تواصل .. مع العالم

 

كنت اشاهد احد الافلام الكلاسيكية المصرية القديمة الذي حمل عنوان “البوسطجي ” حين دارت في ذهني مقارنة بسيطة بين وسائل اتصالات الامس وماهي عليه اليوم ..بطلة قصة الامس فقدت حياتها لتاخر وصول رسالة من حبيبها كانت تحمل لها الامل بالمستقبل ، ولما طال انتظارها وبان حملها اضحت ضحية تقاليد الريف المصري وكل الارياف العربية ، وظل الخطاب الذي وصل متاخرا من حبيبها راقدا في جيب ” البوسطجي ” كدليل ماساوي على صعوبة التدخل والانقاذ السريعين من لدن الحب والحبيب ! ..ورغم ان المقصود بالقصة آنذاك كان ادانة التقاليد القاسية وليس صعوبة الاتصالات ، لكني نظرت الى الفيلم الان نظرة اخرى بعد ان صارت الرسالة على الورق المضمخ بالعطر وحتى البرقية السريعة لاتعني ان شيئا امام نقرة بسيطة على زر ارسال الرسالة في البريد الالكتروني او عبر الموبايل ..
لقد منحنا العصر الحديث امكانيات جديدة للتواصل والتفاهم وجمد عيوننا امام شاشات القنوات الفضائية واجهزة الحاسوب والهواتف المحمولة لنكون ضمن الركب السائر الى الامام ،ومن ظل يبحث منا عن اوراق زرق او وردية مطرزة بالورود والفراشات ليسطر عليها مشاعره ، ربما يعد الآن ” متخلفا” عن الركب ، فالكل متيقظ لأستيعاب الجديد والمثير في عالمنا المشحون بالغرابة وتسارع الاحداث ، ومن يتوقف لألتقاط انفاسه ويحاول نبش ذاكرته لأستعادة حلاوة ايام مضت ، سيجد نفسه وقد عاد الى الوراء خطوات عديدة فيضطر الى الاسراع اكثر ومحاولة اللحاق بالآخرين ..
لقد ازاح عالم اليوم الستار عن دواخلنا وجعل افكارنا مثل روافد تصب في بحر المعلوماتية الشاسع فلم يعد هناك مايمكن اخفاؤه او ما يتاخر اكتشافه …عالمنا يتعرى يوميا ليمنحنا لذة معرفة كل شيء دون ان تصاب انوفنا بالحساسية ونحن نتصفح الكتب السميكة في مكتبات ضخمة محشوة بالغبار اونقرأ مايصلنا يوميا من صحف محلية قد تسبغ على مرارة الواقع جمالا مصطنعا او تقول لنا مايريد المسؤولون عنها قوله لنا دون ان نتعرف على وجهات نظر وافكار اخرى قد نخرج من تناقضها بحقائق نكتشفها ذاتيا لنتذوق لذة معرفة الحقيقة بانفسنا في عالم تحمل فيه الحقيقة صورا متعددة وجنسيات مختلفة ، فلا يختلف الامر عن اختيار الطبق المناسب لنا من مائدة متنوعة الاطباق بعد ان نتذوقها جميعا ونتعرف الى نكهة كل منها !!
في هذا العالم المكشوف جدا ، وسريع الايقاع جدا ، سنحتاج الى القدرة على التوازن كالبهلوان الذي يسير مجازفا على حبل ر فيع ليصل الى الجانب الاخر فينال الاحساس بالانتصار والمتعة على السواء ..
نجاحنا في هذا العالم يضمنه تحقيق التوازن ، وتوازن نفوسنا لن يتحقق الا اذا نظرنا الى اعماقنا بحيادية ووعي – فجذورنا فيها بذور الحب والجمال – ولو اقتلعنا منها ادران الضغينة والعنف وكل مايشدنا الى الخلف بقيود التخلف ، سيسهل علينا بالتالي التواصل مع العالم ونصبح اكثر وثوقا من بلوغ لذة المعرفة ومن نظافة نفوسنا اذا ماتعرينا امام العالم !

لا تعليقات

اترك رد