الرسم بالنور مدير التصوير حاتم حسين


 

أن ترسم فهذا ليس عمل خارق ابدا ,وأن تصوّر ,وأن تدير التصوير ,وأن ..الخ ,مهن وأعمال وفنون قلّ من ابدع وتفوّق وتفرّد فيها , ويرجع البعض ذلك لعدة اسباب منها, الدراسة والموهبة والارادة والممارسة والحب ,لكنها قد تتجمع كلها أو بعض منها في شخصية واحدة,وبذلك تتميز تلك الشخصية وتترك اثر في وسيطها الفني ,وهذا ماكان مع الفنان حاتم حسين الذي يمعن في دراسة اي عمل فني يقوم به ان كان مصورا أو مديرا للتصوير, وتشهد له بذلك اعماله في السينما الروائية والوثائقية العديدة .ففي فيلم الظامئون مثلا كان مصورا مع مدير التصوير المرحوم عبد اللطيف صالح لكنه لم يقف عند حد التعامل مع الكاميرا باليّة وبساطة بل تعدى ذلك, ففي مشهد البئر مثلا لم يقنع حاتم حسين ان يتم تصويره بطريقة اعتيادية ومن زاوية سهلة ,

اذ كانت اليّة(حامل الكاميرا) ستاند الكاميرا لا تعطيه الامكانيةالتي يريد لها ان تكون فطلب من عبد اللطيف صالح وقتا حتى يقوم بتحوير الستاند بالطريقة التي يمكنه ان يصور ذلك المشهد وتوقف التصوير لاسبوعين حتى يكتمل تحوير الستاند بمساعدة (تورنجي) وتنم تنفيذ المشهد مثلما اراد حاتم حسين .انه يمتلك رؤيا وشخصية وفن جعلت منه مديرا للتصوير وهذا ماجعل الشاعر يوسف الصائغ حينما كان مديرا عاما للسينما ان يطلب منه تنفيذ مشروعا سينمائيا مهما في كل شيء.

ففي احد الايام وبينما كان الصائغ يتجوّل في معرض نحتي للفنان علاء بشير توالدت له فكرة قصيدة ,وكتبها لكنه لم يجد ذلك كافيا فطلب من حاتم حسين ان يصنع فيلما مادته المعرض والقصيدة ,وزار حاتم حسين المعرض النحتي الذي يتحدث عن الحرب العراقية الايرانية التي كانت تحرق البلدين انذاك, وتأمّل المنحوتات فوجدها تفيض دلالات ومعان وأحداث دراميّة وصراع, وشخصيّات تقود الاحداث ,وحركة تجمّت مادّيا لكنها متحركة وفق خط درامي متنامي ,هي هكذا أو هو وجدها بهذا الشكل لا أعلم .جلس وتأمّل ودرس المشروع جيدا ,وتحرّكت الكتل امامه ,وتوضّحت الافعال والدلالات ,وبني الموضوع في فيلم (رجل من تراب ) او (حلم رجل عراقي) .كان حاتم امام تجريبة فريدة, له على الاقل, فهو امام معرض نحتي لفنان مميّز ,وقصيدة لشاعر متفرّد ,لذا كان لزاما عليه ان يكون في مستوى يقترب او يساوي او يتفوّق على الاثنين اذ قام بمزج القصيدة بالمعرض النحتي وبدأ برسم كل شيء بصور ضوئية تركّز الافعال التي قرأها بين ثنايا الموضوعين, ورسم الافعال التي قرأها بالنور اولا ,

وقطّع اللقطات بالنور, ووجّهها حركيّا ,وصنع الحكاية بطريقة ارسطية, بداية ووسط ونهاية ,وصراع وشدّ واثارة, فكان الراوي والبطل والبطلة ,وفي الجانب الاخر كانت الحرب المدمّرة والغراب الييخرج من الرؤوس الممزقة ليبدأ كما كتب الصائغ(ابدأ.. من ذاكرة الارض الالم المسقيّة بالحب) التي اشبعتنا نحن العراقيون الما وكوابيس منذ بداية الخليقة (ثورا أعمى وعروس , وغرابا ينقر جمجمة الكابوس ) ..جمل ودلالات وصور أعاد كتابتها الصائغ ببلاغته المعهودة, ورسم حاتم كل شيء, وأضاء الاضواء امام انبهار توالد لديه,وتحرّكت الكاميرا مثلما يريد للشخصيات ان تتحرك, او تثبت, وكان فيلما ينتمي لرسم النور عند حاتم حسين, مثلما ينتمي للرسم والبناء النحتي عند علاء بشير ,ولرسم الصورة بالكلمة والصورة الشعريّة الاخّاذة عند الصائغ في تجربة مهمّة تمتلك من الجمال والتفوق الكبير .

هذا بعض من حاتم حسين ,هذا هو الرجل الذي لايكل ولا يمل من جدّيته في عمله فلقد كان يرسم المشاهد ويحدّد مساقط الضوء قبل الشروع في التصوير, ويحسب لكل شيء حساب ,الشخصيّات والمكان والزمان وحجم اللقطة وحركة الكاميرا ووو..لانه رجل درس كل شيء بمحبّة وعلميّة اكتشفها اساتذته في معهد السينما العالي في موسكو حينما قام بتصوير فيلم لزميله (كوركيس يوسف) يتحدث عن ملحمة كلكامش. درس ادارة التصوير السينمائي والتلفزيوني وتخرّج عام 1968 ليعود الى العراق بعد ان غادره عام 1962 في بعثة لدراسة السينما .

عمل في تلفزيون العراق وفي دائرة السينما والمسرح ,وأصبح مديرا للسينما ثم معاونا للمدير العام لكنه كان يحب العمل السينمائي ولا يتمنى ان يتدرّج في المناصب الادارية فعاد لعمله السينمائي بطيبة يحسدها عليه الجميع وتواضع وهدوء قلّ مانجد مثيل له ,وفن تميّز منذ عمله الاول الى اخر عمل له ولعلنا لا ننسى مشهد ذبح (سامي عبد الحميد)في فيلم الاسوار للمخرج (محمد شكري جميل ) وكيف تعامل مح الحدث ببناء اضائي مصحوب بحركة كاميرا ذكيّة جدا منحت للفعل مصداقيّة وجمال دلالي وتقني بليغ .ولد حاتم حسين في 21 يوليو عام 1937 وتوفي في 5 يونيو عام 2014 وترك اثر فني لا يستهان به في السينما الوثائقية التي عشقها منذ انشاهد فيلم (فاشيّة عادّية )للمخرج والمنظّر الروسي (ميخائيل روم) فتأثر به .

كان مصوا أو مديرا لتصوير الافلام الوثائقية (فجر الحضارة اخراج توفيق صالح,نفطنا لنا اخراج لؤي القاضي ,اغنية عمل عراقية اخراج فؤاد التهامي ,الوليد اخراج لؤي القاضي ,الخطوط الجويه العراقية اخراج محمد شكري جميل ,طيور لا تخشى الضجيج اخراجابراهيم الصحن ,القباب المشعة اخراج ياسين البكري ,البديهيات الصعبة اخراج محمد يوسف الجنابي ,المعامل في العراق اخراج طارق عبد الكريم ,الارض والانسان اخراج فيكتور حداد ,فلسطين ماذا قدمت لنا اخراج عبد الهادي الراوي ) .

اما في السينما الروائية فقد ادار تصوير الافلام(بيوت في ذلك الزقاق اخراج قاسم حول ,الاسوار,والمهمة مستمرة والملك غازي اخراج محمد شكري جميل ,المنفذون ,حب في بغداد اخراج عبد الهادي الراوي ,حب ودراجة اخراج طارق عبد الكريم ,سحابة صيف اخراج صبيح عبد الكريم ,بديعة اخراج عبد الهادي مبارك ,طائر الشمس اخراج صاحب حداد,يوم السمتيات اخراج طارق عبد الكريم ) ,اضافة الى تصوير الافلام (الكابوس اخراج عبد الهادي الراوي ,الظامئون والبدلة الزرقاء اخراج محمد شكري جميل ,ستشرق الشمس غدا اخراج طارق عبد الكريم ).اضافة الى اعمال تلفزيونية كثيرة منها خطوط ساخنة للمخرجة خيرية المنصور … حصل حاتم حسين على عدد من الجوائز عن افلام ادار تصويرها منها جائزة السيف الذهبي في مهرجان دمشق عن فيلم الاسوار ,وجائزة مهرجان فلسطين عام 1975 .وكتبت عنه رسالة ماجستير ممتازة بعنوان تعبيرية الاضاءة في افلام مدير التصوير حاتم حسين للدكتور صائب غازي .توفي المرحوم حاتم حسين وهو لم يشاهد فيلمه الذي لم يرى النور لحد الان(المسرّات والاوجاع) اخراج محمد شكري جميل ,وذلك لكثرة اوجاع الوطن وقلّة مسرّاته .الرحمة والخلود لمن يرسم بالنور مدير التصوير حاتم حسين .

لا تعليقات

اترك رد