للجهل جيوش

 
(لوحة للفنان عبد السلام عبد الله)

في غرفة مربعة الأضلع، مرتبة المكاتب، بصفوفٍ متجاورة، يقبع ثُلةٌ من الموظفين الحكوميين تحت أكوام الملفات، والأرشيف، والكُتب الرسمية، التي تعتليها أرقام وتوايخ تارةً صادرة، وتارةً أُخرى واردة.
ينتهزون نصف ساعةٍ عند منتصف الدوام الرسمي، لتبدأ رحلة تحضير الشاي وكأنهم في نُزهةٍ ما، ليتبارون فيما بينهم متمازحين أيُّهم أشطر في إعداد الشاي.
لم تكن سميرة مديرة ذلك القسم مبذرة الابتسامة، أو المزحة، فقد كان يعتلي ملامحها الكثير من الجدية، والإلتزام، والحدود اللامتناهية. كل من كان يعرفها من زملائها كان يعلم حقاً متى عليه التوقف عن ممازحتها. ولم تكن تلك الجدية تقتصر على جو الدوام الرسمي؛ بل حتى في حياتها الخاصة. إذ لم تكن تنطق إلّا ذلك القول، الذي من ورائه قصد، ورساله، كما في قناعتها هي.
أطلق سعد نُكتةً في الاستراحة مع زميله علاء على صورة إحدى الناشطات العاملات في مؤسسة إنسانية لمساعدة المحتاجين، التي نَشرت صورها على مواقع التواصل الاجتماعي، فبادره علاء بردٍ استفز سميرة حين قال له:
– لو كانت شريفة، وتحفظُ ماء وجه أهلها، لما نشرتْ صورها هُنا وهناك.
حينها سألت سميرة علاء قائلة:
– ولماذا تنشُر صوركَ أنتَ يا علاء! ما دام نشر الصور يُبيح لك الطعن في الشرف، حتى وإنْ كان صاحب الصورة يعمل للإنسانية من دون مقابل.
أجابها علاء وهو واثقٌ من أنَّ جوابه لا تعيبه شائبة:
– سميرة! ما هذه المقارنة؟ أنا رجل ولستُ امرأة. وانتِ أعلم بمجتمعنا ونظرته للمرأة.
قطبتْ سميرة حاجبيها نافرة من جوابه، لتبادره بسؤال:
– هل تراني بوضوح وأنا قبالتك وجهاً لوجه ؟
علاء:
– بالتأكيد أراكِ. ما هذا السؤال الغريب؟!
سميرة:
– وهل أبدو لكَ، ولمجتمعكَ بلاشرف؟
علاء:
– استغفر الله. ما هذا الكلام يا سميرة؟! بالتأكيد لا.
سميرة:
– أو تعلم يا علاء! للجهلِ جيوش.

لا تعليقات

اترك رد