الورد بين الثقافة الناعمة والرمز الفني – ج3


 

رمزيّة الزّهور في الأدب العربي الحديث

– لقد تغنّى الشاعر العربي بجمال الورد وعبّر عن انفعالاته وأحاسيسه في مقامات قول مختلفة تتصل بأغراض شعرية تشكّل نسيجا إيقاعيّا وتصويريّا عبر جملة من المعاني مثل العشق والوجد والشوق . فيكثر المتكلّم من وصف الطبيعة بما فيها من ورود وزهور يشكّلها عبر لوحات وصفية كمرجعيات للجمال تمثل غالبا وسيطا فنيا يعبر من خلاله عن أعماقه والتغني بمحاسن حبيبته . وهاهنا يؤكد الشاعر على حسن الذّوق والترويج له من خلال دال الورد ليختزل روح الانسان المبدع الميّالة إلى الجمال والحب هذا الجمال الذي ينبجس حتى في الطبيعة القاحلة الجدباء حين عرضها الجاهلي في أشعاره للدلالة على الجمال يرسم عبرها لوحة السحر الأنثوي حين خرج بالورد والزهر من محدودية المكان في وصف الصحراء والأرض البوار وما يحيط بها من موت وقحط إلى وصف الطبيعة وإعطاء معنى آخر للحياة والخصوبة بما فيها من جمال ليجعل منها مناسبة لطيب الرائحة .فكأنه يغالب الموت بالحياة ويواجه الدهر الرّياب بالإخصاب والانبعاث . فالصحراء لها ورودهاوعشبها ولها طبيعتها الخصبة. وهذا ما يخول لنا اعتبار الخصوبة والجمال هي معانٍ ينشئها الشاعر في ذهنه أكثر من رؤيتها في الواقع . هي ما يشكّلها خياله الخصيب في أكوانه الشعريّة وهو ما يعكس عشقه التلقائي للجمال تماما كالشعور بالحب، فلا قانون ولا نواميس قادرة على التحكم فيه شعورا ينساب في أعماق الروح..لهذا اقترنت لوحات تشكيل الجمال الأنثوي باللوحات الطبيعية الخلابة وخاصة الزهور. ففضلا عن تشخيص الورد وأنسنته في صفاته الحسّية والمعنوية وما يحيط به من جمال في ذاته يبدو الشاعر ممارسا للرؤيا التي تمثل في الواقع تجاوزا للرّؤية البصريّة وما يشدّها لبقيّة الحواس إلى استقراء ذهني أو استبطان نفسي فيغدو الجمال الموصوف عبر الورد موجود في كينونته التي تنعكس على الصّورة الأصليّة ولكنه نابع في الواقع من الذات الشاعرة بالجمال وهذا ما يثبت وشاجة العلاقة بين الانسان وعناصر الطبيعة التي ترسّخت في مرحلة ما مع الرومانسيين .وهذا ما يجعل القول الشّعري في وصف الورد والزهور يتحوّل إلى دفق انفعالي . بهذا فقد شكّل الورد أفقا تخييليا في العديد من النصوص الإبداعيّة ولعلّنا في هذه المرحلة نخصّ الشعر الأندلسي الذي ارتبط بالبيئة وجماليّة الطبيعة وسحرها في قرطبة واشبيليّة وغيرهما من بلاد الأندلس وهذا ما شجع على انتشار شعر الوصف وخاصّة في قصائد المديح والغزل والخمريّة …ولعلّنا نستثمر هذا الاهتمام بالورد في الأندلس في تشكيل المعاني الشعريّة وتوجيه دلالته وهو ما يربطنا بما نسميه “البراعة الفنية” كوجه من الصناعة التي لا تخلو من جماليّة إنشائيّة وطرافة وهاهنا يكون الاحتفاء بالورد وفي ذات الوقت يجعله لغة تواصل ووسيلة من وسائل التعبير تُقيم الخطاب على أساس المشابهة الموضوعيّة وأحيانا على الإيحاء والرّمز وفي الآن نفسه يستبطن الذات الشاعرة لعبر عن أعماقها ويسبر أغوارها . فيحرّك حضوره الوجدان ويحدث في أعماقه طربا نابعا من تضافر عناصر فنيّة ووجدانيّة في ضرب من المحاكاة. قد لا يختلف الأمر عن المعاني التقليديّة في الشعر العربي وخاصة مع الشعراء المولّدين مثل بشار بن برد وأبي نواس ومسلم بن الوليد وغيرهم..في لحظة تحول القصيدة العربيّة من البكاء على الأطلال والآثار الدارسة إلى التغني بالجمال والتشكيل الإبداعي للحياة والخصوبة… ولكن يبقى للشعر الأندلسي خصوصيّته المتأتية من خصوصيّة الطبيعة والواقع الحضاري التي انعكست على الصنعة الشعريّة والذوق الفني وانتشار مجالس اللهو والطرب. مما يجعله شعرا غنائيا محلّقافي آماده البعيدة. يستكشف التّجربة ويعيد تشكيلها في إطار علاقة مخصوصة بين الذات المتأملة والوجود الطبيعي . فيستكنه عوالمه بالرمز حين يحاور عناصره ويلوذ بها وسائط فنيّة ومرجعيات للوصف والتصوير وخاصة حين تكون المرأة مدار الخطاب في الغزل أساسا ،فهي لا تكاد تنفصل في شعرهم عن مصدر الإلهام حينئذ يصبح الجمال مضاعفا بهاء الطبيعة وسحر النساء في علاقة جدليّة ، يقول بن الأبّار في ديوانه :
بأبي التي قرنت محاسن خَدِّها           بالياسمين شقائق النعمــــان
وتبسّمت عن واضح لآلــــــئ           مغروزة في فائق المرجــان
ولئن رنت بلواحظ من نرجس           فلقد عَطَتْ بأنامل السّوسـان

– قد تكون من ضروب الاحتفالية المجنونة بالجسد في تشكيل لوحة نموذجية للجمال الأنثوي وخاصة حين يلتقي الجسد المتناهي بالطبيعة اللامتناهيةفيخلق أنثاه وقد تألقت مع الزهور في ضرب من التناظر المحوري عبر هندسة تشكيلية أقامها على ضروب التوازي بين الحبيبة والزهرة ليصور هذه الأخيرة ضمن باقة من الزهور ليشكل بها باقة لطيفة من الصور الشعريّة يفوح أريجها ويعبق في الأرجاء .فقد انطلق من جملة من الموصوفات الجزئيّة ليشكّل لوحته المتكاملة انطلق فيها من إشراقة الوجه التي شبّها ضمنيا بالياسمين لشدّة بياضه ليقترن بحمرة شقائق النّعمان ولعلّها حمرة متولّدة من الخجل فيوحي بذلك السياق الشعري بجمع الموصوف بين جمال الوجه وإشراقته وبين الخجل المقترن بالعفة والأخلاق . ثم يتحول إلى جمال المبسم والابتسامة حين يشبه الأسنان باللآلئ واللثة بالمرجان أما الصورة الثالثة فقد جعل لواحظها سليلة للنرجس وهاهنا يتجاوز المشابهة الموضوعية إلى صورة أعمق صورة النرجس الذي ينفث سحرا فتأخذ الحبيبة زخارفها منه . وهو بهذا الجمع بين الياسمين وشقائق النعمان والمرجان والنرجس والسوسانإنّما غايته الارتقاء بالموصوف عن حدود المشابهة العادية التي تقوم على المقاربة والمناسبة في التشبية إلى صورة تتشكل في النفس عبر تخومها النائية تقوم على الاختلاف والتميز وهو اختلاف حاصل في أصل الأشياء وفروعها . فيكون التفاعل بين جمال الموصوف وجمال الزهور وهذا يضيف للصورة ذوقا وحسّا .وقد يتجاوز الشاعر الأندلسي المشابهة والجمع بين المعشوق الأنثى والزهور إلى خلق حالة انفعالية نفسية ينبثق منها الشعور بالغيرة فينشئ صورة شعريّة تقوم على قلب التشبيه فيتحول الورد أصل صفة الجمال إلى كائن يشعر بالغيرة والصّغارة أمام جمال المعشوق وفي ذلك يقول بن خفاجة :
أغار لخدّيه على الورد كلّــــما بدا     ولعطفيه على أغصن البــــان

هذا الكائن الذي تحتفل بجماله الرياض وتتأنق بعبيره النسائم يستحضره محاطا بمرابع السرور يقول ابن زيدون :
مشيْن يُهادين روض الرّبـى               بيانع روض الصّبا المقتبــــــلْ
فمن قضب تتثنّى بريـــــــــح             ومن قضب تتثنّى بــــــــــــــــدلْ
ومن زهرات تُندّى بمســـــك             ومن زهرات تُندّى بطـــــــــــــلْ

يصف الشاعر جمال الحبيبة فيوازي بين الزهور التي تندّى بالطلّ وبين المرأة التي تندّى بالمسك كلاهما المرأة والزهرة ترشّفا ماء الوجود يتهادين في روض الرُّبى لتؤول العلاقة إلى حلوليّة وانصهار .لعلّنا ندرك هاهنا اقتران الصنعة بجمال الحسّ والذّوق .وحضور الورد في الشّعر العربي القديم هو التهادي على أنغام الجمال قد يعكس وضع الواصف من الحلول في عالم الجمال والخصوبة. لعلّه الانتشاء والتأثر بمظاهر الجمال أو هو ضرب من الإسقاط حين يلوذ بالورد إنما يحوّل جماله إلى أعماق ذاته الشاعرة بالفناء يزيل الفواصل بين عالمه الذاتي والعالم الخارجي عالم الطبيعة والورد وما فيهما من أسرار فيتجاوز بذلك الخطاب التصوير إلى التعبير. هكذا حضور الورد في الشعر القديم لم يكن صورة جامدة وإطارا للتجربة فحسب وإنّما كان أقرب ما يكون إلى الانسان في فعله وصفاته في ضرب من التفاعل والتأثير في تجاربه الفنية والإنسانية. ولكن هل سيحافظ الأدب الحديث على صورة الورد ورمزيّته ؟ قد نلحظ استخدام الزهور في الأعمال الشعرية والنثرية المعاصرة . وقد نلامس جوهر التعبير عن جمالية المعنى في مفردة الشاعر أو رمزيّة تركيبية لاعتلاء صهوة الإبداع واقتناص جمالياته ولكن الفعل الفنّي ومقامات الترميز هي التي تجعل هذا الاستعمال مختلفا.فيُنظر إلى الورد والزهور نظرة مغايرة حينئذ قد نتجاوز معاني الحياة والخصوبة التي دلّ عليها عُرف المعنى اللصيق بالورد لنقف إزاء معان مفارقة للجمال والحسن والإخصاب إنّه الانزياح في صورة الزهور لعلّه أمر لصيق بالواقع اليوم كما يقول محمود درويش (ليل أشد سوادا) لم يعد الورد يزين الحدائق بل صار رديفا للنعوش والقبور ولهذا فالنص الأدبي استعاض عن استحضار الورد في مقامات الحب والعشق والحياة إلى مقامات الانكسار والخيبات ليجتمع في دلالات الورد الحب والحرب . الحياة والموت ، الخصوبة والجدب . ولنا في ذلك أمثلة كثيرة منها قصيدة أمل دنقل الشهيرة “زهور”التي خرج فيها عن استخدامات الزهور المألوفة فيقول :
تتحدّث لي الزهراتُ الجميلهْ
أن أعينها اتسعت -دهشة-
لحظة القطْف
لحظة القصْف
لحظة إعدامها في الخميلهْ
تتحدّثُ لي ..
أنّها سقطت من عرشها في البساتين
ثمّ أفاقت على عرضها في زجاج الدّكاكين أو بين أيدي
المنادين
حتى اشترتها المُتفضِّلة العابرهْ
تتحدّث لي ..
كيف جاءت إليّ ..
(وأحزانها الملكيّة ترفعُ أعناقها الخضرَ)
كي تتمنّى لي العُمر
وهي تجود بأنفاسها الآخرهْ

– لقد انغرست الزهور تلقائيّا في عقليّة ووجدان العربي ولكنها تحضر هنا في قصيدة “أمل دنقل” لتعلن عن رحيله وتُنبئ بموته يختار موضوعها من مشهد واقعي مألوف يراها فيه غيره باقات تزدان بها المتاجر مصففة في سلالها ولكن الشاعر يرى فيها موتا ومحنة ،موتها حين قُطفت من أعرافها ، لحظة إعدامها في الخميلة. ثم لحظة سقوطها من عرش الزهور إلى زجاج الدكاكين وأعناق المنادين وهي تحتضر على عتبات عمره المنقضي ، تجود بأنفاسها الأخيرة . وموته
لأنه يرى في موتها معادلا موضوعيّا لبؤسه وشقائه، إنه بؤس العربي وشقاؤه وهو يتهاوى في دائرة العدم بهذا تبدو القصيدة مشحونة بالوجع والخيباتإنه ضرب من الانفعال المأتمي الذي يرى في الوجود صورة قاتمة والزهرة إنما هي روحه التي أسكنها فيه تموت موتها البطيء على امتداد الوطن العربي . فالزهرة لفظت أنفاسها الأخيرة بين يديه وهاهنا ترمز إلى صورة المثقف في صراعه مع السلطة يبعثها في نسيجه الإبداعي روحا ناطقة مواسية تتمنى له طول العمر وتكشف عن بعض ملامح هذا الصراع . وقد نجد زهورا معينة تعبر عن هواجس الانسان بقطع النظر عن شكلها الجميل في أشعار البعض مثل زهرة البنفسج التي ذكرها الشعراء واقترن استعمالها برمزية الموت وقد ذكرها سميح القاسم في قصيدته “مواسم البنفسج ” :
مواسم البنفسج
إحكي للعالم إحكي له
عن بيت كسروا قنديله عن فأس               قتلت زنبقة وحريق أوْدى بجديلة
احكي عن شاة لم تحلب عن عجنة            أمّ ما خبزت عن سقف طيني أعشب

– منذ العنوان يراودنا وجه الموت في القصيدة لعلها ملحمة الوجود ويستقر في أذهاننا صورة ملازمة للبنفسج الذي يوضع على القبور إيذانا برحيل الأحبة .أو لعلها الخيبات والانكسار مثلما نقف عنده في قصيدة ” طوق الياسمين “لنزار قباني يقول فيها :
ولمحتُ طوق الياسمين
في الأرض .. مكتوم الأنين
كالجثّة البيضاء..
تدفعه جموع الراقصين
ويهم فارسك الجميل بأخذه ..
فتمانعين ..
وتقهقهين ..
لا شيء يستدعي انحناءكَ
ذاك طوق الياسمينْ

تستحيل بذلك صورة الياسمين شكلا من أشكال التعبير عن عمق الإحساس بالفشل العاطفي واحتضار العلاقة الغرامية وانحدارها في هوّة سحيقة …

يتبع

1 تعليقك

اترك رد