هل انقذ داعش الإسلام ـ ج2


 

الظهور الفيروسي اللعين لداعش المؤطرة بالفكر الإسلامي نصوصاً وخطاباً وتراث، دفع الكثير من المهتمين إلى إعادة التفكير في أسباب هذا الظهور واحتمالات تكراره، وكان أول سؤال اهتم المتنورون بطرحه هو : هل تكمن المشكلة في الدين أم في آليات الإصلاح؟…
​ الدين مجرد أفكار عامة ذات أبعاد طوباوية، تجد طريقها إلى عامة الناس في أغلب الحالات، عبر رجال الدين المشتغلين بتفسيره وإشاعة مبادئه، ولو نظرنا إلى الزاوية الأخرى للصورة، لرأينا أن هؤلاء الرجال تمكنوا عبر احترافهم مهنة التدين، من الحصول على مكتسبات كبيرة، البابا والمرجع الأعلى والشيخ، أمثلة واضحة لا أظنها تحتاج إلى كثير من التفسير .. من المعروف أن البابوات والكرادلة والأساقفة الكاثوليك، قاوموا فكرة الإصلاح الديني التي جاء بها مارتن لوثر في بدايات القرن السادس عشر، لأنها هددت مصالح كبرى تضاف إلى السلطة المطلقة على المسيحيين، بل وحتى ملوكهم الذين لم يكونوا يخطون خطوة لا يوافق عليها البابا، كما كانت الكنيسة تحقق أرباحاً كبيرة من بيع صكوك الغفران، وأول ما هاجمته الأفكار الإصلاحية للوثر هي هذه الصكوك، بعد نشره خطته المؤلفة من 95 قضية واجبة الإصلاح، تتعلق أغلبها بلاهوت التحرير، وسلطة البابا في الحصول على المغفرة من العقاب الزمني للخطيئة، عبر شراء المسيحيين لصكوك الغفران، كذلك ضرورة إصلاح الأفكار الأساسية المتعلقة بالكتاب والإيمان والنعمة والمسيح ومجد الله، كان مارتن لوثر يرتكز على بعض المفكرين الذين عملوا على ترسيخ دعوته مثل كالفن، وهذا ما لا نجده اليوم لدى دعاة الاصلاح المسلمين، فهم يغردون خارج السرب لوحدهم، وسط موجة عارمة من العداء التي وصلت إلى حد قتل بعضهم، المصلحون الدينيون المسلمون لا خطة لديهم للعمل كالتي كان يحملها مارتن لوثر كاستراتيجية واضحة المعالم، إنهم لم يحددوا بالضبط إن كان الإصلاح الذي يريدونه موجها للنص القرآني أم تفسيراته، أم الحديث، أم فكرة الخلافة وإدارة الدولة، أم الشريعة الإسلامية أم ماذا؟.. ولعل متابعة لأطروحات بعضهم تجعلنا ندرك أنهم باقتراحاتهم الإصلاحية اخترعوا ديناً جديداً.. شنّ البابا ليون العاشر حربا على مارتن لوثر، ودفع الإمبراطور شارل الخامس إلى نفيه وحرمانه من الكنيسة وإدانة كتاباته واعتبارها هرطقة خارجة عن القانون الديني والإمبراطوري، لم يختلف رجل الدين في الديانات الأخرى ومنها الإسلام عن مثيله في مسيحية ما قبل الإصلاح، فهو يقاوم أية فكرة إصلاحية ويحافظ على تحجر النص والتراث الدينيين، لأنهما سبب وجوده وحمايته، ولأجل هذا احتمى رجال الدين بالحكام، الذين احتموا بدورهم برجال الدين من أية غضبة محتملة للشعوب، وهذا يدفعنا إلى التساؤل، ما دام التغيير حتمياً وضروريا، فهل يبدأ بالحاكم أم برجل الدين؟… ومثلما كانت الحماية المتبادلة بين الحكام ورجال الدين دائرة مغلقة لا تعرف بمن تبدأ أو تنتهي، فإن التغيير دائرة مغلقة أخرى.. لابد إذن، من كسر أواصر هذه الدائرة.. ولابد أن تتوجه فكرة الإصلاح إلى الإنسان المسلم، لتوضح له حيثيات ضرورة فصل الدين عن الدولة، سواء في إدارتها أو في مناهج التربية والتعليم..
​ لا ينبغي اعتماد مقارنة تاريخ الإصلاح المسيحي كمقياس لآليات الإصلاح الإسلامي المرتقب، فظروفهما ليست متقاربة، ولن تكون نتائجهما متقاربة بالتأكيد، إذ تكمن المشكلة في مضمون الرسالتين، فالوحي مطلق وثابت في الإسلام يقدم نصاً لا اجتهاد فيه، قطعي الدلالة والثبوت، وإذا كانت الآية قد قررت أن للذكر مثل حظ الإنثيين فقد حسم الأمر، أين هي المساحة التي نجد فيها وجهاً آخر للتفسير، وإخراج النص من حدوده المرسومة سلفاً، مثل هذا الأمر لا تجده في المسيحية التي ترى فيها أن الوحي مرن فيه جانب بشري، وآخر إلهي، لذا فهناك مساحة واسعة للتفسير.. وبالطبع لا مجال لمقارنة ما كان عليه النبي محمد بما كان عليه النبي عيسى، فالأول رجل دين ودولة، واستمر هذا الزواج الكاثوليكي بين الدين والدولة حتى يومنا هذا، فما زال الحاكم السعودي هو الملك وخادم الحرمين في الوقت نفسه، والحاكم المغربي ملك وأمير للمؤمنين، والملك الأردني سليل للأسرة الهاشمية، وهذا بالطبع مستمد من الفترة الإسلامية الأولى حين كان النبي، ثم تلاه الخلفاء وجميعهم رجال دين ودولة.. وحتى الأنظمة ذات الشكل المدني كنظام الحكم في مصر نرى فيه الزواج نفسه متواصل بطريقة مختلفة، فدائما ترى الأزهر واقفا في مسافة قريبة من الحاكم المصري .. وهناك شكل آخر لكنه ليس مختلفاً كثيراً في العراق .. والدول الإسلامية الأخرى..
اعتمدنا المقاربة بين المسيحية والإسلام في محور موضوعنا عن ضرورة مراجعة الخطاب الإسلامي ولم نشر إلى اليهودية كونها الدين الإبراهيمي الأكثر قدماً، بسبب الميزة التي اتسمت بها اليهودية كونها ديناً يعتمد العِرق، ويختص به أبناء الأسباط الإثني عشر، فهو ليس ديناً تبشيرياً كالإسلام والمسيحية الذين يريدان نشر مبادئهما في العالم أجمع، بينما لا يهتم اليهود بنشر دينهم، ناهيك عن أن قراءتهم للتوراة والتلمود قراءة فلسفية لا تعتمد حرفية النص، فلو تمت قراءته وفق هذه الصيغة، لكان وضعهم أكثر سوءً من الإسلام، لأن التوراة مليئة بالنصوص الإشكالية المعتمدة في ظاهرها وباطنها، على العديد من الأساطير التي كانت شائعة في الحضارات القديمة..
على المسلمين أن يتصرفوا مثلما يتصرف طبيب ذكي، فأول خطوة صحيحة هي التشخيص السليم، إعتماداً على مجسات منطقية، كوضع الموازنات الصحيحة بين الأحاديث وحكايات التراث الإسلامي مع مثيلاتها في القرآن.. وشطب كل ما يرى العقل والمنطق أنه متناقض.. ثم البحث في التفاسير لشطب كل شطط وفهم سئ للنصوص، ومحاولة وضع تفسير يعتمد لغة اليوم ومفاهيمه بما يُخَلّص القرآن مما يكتفه من تناقضات كبيرة مع عالم اليوم بأبعاده العلمية والتاريخية والإجتماعية والمفاهيمية، والكفّ عن التأرجح وعدم الوضوح بإقرار ما يستحق الإصلاح في التراث الإسلامي دون أن يصرحوا بضرورة إصلاح الدين بشكل شامل، خشية من صدامات محتملة مع بسطاء المؤمنين .. لابد من حسم النقاش حول السؤال الأزلي: هل القرآن صالح لكل زمان ومكان؟.. والكفّ عن وضع الإجابات التبريرية أو التسليمية المُغَيِّبة لمحاولات التفكير، هناك الكثير من الأحداث والتصورات التي تشير إلى أن هناك نصوصاً لم تعد صالحة لزماننا هذا، فلابد إذن من البحث عن حقيقة هذا الأمر وهل هو صحيح فعلاً، أم ان النصوص بحاجة إلى جهد تفسيري مختلف، غير متناقض مع المنطق والفهم المقبول ومبتعدة عن الطروحات الغرائبية .. رغم أن جهداً كهذا يستوجب حذراً بالغاً، فقد أنتجت محاولات الأفغاني ومحمد عبده الإصلاحية التيار السلفي رغم أنهما سعيا في الواقع إلى ما يسعى إليه دعاة الإصلاح الديني اليوم، لابد أن تتعرض النصوص برمتها للنقد الواعي الحيادي المتزن.. فالإسلام اليوم في زاوية ضيقة بعد أن أظهرت داعش كمحصلة نهائية، أن الإسلام مصدر أساس من مصادر الإرهاب .. ولن ينفع الدفاع التقليدي في أن المشكلة في المسلمين لا الإسلام، فجميع سلوكيات داعش تجسيد حقيقي لطروحات إسلامية لا شك فيها .. لقد وضعتنا داعش في نقطة لا عودة، فأما أن نقرّ أن هذا هو الشكل المعتمد للإسلام وهو ليس كذلك في الواقع، أو نقطع الطريق أمام أية محاولات قادمة لدعشنة الإسلام عبر إصلاح ما يسمح بهذه الدعشنة، ومثلما اعتمد مارتن لوثر على القاعدة الشعبية الواسعة التي تمكن من تهيئتها عبر طروحاته في إصلاح الفكر المسيحي، فإن الإصلاح الإسلامي لن يحدث بدون قاعدة شعبية واسعة، تعمل المنابر الثقافية والإعلامية والفكرية، على ترسيخ مفاهيم الحرية الفكرية في أذهانها وتخليصها من سطوة المقدسات غير القابلة للدحض، فهم ما زالوا يؤمنون بأن النصوص جميعاًحتى ما هو تراثي منها هو إلهي المصدر، وبالتالي لا ينبغي المساس بها، فالعمل المتواصل على تهشيم هذه الأطروحة يحولها من حقيقة مطلقة كما كان عليه الحال طوال 1400 سنة إلى موضوع قابل للتداول والشك، ثم إزاحة ما هو غير صالح لزمننا هذا أو الأزمان المقبلة .. وتقليل التناقضات بين النصوص إلى حدها الأدنى، لنضع تصوراً منطقيا عن النهاية المفترضة لمحاولات الإصلاح، كي يتم التوجه لتحقيقها وفق آليات منسجمة معها، ولعل النهاية الأكثر توفيقا، هي أن يمارس المسلمون طقوسهم بحرية في بيوتهم ومساجدهم، دون أية محاولة لفرض الفكرة على من لا يمتلك الإستعداد لقبولها .. أي بمعنى آخر، إيمان حقيقي بحرية المعتقد.. لابد كذلك من اطلاق رصاصة الرحمة على فكرة الخلافة كي لا تظل حلماً قابعاً في رأس أردوغان أو الملك عبد الله أو الملك الحسن الثاني أو غيرهم من الحكام القادمين … لابد من الإقرار بأن قوانين إدارة الدولة وضعية تعتمد على ما هو شائع عالمياً من ضوابط ومنظومات قانونية وفكرية مرتبطة عضوياً بقوانين حقوق الإنسان التي اخترقتها داعش بإسم الإسلام إلى درجة استفزت فيها العالم برمته بل حتى أغلب المسلمين..

لا تعليقات

اترك رد