لديه في مهمته العلاجية .

وكانت هذه الأدوية المستخرجة والتي يصفها الطبيب السومري كانت تستعمل بحالتها الطبيعية ، أو على هيئة مساحيق، أو مراهم أو دهون للاستعمال الخارجي، وهناك ما كان يأخذ عن طريق الفم كشراب.

أما الوصفات التي تعمل بطريقة الترشيح فكانت أكثر تعقيدا وهي مصحوبة بتعليمات للاستعمال، فضلا عن وجود وصفات وظفت فيها طريقة الاستخلاص بواسطة الغلي وذلك بان تغلي مقومات المادة الأولية بالماء ومن ثم يضاف إليها القلى والملح لفصل المادة العضوية وبعد ذلك يعرض المذاب للترشيح .

أما الأدوية التي تأخذ كعلاج داخلي فقد كانت البيرة الوسيلة المفضلة لجعل تلك الأدوية مستساغة من قبل المريض ، حيث كانت المواد الأولية المستخرجة تسحق وتحل في البيرة وتعطى إلى المريض شرابا، أما الحليب فقد كان يستعمل قي بعض الأوقات لحل بعض المواد الأولية أيضا.

أما الأدوية المستخرجة من المعادن أو المواد الأخرى فقد ورد في الوثائق الاشورية مدى براعة السومريين في استخلاص منتجات نتروجينية من أماكن تصريف المياه وكان فصل العناصر المختلفة عن بعضها يتم بطريقة التبلور التفاصلي أو التجزيئي ولا زالت هذه الطريقة مستخدمة في الهند ومصر. إذ يخلط الكل ساو الملاط القديم مع مادة عضوية نتروجينية لاستخلاص نترات الكالسيوم التي كانت تصفى وتغلى مع رماد خشبي يحتوي على مادة كاربونات البوتاسيوم لكي تعطي النتروجين عند التبخر.

رغم أن هذه الوثيقة لم يذكر فيها لأي الأمراض تستعمل هذه الأدوية أو عدد المرات التي تأخذ فيها. وربما يعود ذلك إن هذه الوثيقة خاصة لطلاب الدارسين للطب والأدوية في ذلك الوقت وكيفية استخراج الأدوية لذلك كانت خالية من تفاصيل الأمراض، أو أن التنافس المهني هو ما يعزى أليه إخفاء تلك التفاصيل . إذ كانت مهنة الطب من المهن السرية التي تتطلب أن يصون الطبيب ، أو المتعلم سره الطبي عن جماعات أخرى غير طبية ، أو حتى عن زملائه كي لا يساء استخدم المواد لما لها من أهمية لارتباطها بحياة الإنسان ، لكنها رغم ذلك تعد وثيقة مهمة توضح لنا مدى العقلية والروح العلمية التي دونت بها هذه الوثيقة. كما أنها تشير إلى إن الطبيب السومري لم يعتمد إلى أسلوب السحر ، أو الشعوذة ، أو الرقي في علاج مرضاه ، فضلا عن عدم ذكر أي اسم من أسماء الإلهة، أو الشياطين بل هي وثيقة علمية تعد بحق أول دستور لصيدلة.

أما بالنسبة للعلامات او الرموز التي كانت تستخدم للإشارة إلى الطب والصيدلة في بلاد الرافدين فهي رموز تعود إلى الإلهة المختصة بالطب والشفاء في بلاد الرافدين وهو اله (ننكيش- زيداNingiish-Zida ) ولهذا الإله رموز مقدسة عدة أهمها رمز الحية أو الحيتين الملتفة على العصا إذ إن الحية (ساكان) قد نظر إليها بقدسية ، وقد انتقل هذه الأهمية إلى الحضارات المجاورة، ومن المؤسف إن اغلب الباحثين والمهتمين ينسبون هذه العلامة التي لازالت إلى ألان تستخدم للإشارة إلى الصيدلة في الوقت الحاضر إلى الحضارة الإغريقية للدلالة على الإله الإغريقي (اسكلابيوس الذي ولد من بيضة طير الزاغ على شكل حية) . رغم إن هذا الرمز هو رمز سومري أصيل. وهناك العديد من الألواح والأواني الفخارية التي نقش عليها هذا الرمز وهي تعود إلى فترة مملكة لكش 2200ق.م. وهي خير دليل على قدم وأصالة هذا الرمز السومري.

لا تعليقات

اترك رد