الرّوح – ج5


 

تناسخ الأرواح

السّؤال: ما حقيقة مسألة التّناسخ التي يعتقدها بعض الملل؟

الجواب: إنّ المقصود ممّا نقول هو أن نبيّن الحقيقة لا أن نطعن في عقائد الملل الأخرى، بل لمجرّد بيان الواقع فقط لأنّنا لا نتعرّض لوجدان أحد ولا نستحسن الاعتراض.

إذاً فاعلم أن الّذين يعتقدون التّناسخ على قسمين: قسم لا يعتقد بالثّواب والعقاب المعنويّين في الدّار الآخرة، ويرى أنّ الإنسان بالتّناسخ والرّجوع إلى هذا العالم يلقى المجازاة والمكافأة. وأنّ النّعيم والجحيم مقتصران على هذا العالم ولا يعترف بعالم آخر، وهذه الفرقة أيضاً على قسمين: أحدهما يعتقد بأنّ الإنسان أحياناً يرجع إلى هذا العالم في صورة حيوان حتّى يرى المجازاة الشّديدة، وبعد تحمّله العذاب الأليم في العالم الحيوانيّ يرجع إلى عالم الإنسان مرّة أخرى، ويسمّون هذا تواسخاً. والآخر يرى الرّجوع من عالم الإنسان إلى عالم الإنسان وبعد الرّجوع يرى الثّواب وجزاء الحياة الأولى، ويسمّون هذا تناسخاً، وكلا الفريقين لا يعتقد بعالم غير هذا العالم.

والقسم الآخر من أهل التّناسخ يعتقدون بالعالم الأخرويّ، ويعتبرون التّناسخ وسيلة للتّكامل، لأنّ الإنسان يكتسب الكمالات تدريجيّاً بالانتقال من هذا العالم والرّجوع إليه حتّى يصل إلى مركز الكمال، وبيان ذلك أنّ الإنسان مكوّن من المادّة والقوّة، فالمادّة ناقصة في البدء أي في الدّور الأول وحينما يتكرّر مجيئها إلى هذا العالم تترقّى وتحصل على الصّفاء واللّطافة حتى تصير شفّافة كالمرآة، والقوّة التّي هي عبارة عن الرّوح يتحقّق فيها بجميع كمالاته، هذه مسألة أهل التّناسخ والتّواسخ بيَّنّاها بالاختصار، ولو أردنا التّفصيل لكان ذلك مضيعة للوقت ففي هذا الإجمال كفاية، وليس لديهم دلائل ولا براهين عقليّة على صحّة هذه المسألة بل هي مجرد تصوّر واستنباط من القرائن لا من البرهان القاطع، فيجب أن يطلب البرهان من معتقدي التّناسخ لا القرائن والتّصوّر والوجدان، ولكنكم تطلبون منّي الدّلائل والبراهين على امتناع التّناسخ وهذا ما يجب بيانه، وأوّل برهان على الامتناع أنّ الظّاهر عنوان الباطن والملك مرآة الملكوت، والعالم الجسمانيّ مطابق للعالم الرّوحانيّ، فلاحظ إذاً أنّ التّجلّي لا يتكرّر في العالم المحسوس لأنّه ليس هناك كائن من الكائنات يشابه أو يماثل كائناً آخر من جميع الوجوه، فآية التّوحيد موجودة ظاهرة في جميع الأشياء، فلو أنّ خزائن الوجود ملئت من الحبوب فإنّك

لا تجد بين حبّتين تطابقاً ولا تماثلاً ولا تشابهاً من جميع الوجوه، بل لا بدّ من وجود فرق وتمييز بينهما، وحيث أنّ برهان التّوحيد موجود في جميع الأشياء ووحدانيّة الحق وفردانيّته مشهودة في جميع حقائق الكائنات إذاً فتكرّر التّجلي الواحد ممتنع محال، لهذا فالتّناسخ أي تكرار ظهور الرّوح الواحد في هذا العالم بماهيّته وشؤونه السّابقة يكون تجلّياً متكرّراً وهذا مستحيل وغير ممكن، وحيث أنّ تكرار التّجلي الواحد لكلّ كائن من الكائنات النّاسوتيّة ممتنع محال، فكذلك تكرار التّجلي أيضاً للكائنات الملكوتيّة في أيّ مقام من المقامات سواء أكان في قوس الصّعود أم في قوس النّزول ممتنع محال، لأنّ النّاسوت مطابق للملكوت، ولكن عودة الكائنات النّاسوتيّة ورجوعها من حيث النّوع واضح، يعني أنّ الأشجار التي أتت في السّنين السّابقة بالأوراق والبراعم والأثمار أتت في السّنين اللاّحقة أيضاً بتلك الأوراق والبراعم والأثمار بعينها، فيقولون هذا تكرّر النّوع، وإذا اعترض أحد بأنّ تلك الأوراق والبراعم والأثمار قد تلاشت ونزلت من عالم النّبات إلى عالم الجماد وأتت من عالم الجماد إلى عالم النّبات مرّة أخرى وإذاً فقد تكرّرت، فجوابه هو أنّ البراعم والأثمار والأوراق للعام الماضي قد تلاشت وتحلّلت عناصرها المركبّة وتفرّقت في هذا الفضاء، ولم تتجمّع وتتركّب الأجزاء المركّبة منها أوراق العام الماضي وبراعمه وأثماره ولم تعد بعينها بعد تحليلها بل عادت النّوعيّة من تركيب العناصر الجديدة، وكذلك يتلاشى جسم الإنسان بعد التّحليل وتتفرّق أجزاؤه المركّبة، فلو فرضنا أنّ هذا الجسم عاد من عالم الجماد أو النّبات مرّة أخرى فليس هذا الجسم هو بعينه الأجزاء المركّب منها الإنسان السّابق، فتلك العناصر تحلّلت وتفرّقت وانتشرت في هذا الفضاء الواسع، ثم تركّبت من العناصر أجزاء أخرى وصار جسماً ثانياً، وربّما يدخل جزء من أجزاء الإنسان السّابق في تركيب الإنسان اللاّحق، غير أنّ تلك الأجزاء لم تبقَ محفوظة بتمامها وعينها بدون زيادة ولا نقصان حتّى تتركّب مرّة أخرى فيوجد الإنسان اللاّحق من ذلك التّركيب والامتزاج ثم يستدلّ من ذلك على أنّ هذا الجسم قد عاد بتمام أجزائه وصار الشّخص الأوّل نفسه الشّخص الثّاني وبناء عليه قد حصل التّكرّر، والرّوح بعينه كالجسم عاد وتكرّر وبعد الموت رجع بذاته إلى هذا العالم.

ولو نقول أنّ هذا التّناسخ هو للحصول على الكمال حتّى تكتسب المادّة صفاءها وتصير شفّافة فتسطع أشعة الرّوح فيها بمنتهى الكمال، فهذا أيضاً تصوّر محض، لأنّه على فرض التّسليم بذلك فلا يمكن تغيير الماهيّة في التّجدد والعود، لأنّ جوهر النّقص لا يصل إلى حقيقة الكمال بالرّجوع والعود، ولا يصير الظّلام الصّرف بالعود والرّجوع مصدر النّور، ولا تصير حقيقة العجز قدرة وقوّة بالرّجعة، ولا تكون الماهيّة النّاسوتيّة حقيقة ملكوتيّة بالعودة والرّجوع، وشجرة الزّقّوم مهما تكرّرت لا تعطي ثمراً حلواً، والشّجرة الطّيّبة مهما عادت لا تثمر فاكهة مرّة،

إذاً تبيَّن أنّ تكرار الرّجوع إلى عالم النّاسوت لا يورث الكمال، وليس لهذا التّصوّر برهان ولا دليل فهو عبارة عن أفكار وأوهام، بل مدار حصول الكمال في الحقيقة هو فيض الخالق. وحضرات الثّئوصوفيّين يعتقدون أنّ الإنسان يرجع ويعود في قوس الصّعود كرّات ومرّات حتّى يصل إلى المركز الأعلى، وفي ذلك المقام تصير المادّة كالمرآة الصّافية وتسطع فيها أنوار الرّوح بنهايّة القوّة ويحصل الكمال الذّاتيّ، والحال أنّه من المسلّم لدى المدقّقين في المسائل الإلهيّة أنّ العوالم الجسمانيّة تنتهي بنهاية قوس النّزول، وأنّ مقام الإنسان نهاية قوس النّزول وبداية قوس الصّعود المقابل للمركز الأعلى، وأنّ قوس الصّعود من بدايته إلى نهايته مراتب روحانيّة، ويعبّر عن قوس النّزول بالإبداع وعن قوس الصّعود بالاختراع، وينتهي قوس النّزول بالجسمانيّات وقوس الصّعود بالرّوحانيّات، فرأس البركار لا يرجع القهقرى عند رسم الدّائرة لأنّ ذلك ينافي الحركة الطّبيعيّة والنّظم الإلهيّة وإلاّ اختلّ نظام الدّائرة، وفضلاً عن هذا فإنّه ليس للعالم النّاسوتي قدر ومزيّة حتّى يتمنّى الإنسان بعد نجاته من هذا القفص أن يقع في هذا الشّرك مرّة أخرى، بل إنّما يظهر استعداد الإنسان وقابليّته عياناً بالسّير في مراتب الوجود بالفيض الأبديّ لا بالتّكرّر والرّجوع، فكلّ ما كمن في هذا الصّدف سواء أكان من الدّرّ أو الخزف يظهر للعيان عندما يفتح فاه مرّة واحدة، وهذا النّبات عندما ينبت مرّة إمّا أن يأتي بشوك أو ورد ولا حاجة إلى أن ينبت مرّة أخرى، وفضلاً عن هذا فإنّ السّير والحركة في العوالم على خطّ مستقيم طبق النّظم الطّبيعيّة هما سبب الوجود وأمّا الحركة المنافية للنّظم والوضع الطّبيعيّ فهي سبب العدم، ورجوع الرّوح بعد الصّعود مناف للحركة الطّبيعيّة ومخالف للنّظم الإلهيّة، ولهذا فحصول الوجود بالرّجوع ممتنع محال، مثله كمثل الإنسان الّذي يرجع إلى عالم الرّحم مرّة أخرى بعد خلاصه منه.

انظروا ما أوهى تصوّرات أهل التّناسخ والتّواسخ، يحسبون الجسم ظرفاً والرّوح مظروفاً، كالماء في الكأس يفرغ من كأس ويعود في كأس آخر، فهذا التّصوّر ملعبة صبيانيّة فما أضيق مجال تصوّرهم مع أنّ الرّوح من المجرّدات ليس لها دخول ولا خروج، وغاية ما هنالك أنّ لها تعلّقاً بالجسد كتعلّق الشّمس بالمرآة، فلو أنّ الرّوح تقطع مراتبها وتحصل على الكمال الذّاتيّ بتكرّر رجوعها إلى العالم الجسمانيّ لكان الأولى لها أن يمدّ الله حياتها في العالم الجسمانيّ حتّى تكتسب الكمالات والفيوضات ولا لزوم لإذاقتها كأس الهلاك وحصول الحياة الثّانية.

وهذه الفكرة ناشئة أصلاً من بعض التّناسخيّين الّذين تصوّروا أنّ الوجود قاصر على هذا العالم الفاني وأنكروا العوالم الإلهيّة، بينما العوالم الإلهيّة لا تتناهى، فلو أنّ العوالم الإلهيّة تنتهي بهذا العالم الجسمانيّ لكان الإيجاد عبثاً بل لصار الوجود ملعبة صبيانيّة، إذ تكون

نتيجة هذه الكائنات الّتي لا تتناهى وجود الإنسان الذي هو أشرف الكائنات، وهو أيضاً يغدو ويروح أيّاماً معدودة في هذه الدّار الفانية لينال المكافأة فيكمل الكلّ في النّهاية وينتهي الإيجاد الإلهيّ وتنتهي وتكمل الكائنات الموجودة الّتي لا تتناهى حينئذ تتعطّل الألوهيّة الرّبانيّة ولا يكون لها ولا للأسماء والصّفات الإلهيّة تأثير في هذه الكائنات الرّوحانيّة الموجودة “سبحان ربّك ربّ العزّة عمّا يصفون”، وهكذا كانت عقول فلاسفة السّلف القاصرة كبطلميوس وغيره من الّذين كانوا يعتقدون ويتصوّرون أنّ عالم الحياة والوجود محصور في هذه الكرة الأرضيّة ووجود الفضاء الذي لا يتناهى محصور في طبقات السّموات التّسع وكلّها فارغة خاليّة.

فانظروا إلى أيّ درجة كانت أفكارهم محدودة وعقولهم ضعيفة، والآن يظنّ التّناسخيّون أيضاً أنّ العوالم الإلهيّة محصورة في عوالم التّصوّر الإنسانيّ، بل إنّ بعض التّناسخيّين كالدّروز والنّصيريّة يتصوّرون أنّ الوجود محصور في هذا العالم الجسمانيّ، فما هذا التّصوّر الجاهليّ؟ مع أنّ العالم الجسمانيّ في هذا الكون الإلهيّ الّذي يبدو في نهاية الجمال والعظمة والكمال فيه الأجرام النّورانيّة التي لا تتناهى، فيجب إذاً أن نمعن النّظر في العوالم الرّوحانيّة الإلهيّة التي هي أصل الأساس لنعرف إلى أيّ درجة هي غير محدودة وغير متناهيّة فاعتبروا يا أولي الأبصار.

ولنرجع إلى موضوعنا وهو أنّ الرّجعة مذكورة في الكتب المقدّسة والصّحف الإلهيّة، ولكنّ الجاهلين لم يهتدوا إلى معانيها وظنّوا أنّها التّناسخ، لأنّ ما قصد به أنبياء الله من الرّجعة ليس رجوع الذّات بل رجوع الصّفات، أي ليس رجوع المظهر بل رجوع الكمالات، ففي الإنجيل يقول أنّ يحيى بن زكريا هو حضرة إيليّا، فليس المراد من هذا البيان رجوع النّفس النّاطقة وشخصيّة حضرة إيليّا في جسد حضرة يحيى، بل المراد هو أنّ كمالات حضرة إيليّا وصفاته تجلّت وظهرت في حضرة يحيى، بالأمس كان في هذا المحفل سراج مضيء، فإذا أوقدنا في اللّيلة القادمة سراجاً آخر فإنّا نقول قد أضاء سراج الأمس، وكذلك الماء الذي كان يجري من ينبوع ثم انقطع فإنّه حينما يجري مرّة أخرى فإنّا نقول عنه في جريانه الثّاني أنّ هذا الماء هو عين ذلك الماء وقد جرى مرّة أخرى، وهذا السّراج بعينه هو ذلك السّراج، وكذلك في الرّبيع الماضي تفتّح الورد وأينعت الأزهار والرّياحين وكانت فيه الفواكه اللّذيذة الطّعم، فإذا جاء الرّبيع القادم فإنّا نقول قد رجع ذلك الورد وعادت تلك الأزهار والرّياحين وظهرت تلك الفواكه اللّذيذة، وليس المقصود من هذا البيان أنّ الأجزاء التي تركّب منها الورد في العام الماضي تركّبت بعينها بعد التّحليل مرّة أخرى وعادت ورجعت، بل المراد هو أنّ تلك اللّطافة والملاحة واللّون البديع والرّائحة الطّيبة الّتي كانت في ورد العام الماضي واضحة مشهودة بعينها في ورد هذا العام.

والخلاصة أنّ المقصود هو التّشابه والتّماثل بين هذا الورد وذاك الورد، وهذه هي الرّجعة المذكورة في الصّحف الإلهيّة، وهذا المعنى مفصّل مشروح بالقلم الأعلى[ii] في كتاب الإيقان فارجعوا إليه حتّى تطّلعوا على حقائق الأسرار الإلهيّة وعليك التّحيّة والثّناء.(حضرة عبد البهاء)

لا تعليقات

اترك رد