كيف نفسر ” تحول ” سليم الجبوري الى المدنية !


 

اعلن الدكتور سليم الجبوري، رئيس البرلمان العراقي تاسيس تنظيم جديد اسمه ” التجمع المدني للاصلاح ” . يتوقع البعض انه كان يجب ان اضع بعد الجملة اعلاه علامة تعجب، بمعنى انني شطبت على اسباب تغير ” الجلد” من اسلامي الى مدني و اعتبرته مجرد خدعه . وانا هنا لا اتحدث عن تغير قناعات الدكتور سليم، بل اتحدث عن سبب الانتقال الى المدني كتنظيم و شعار، وهل يمثل ذلك ظاهرة فردية يحتكرها السيد سليم ام لديها مدلولات اخرى اعمق.

دعوني القي نظرة سرعة على تاريخ سليم الجبوري. حدثني احد زملائه في نفس المرحلة، مرحلة البكلوريوس، ان الجميع يصفونه بالاخوان المسلمين، وكان ذلك في زمن صدام حسين. كان انطوائي لا يصادق احد اطلاقا لديه صديق واحد فقط وهو ايضا يوصف بانه اخوانجي. طوال سنوات الكلية الاربع لم يحدث سليم اية زميله له اطلاقا . ولم يشارك في احتفالات القسم بالتخرج، لا بل انه لم يشارك في الصورة الجماعية للقسم لانه، وحسب ما ذٌكر ، اي سليم يستحرم اخذ الصور.

لناخذ حالة اخرى وهي الشيخ عامر الكفيشي. هو زائر دائم لاحدى القنوات الفضائيه يستخدم جل وقت محاضرته للهجوم على التيار المدني او العلماني بشكل يحاول ان يظهر هذا التيار وكانه صاحب كل ماسي و ازمة العراق. ولا انوي نقاشه في طروحاته، لاني ساتسائل ان كان التيار المدني او العلماني من ” الهزاله” و ” الضعف” كما يدعي الشيخ المذكور فلماذا يشغل تلافيف دماغه و وقت المحطة الفضائيه في الهجوم على هذا التيار، الم يكن من الاجدى تركه وهو “يذوي” و” يتلاشى” و ” يخجل من نفسه” امام الانجازات “الهائلة” التي قدمها و يقدمها الاسلام السياسي.

ليس في العراق فقط بل في عموم الدول العربية هناك ابعاد عن الدين . في تقرير للغارديان يقول الداعية الاسلامي محمد يوسف الى ان استطلاعات ” الراي تشير الى ان نسبة عالية من السكان صاروا اقل تشددا ، بعدما اصيب المصريون الذيت ايدوا وصول الاسلام السياسيالى سدة الحكم بعيد موجة الربيع العربي 2011 بخيبة امل” . خذ معك ” بخيبة الامل ” التي اشار لها محمد يوسف الى نهاية هذه المقاله لنرى اسباب القلق منها .

وفي مصر ايضا تراجع تايد الناس لتطبيق الشريعة الاسلامية من 84% عام 2011 الى 34% عام 2016، كما تراجع التزام المصريون اداء الصلوات الخمس، كما اشارت نفس الصحيفة.

وماذا عن العراق ؟ يعتقد المؤرخ والباحث الامريكي في القضايا المعاصرة الشرق الاوسط جورج ريكاردو كول ان نسبة الماحدين في العراق ترتفع لتصل الى 32% لعدة اسباب منها التطرف الديني والصراع السياسي و المذهبي.

في كلتا الحالتين، مصر والعراق، نجد تزايد في اعداد العلمانيين وكذلك تزايد عدد الملحدين بسبب، كما تشير الغارديان والبروفيسور جورج ريكاردو، الاحباط من سياسة الاسلام السياسي، الذي لم يثبت فقط فشله بل ايضا عدم كقدرته السير نحو الامام . ويحاول الاسلام السياسي البحث في ملفات التاريخ بالدعوة للعودة الى التراث، ولكن تبين ان هذه الدعوة ما هي الا دعوة للبقاء في ذلك التراث.

تزايد عدد المدنيون و العلمانيون و الملحدين في العراق جاء كرد فعل لفشل شامل للاسلام السياسي. فبعد مرور 14 عام على التغير الا ان ما تحقق دون مستوى الطموح بكثير وكذلك دون مستوى الامكانيات التي توفرت ماليا على الاقل . وكشفت تلك الفترة عن تناقضات هائلة من جانب السلطة والقوى السياسية المحافظة، في توجهات مضادة للديموقراطية، لا بل تكريس قيم الاستبداد و النكوص العقائدي والفكري و القيمي مما حطم الاسس اللازمة لبناء الديموقراطية. وقيد مفهوم الديموقراطية بصناديق الاقراع ، كما وتسعى القوى المحافظة الى ترسيخ مفهوم الشرعية الدينية-الطائفية بدل الشرعية الديموقراطية عبر محاولات تثبيت الاغلبية العددية العمودية.

تلك القوى، الاسلام السياسي، ستتنازل عن بعض الاصلاحات العلمانية ولكن لن تمس بالتغير جوهر النظام الديموقراطي في الحرية الفردية وحريه المعتقد و ابداء الراي.

المثالين اعلاه، سليم الجبوري و عامر الكفيشي، الاول اذكى من ان يؤخذ على حين غفله فيجاول ان يلقي بعبائته على الحركات المدنيه. اما الثاني فيحاول ان يوقف القطار. كلا المثالين يدلان على نمو وعي علماني في المجتمع لكن النقص هو في تشتت القوى .

لا تعليقات

اترك رد