كردستان وصدمة الواقع وماذا بعد؟


 

“كانت كركوك تشبه إلى حد كبير كرة القدم التي تركلها أقدام اللاعبين في مباراة : إربيل، السليمانية من جهة، وبغداد من جهة أخرى، وكان دورنا يشبه الحكم بينهم رغم أنه كان تحكيماً في الجحيم”.

بذلك تصف إيما سكاي نقلاً عن العقيد مايفيل “المدينة” التي سمّيت عبر التاريخ بـ”الشعلة الأزلية” وكان النفط وما يزال مصدر الصراع في المنطقة قد تدفّق من حقل بابا كركر في كركوك العام 1927. وإيما سكاي هي مؤلفة كتاب ” الانهيار” The unraveling وهي خبيرة بريطانية في شؤون الشرق الأوسط، وعملت بين عامي 2003 و2010 مستشارة سياسية لقيادات الجيش الأمريكي في العراق، حيث كانت كركوك ضمن مسؤولياتها المباشرة.

استعدتُ ذلك الوصف وأنا أتابع إعادة انتشار الجيش العراقي في كركوك “والمناطق المتنازع عليها ” كما تسمّى بالدستور العراقي، حيث تقدّم نحو كركوك وسهل نينوى وسنجار وسد الموصل وبرطلة وربيعة، ومناطق في محافظتي صلاح الدين وديالى (وخصوصاً في جلولاء وخانقين)، وهي مناطق كانت البيشمركة الكردية قد سيطرت عليها عقب الفوضى الناجمة عن تمدّد داعش بعد احتلاله للموصل في 10 يونيو (حزيران) العام 2014.

ومع زيادة حدّة التوتّر بين الطرفين تصاعدت الاتهامات المتبادلة، فإربيل حذّرت “الحشد الشعبي” الاقتراب من “خطوط الدم” وهو تسمية لحدود ما بعد احتلال داعش للموصل، حيث تمدّدت قوات البيشمركة التي ساهمت في تحريرها، في حين راجت في

أوساط الحكومة العراقية بأن مسلحي حزب العمال الكردستاني PKK موجودون في كركوك وعلى خطوط المواجهة.

وإذا كانت الجبهة الداخلية الكردية أقرب إلى “الوحدة” عشية الاستفتاء والإيمان بحق الكرد في إقامة دولة مستقلة، فإن صدمة الواقع كانت كبيرة، خصوصاً وإن التطوّرات السريعة بدّدت الكثير من الآمال، وبدا التصدّع سريعاً، حتى أن رئيس إقليم كردستان مسعود البارزاني حمّل طرفاً كردياً مسؤولية الانسحاب أمام الجيش العراقي (المقصود أحد أجنحة حزب الاتحاد الوطني الكردستاني/أوك)، لكن رئيس الجمهورية فؤاد معصوم القيادي في الوقت نفسه في (أوك) قال: إن المسؤولية عن الأزمة تقع على عاتق ” دعاة الاستفتاء”، الذي أثار ردود فعل مختلفة، ولكنه حذّر في الوقت نفسه من “تراكم الخلافات وتحوّلها إلى صراعات مسلّحة”، داعياً إلى الحوار في إطار الدستور والقوانين، وهو ما كان رئيس الوزراء حيدر العبادي يدعو إليه مؤكداً على إلغاء الاستفتاء، وبعد تقدّم الجيش العراقي، اعتبره من الماضي، مشدّداً أن لا حوار إلّا تحت سقف الدستور.

وكانت الحكومة الاتحادية في بغداد في وقت سابق قد أصدرت طائفة من القرارات لاستعادة سيادة السلطة الاتحادية للمنافذ الحدودية والمطارات، واتخذ البرلمان عدداً من القرارات التي تهدف إلى انصياع الإقليم لقرارات بغداد وفقاً للدستور، وهو ما ذهبت إليه المحكمة الاتحادية العليا أيضاً. فما الذي حصل فعلاً بحيث انقلبت موازين القوى بصورة تكاد تكون خاطفة؟

السيناريو الذي تسرّب يقول: عشية تقدّم الجيش العراقي تردّدت أنباء على اتفاق بين الحكومة العراقية وبين الاتحاد الوطني الكردستاني (أوك) مهّد له قاسم سليماني رئيس فيلق القدس الإيراني، ووقع عليه بافل الطالباني (نجل الرئيس الراحل الطالباني) وهادي العامري مسؤول الحشد الشعبي، ويتكون من 9 نقاط أهمها عدم مجابهة القوات الاتحادية خلال إعادة انتشارها وانسحاب البيشمركة من “المناطق المتنازع عليها” وتخلّيها عن وحدات إدارية تحت سيطرتها وتشكيل إدارة مشتركة لكركوك وخضوع قاعدتها العسكرية والمطار وآبار النفط للسلطة الإتحادية ، مقابل رفع الحظر عن مطار السليمانية ودفع رواتب الموظفين

وعناصر البيشمركة في كركوك والسليمانية وتحويلهما مع محافظة حلبجة (الناشئة حديثاً) إلى إقليم جديد، ولعلّ هذه النقطة الأخيرة لو حصلت ستكون تقسيماً لكردستان وابتعاداً من جانب السليمانية عن إربيل وعن الموقف الكردي الموحّد الذي كان عنصراً مؤثراً وفاعلاً في السياسة العراقية منذ الاحتلال العام 2003 ولحد الآن.

ويبدو إن صفقة التسوية شملت محافظ كركوك أيضاً، فبدلاً من المحافظ (المُقال) نجم الدين كريم، الذي كان سبباً مباشراً في اندلاع الأزمة برفعه العلم الكردي فوق المباني الرسمية التابعة للسلطة الاتحادية، فإن المنصب سيستمر من حصة (أوك) التي يمكنها ترشيح بديل عنه، وسيكون المحافظ الجديد راكان الجبوري مؤقتاً، ولعلّ ذلك ما سيدفع إلى المزيد من التباعد بين الحزبين اللذين حكما كردستان منذ أواخر العام 1992 في إطار محاصصة هشّة وتسويات قلقة.

ومن يقرأ كتاب إيما سكاي يدرك حقيقة العقدة المزمنة والمتقيّحة في كركوك، خصوصاً وهي تنقل آراء الشخصيات الكردية والعربية، إضافة إلى آراء المسؤولين الأمريكان ، فعلى مدى خدمتها التقت جلال الطالباني ومسعود البارزاني ومسؤولين حكوميين عديدين وزعماء عشائر وشخصيات مجتمع مدني، إضافة إلى مسؤولين أمريكان، وتقول: على الرغم من استغراق بغداد بالمشاكل، وعدم القدرة على التواصل معها في تفاصيل كركوك، لكن زيارات كبار الشخصيات تعكس الاهتمام بها حيث زارها بول ولفوفيتز نائب وزير الدفاع الأمريكي، كما زارتها هيلاري كلينتون، وقام دونالد رامسفيلد وزير الدفاع الأمريكي بزيارتها، وتعلّق إيما سكاي إن رامسفيلد سأل الجنرال أوديرنو بعد أن وضع الخارطة أمامه حيث تبدو كركوك وكردستان العراق: أين تقع إيران؟ كما زارها بول بريمر الحاكم المدني الأمريكي في العراق، وتكرّرت زيارات المسؤولين الأمريكان لها على المستوى العسكري أو السياسي.

وتنقل يوميات إيما سكاي الصراع في كركوك والمناطق المتنازع عليها، والتي يظهر تأثيرها الآن، خصوصاً وأن المادة 140 من الدستور المنقولة من المادة 58 من قانون إدارة الدولة للمرحلة الانتقالية ظلّت معلّقة، بل وعائمة، وكيف كان الكرد يريدون استثمارها

بالحصول على مكاسب لهم وظيفياً وإدارياً وفي أجهزة الدولة الأمنية، في حين كان التركمان يشكون من توسّع نفوذهم وكانت ترعبهم فكرة التحاقها بإقليم كردستان، أما العرب بمن فيهم جماعة “العشرة آلاف دينار”، التي كان النظام السابق يمنحها لمن يستقر في كركوك فهم يخشون من عمليات انتقام وكيدية، ومع مرور الأيام زاد المشهد قتامة وسوداوية، حتى يمكن القول إن الجميع ظلّ ينتظر “غودو” كما يُقال، وهو “الذي يأتي ولا يأتي” حسب ديوان الشاعر عبد الوهاب البياتي.

وإذا كانت الأمور قد تُركت دون معالجة، فإنها أدت إلى احتباس شديد وتوتر متزايد مما قاد إلى الانفجار، خصوصاً باحتلال داعش للموصل ورفع العلم الكردي في كركوك، ثم إعلان الرغبة في الاستقلال عبر الاستفتاء، الأمر الذي حرّك جميع القضايا المسكوت عنها دفعة واحدة: كردياً وتركمانياً وعربياً (عراقياً) وإقليمياً، ولاسيّما إيرانياً وتركياً. فمن جهة وحّد الشيعية السياسية الحاكمة وحليفتها السنّية السياسية، على الرغم من وجود توجهين: الأول مثّله رئيس الوزراء الذي ظلّ يتمسك بالقوة الناعمة ويكرّر عدم اللجوء إلى المجابهة المسلحة ويعلن عدم شرعية ودستورية الاستفتاء ونتائجه. أما الثاني فقد مثّله نوري المالكي وعصائب أهل الحق وكتائب حزب الله وإلى حدود معينة كتلة بدر، فهو يدعو إلى الحزم ويلوّح بالقوة المسلّحة.

والشي بالشيء يذكر فإن أضعف حلقة كانت في هذه الأزمة هي التيار اليساري، الذي كان بإمكانه أن يلعب دوراً تعبوياً وإعلامياً ناشطاً على صعيد الجمعيات والنقابات والاتحادات، لكنه لم يتمكّن من ذلك بسبب أزمته المعتقة التي تظهر عجزه الكبير وعدم فاعلياته، ناهيك عن عدم وضوح توجّهاته وتردّده في اتخاذ الموقف. وحاول إياد علاوي نائب رئيس الجمهورية المقرّب من بعض المحاور العربية والدولية أن يخاطب الأمم المتحدة وجامعة الدول العربية بهدف نزع فتيل الأزمة والجلوس إلى طاولة الحوار، ومثله حاول سليم الجبوري رئيس البرلمان، لكن الأمور كانت قد سارت باتجاه آخر بتبدل موازين القوى، وخصوصاً بعد تقدّم القوات الاتحادية.

ولعلّ الوضع الجديد الذي نشأ بعد الاستفتاء ينذر بصراعات جديدة كردية – كردية، بل هناك خشية أن تتحوّل إلى صراعات مسلّحة، وكان برهم صالح الذي أسس حزباً جديداً باسم ” التحالف من أجل الديمقراطية والعدالة” قد دعا لتشكيل “حكومة انتقالية في كردستان” تضطلع بالمفاوضات مع بغداد، في حين اعتبرت كتلة التغيير ” كوران”: الاستفتاء توريطاً للكرد والبيشمركة في الأزمة، ومغامرة لا واقعية، ودعت إلى الحوار للحيلولة دون عودة العراق وكردستان إلى دوامة العنف والدمار، مع تأكيد على ما يمكن أن يلعبه التحالف الدولي ودول الجوار من دور إيجابي في نزع فتيل الأزمة .

إن ما حصل من أخذ ورد وشدّ وجذب يعكس ارتباك وتخبّط الأطراف العراقية جميعها دون استثناء إزاء مستقبل البلاد ما بعد داعش، حيث لا تزال البلاد تغرق في الفوضى وعدم التوافق، إضافة إلى استمرار ظواهر العنف والإرهاب وسوء الخدمات والفساد المالي والإداري ونظام المحاصصة الطائفية والإثنية، وتلك هي البيئة التي نشأ فيها داعش وفقس بيضه. فهل سيبقى العراق ينتقل من أزمة إلى أخرى أم ثمة درس ينبغي على الجميع أن يتعلمه؟

لا تعليقات

اترك رد