فان غوغ .. الإنسان الأديب

 

فان غوغ الرسام الهولندي الانطباعي / ما بعد الانطباعي الذي ولد في 30 (آذار/مارس) من عام 1853، ذلك المعذب غير المعروف، المليء بالأسى، الفقير التائه في شوارع باريس، لم يكن رساماً فقط بل كاتباً وربما شاعراً أيضاً، خلق الجمال من عظمة قلبه، بايقاع موسيقى منضبط بين الكلمات، بقدرة الأديب الذي كان يبحث عن روح تألف روحه بالحب والأمل.

هذا الجمال نجده في آلاف الرسائل والخطابات التي تركها، كنصوص أدبية، مثل رسالة الانتحار إلى أخيه ثيو من داخل مصحة سان ريمي (الموثقة في متحف فان غوغ بامستردام) وهي من أعظم رسائل الانتحار في العالم:

“إلى أين تمضي الحياة بي؟ ما الذي يصنعه العقل بنا؟ أنه يفقد الأشياء بهجتها ويقودنا نحو الكآبة .. ” ويستمر : أجلس متأملاً ،

 

 

لقد شاخ العالم وكثرت تجاعيده وبدأ وجه اللوحة يسترخي أكثر، آه يا إلهي، ماذا باستطاعتي أن أفعل قبل أن يهبط الليل فوق برج الروح؟ الفرشاة .. الألوان .. وبسرعة أتداركه: ضربات مستقيمة وقصيرة، حادة ورشيقة، ألواني واضحة، وبدائية. أصفر أزرق أحمر. أريد أن أعيد الأشياء إلى عفويتها كما لو أن

العالم قد خرج تواً من بيضته الكونية الأولى”، ويختتم بـ : “وداعاً يا ثيو، سأغادر نحو الربيع”.

إن هذا الجزء من رسالته نص أدبي رفيع يبحث عن مواساة لانكساراته، يخاطب اخيه كآخر ما لديه من أسرة لم يحصل عليها، بمضمون عاطفي جداً، يكاد يأخذك إلى أعماق ما يجري في روحه وقلبه من آلام وعذاب ولفهم أوجه تلك المعاناة التي دفعته في النهاية للانتحار! وعلى شكل لوحات تصويرية تكاد تكون معلقة في جدار الذهن بجميع تفاصيلها الرائعة.

في خطابه المرسل لأمه في عام 1889 يقول: “والآن، يا أمي العزيزة، إن الحُزنَ الذي كسانا به الفراق والضياع، يبدو لي غريزي، بل وضروريًا لنستطيع تقَبُّل خسائرنا، بل وربما يُساعدنا لنتعرف على أنفسنا والآخرين فيما بعد. ببساطة، دوام الحال مِن المحال”.

هنا يجيد توظيف الاستعارات. والغوص في اعماق المعاني لاثبات وجهة نظره، بطريقة حكيمة تستند الى المنطق ايضاً وبشدة، وكأنه يخلق قلعته الأدبية، بجدران مزينة باللوحات.

لقد تمكن فان غوغ بشغفه المتنامي، بالحرارة والتوهج، حتى وإن كان يعاني من مرض ثنائي القُطب، على قدرة الإبداع في الكتابة بصيغ وجدانية عميقة، وتحويل النصوص إلى خيال خصب ألقاه على قطع القماش – والعكس صحيح – مثل لوحة “جذور الشجرة” التي رسمها بوقت قصير قبل انتحاره، لوحة ذات طابع استثنائي وتكوين مبتكر على كامل مساحتها، دون وجود أي نقطة تستحوذ على تركيز الناظر إليها، ليعبر من خلالها عن جانب من صراعات الحياة، والانفعالات التي تعصف بعقله، وربما وداع لكل شي، وكما يقول : إن حياته “هوجمت من جذورها” في خطاب آخر لاخيه ثيو .

الكاتب والشاعر والممثل المسرحي الفرنسي أنطونين أرتو الذي عانى من اضطرابات كفان غوغ، اتهم أرتو المجتمع التقليدي، في ذلك الوقت، بعدم استيعاب العبقري الرسام وبمسؤوليته الكبرى عن انتحاره المبكر عن عمر يناهز فقط 37 عاما.

استطاع فنسنت وليام فان غوغ في اخر 70 يوم من حياته خلال فترة اقامته في قرية أوفير في مايو / أيار 1890، من رسم 75 لوحة بالفرشاة أو الألوان السائلة، وأكثر من 100 لوحة بالقلم أو الفحم، ليجعل من هذه الفترة الأخصب على الإطلاق على مدار مسيرته الفنية.

لقد ساعدت مراسلات وخواطر فان غوغ التي جمعت في كتاب من ثلاث مجلدات على فهم الرسام الانسان، وبالاضافة الى شهرته كأعظم الرسامين في العالم والتأريخ، وضعته كأديب عبقري. يوجه رسالة واضحة: الفن لا يكمله إلا الفن.

لا تعليقات

اترك رد