حوار شعري مع الشاعرة المبدعة جهاد مثناني


 

س1-لكل شاعر طفولة راعفة بالحب و الشوق ، فما هي أبعاد طفولة الشاعرة وكيف التقت بكراسة الشعر ؟
1 ـ وُلدتُ بحيّ شعبيّ يتنفّس عبقَ القيروان العتيقة وعندما أقول القيروان أذكرُ القيَم والعادات والتّقاليد وأذكر أيضا الحبّ والبساطة .. الأسوار والمساجد وأولياء الله الصّالحين وأقول رابعة الثّلاث .. طفولة قضيتها في أحضان مدينة تتنفّس شعرًا لابدّ أن تكون طفولة حالمةً فيها اللّهو والبراءة من جهةٍ وفيها الشّجن والتشبّع بالمشاعر والأحاسيس من جهةٍ أخرى .. ولعلّ خير إجابةٍ على هذا السؤال أن أسوق مقطعًا شعريّا يلخّص طفولتي الممتزجة بالحبّ والفرحِ والشّجن

في بيْتنا العتيق ــــــــــــــــــــــــــ
فِي بيْتِنا العتِـيق تَركْـتُنِي
هُناكَ أُسامِرُ البِطاحَ
أُنَمِّقُ الصّبَاحَ بِـجُرحِيَ اللّصِيق
أُدَنْدِنُ الحكَايَا
عنْ يوسف العَزيز
عنْ بِئْـرِنَا الّتي ..
بالماءِ عمَّـدَتْهُ
بِـحُـزْنِها العميقْ
فِي بيْـتِنَا العتيق
أبْـوابُـنَا تَضِـجُّ
بِـكوْمةِ الجِـراحِ
تُحَـدّثُ الطّريقَ
عنْ طِفْلةٍ قـدْ ضيّعَتْ …
فِي حُـلمِها الطّريقْ
عنْ دمْعةٍ أقـامَتْ
بِدمْـعِها المُبَـلّلِ
بِـحُـلِمها الطّليق

س2-البعد و الشوق و الحرمان هي مفردات الشاعر ة….فما هي مفردات شعرك ؟
2 ـ المُعجم في قصائد جهاد المثناني جمع مفردات متنوّعة بتناقضاتها وترادفاتها ففيها الحبّ والأمل وفيها الموت والعدمُ وفيها الأرضُ والوطنُ وفيها الجسدُ والرّوح وفيها الشّوق والاغتراب وفيها القرب حدّ الالتحام .. كلّها مفردات عبّرت بطريقة أو بأخرى عن الوطنِ والحبِّ بكلّ تجلّياته وعن الحياةِ والموتِ بفلسفةٍ شعريّة بسيطة تعكسُ همَّ الذّاتِ أوّلاً لتشمل الإنسانيّة ولتكون قصائدي بذلك تعبّر عنِّي وعنكَ (المتلقّي) وعنهم وعنَّا …

س3-لكل شاعر بعد يميزه عن الآخرين فما هي أبعاد قصائد الشاعرة
3 ـ ما يميّز قصائدي عن الآخرين
أوّلا يجبُ أن أقول إنّ قصائدي تشتركُ مع منظومة شعريّة عامّة بكونها تعبير عن الذّاتِ من جهةِ وعن الآخر من جهةٍ أخرى وقد يكون هذا الآخر الإنسان أو الوطن أمّا ما يميّزها وهذا ما سأتوقّف عنده ثانيا ربّما الجرأة في تناول بعض الموضوعات السّياسيّة أو الغزليّة في مسألة الجسد أو التغزّل المفرط بالذّات ثمّ كذلك أعتبرُ تميّز قصائدي في تنوّع أجناسها أو أنماطهَا فأنا لم أتّخذ منوالا واحدًا للكتابة بل كتبتُ الشّعر الكلاسيكي العموديّ وكتبتُ شعر التفعيلة وكتبتُ قصيدة النّثر إضافة إلى خوض تجربة الكتابة باللهجةِ العامّية أو شعر الزّجل .. وأيضا خضت تجربةَ الكتابة الموجّهة للطّفل بكتابة قصائد في مواضيع تعليميّة تناسب فئات عمريّة هي فئة الأطفال

س4-يقال أن بعض الشعراء يكتبون قصائدهم و أن البعض الآخر تكتبه القصيدة فمن أي الشعراء أنت و كيف تولد القصيدة لديك ؟
4 ـ ما ذهبتَ إليه صحيح حيثُ أنّ بعض الشّعراء يكتبون قصائدهم وأنّ البعض الآخر تكتبه القصيدة .. أمّا وأنا أتحدّث عن جهاد المثناني فلابدّ أن أقرّ أنّني أراوحُ بين الفئتيْن حيثُ أنَّ القصيدة في كثير من الأحيان بل في أغلبِ الأحيانِ تكتُبني فتجدنِي أنساق وراء فكرةٍ وبناءٍ معيّن وكأنه لا حوْل لي ولا قوّة أو وكأنّني لا قدرةَ لي على كبحِ زمام القصيدةِ فتكتبني كما تشاء هي وقد تكتبني موزونة حينا أو نثريّة حينًا آخر لكنّ ذلك لا يمنع أنّني أحيانا أكتب القصيدةَ عن قصدٍ فـأستعدّ لها بموضوعٍ وبمفرداتٍ وبقافيةٍ وبرويٍّ وهنا تكون صناعة الشّعر وهنا تكون القصديّة في الكتابةٍ وبذلك تكون ولادة القصيدة ويكون المخاضُ عسيرًا حينا مؤرّقًا حينا آخر لكنّه مخاض يأتِي بمولودٍ بهيٍّ مبتسمٍ في أغلب الأحيان تلك هي قصائدي

س5-من ترى من الشعراء في عصرنا من يستحق لقب شاعر وما هي صفات الشاعر الفذ ؟
5 ـ العصرُ عصر الرّوايةِ والشّعر وعصر الرّوائيين والشّعراء والسّاحةُ الثّقافيّة التونسيّة والعربيّة تزخر بأسماء كثيرة تستحقّ لقب الشّاعر ولعلّ المجال هنا لا يتّسع لحصر العدد أو ربّما قد يجعلني ذكر بعض الأسماء أظلم البقيّة بعدمِ ذكرهم سهْوا أو عندما تخوننا الذّاكرة .. أمّا عن سؤالك الخاصّ بتحديد مقياس معيّن لنقيّمَ فنقول إنّ هذا شاعرٌ فذّ والآخر شاعر غير فذّ فاسمح لي أن أعتبر أنّ المقياس هنا غير منطقيّ ولا يستقيم البتّة في تقييم الشّعراء .. ففي رأيي المتواضع ليس هناك شاعرٌ فذّ وآخر شاعر غير فذّ .. فإمّا أن تكون شاعرًا أو ألاّ تكون .. فالتقييم في نظري هو أنّ هناك شاعرًا وهناك المتطفّل على الشعر أو اللاّشاعر .. ومعيار التقييم هنا هو الانسيابيّة ورهافة الحسّ والذكاء الشعريّ واحترام اللغة والأهمّ احترام المتلقّي والذّوق العامّ في بناء الصّور الشعرية بأسلوب يقوم على معايير نقديّة واضحة

س6-ما رأي الشاعر بالمسابقات الشعرية وما مدى نزاهة لجان التحكيم ؟
6 ـ المسابقات الشّعريّة وما أدراك ما المسابقات الشّعريّة .. سأكون واضحة في الحكمِ انطلاقًا من تجربتي الشّخصيّة حيث أنّ علاقتي بالمسابقات الشّعريّة ليست عميقة ذلك أنّني شاركت فقط في مناسبتيْن وطنيّتيْن وتحصّلتُ مرّة على المركزِ الأوّل ومرّة على المركز الثّاني .. ودعْني هنا أقول إنّ ثقتي في نصِّي تجعلني أنزّه لجان التحكيم من أيّ انحياز .. لكن قد يكون حكمي هذا نسبيّا بحكم قلّة مشاركاتي الّتي تكاد تكون منعدمة .. ولعلّ السّياق هنا يجعلني أتحدّث عن المسابقات الشّعريّة الافتراضيّة والّتي كنتُ في بداياتي أشاركُ فيها أيضا وكنت في معظم الأحيان أتحصّل على المراكز الاولى أو الثّانية وتتوّج هذه المسابقات بشهادات تقدير افتراضية وإعلان عن نتائج افتراضيّة .. وقد يرى البعض أنّ مثل هذه المسابقات الوهميّة زائفة النتائج والتقييم وأنا أساند هذا الرّأي ولا أنكره لكنّني أيضا لا أنكِرُ دوْرها التحفيزي والتّشجيعي فهي في نظري بمثابة المحفّز المعنويّ على اكتساب الثّقة ومواصلة الكتابة

س7-القصيدة لديك تحمل بعدا ذاتيا و بعدا وطنيا و بعدا انسانيا. هلا حدثتنا عن أبعاد قصائدك
7 ـ القصيدة عندي تحمل بُعدًا ذاتيّا وبعدًا انسانيا وبعدًا وطنيّا ويكفي هنا وقفة متأنّية مع معجم القصيد لتتجسّد الذّات جليّة واضحة بضمير المتكلّم المفرد “أنا” في أغلب نصوصي وهذه الذّات الحاضرة بقوّة في قصائدي هي ذوات متعدّدة فهي المرأةُ وهي الأمّ وهي الوطن وهي الأرضُ وهي الإنسان عموما فشعرِي يجعل الأرضَ ذاتًا والوطنَ ذاتًا لأكون “أنا” كلّ هؤلاء حزنًا وفرحًا .. بُعدًا وقُرْبًا موتًا وحياةً .. الأرضُ أنا والوطنُ أنا والإنسانُ أنا والجهادُ أنا .. وهذا التّماهي إنّما هو تعبيرٌ عن حياةٍ جليّة جديرةٍ بالحياةِ في كلّ نصّ تكتبه جهاد المثناني

8 ـ همسة في أذن الشّعراء على كثرتهم :
رِفْـقًا بلغتِنا العربيّة ورفقًا بالذّائقة العامّة فاعتداؤكم على اللغةِ العربيّة هو اعتداء على الأخلاق العامّةِ بل هو اعتداء على الوطن ..

9 ـ رسالة شعريّة أوجّهها إلى القارئ العربيّ قأقول بكلّ بساطة
فمَا عدتُ أشتَاقُ ذاكَ النزيفْ ولا صخرةً أتْعَبَـتْهَا الأيَادِي فحِمْلُ البلادِ ثَقيلٌ … ثقيلْ كَجُـرْحِ القَـصِيدِ بِـكفِ “سِـزِيـفْ ”
10- اختمي الحوار بقصيدتين مميزتين لك أختمُ بقصيدتيْن : الأولى وطنيّة عربيّة والثّانية غزليّة عاطفيّة

أنادِي العراقَ تجيءُ الشآم 
بـكـفِّي مـجازٌ يريدُ السَّـلام
على العَـابرين “بأرْدُنّ” قـلْـبي 
ب”صنعاءَ” أنْـوِي أطيلُ المقَام
أمُـدُّ البساطَ إلى شَـمْـسِ “نجْـدٍ”
وفي “الرّافديْـن” لشوْقِي اضطِرامْ
أصُوغُ القصيدَ بأرضِ “الجزائِر” 
وفي “القُـدْسِ” أغْـفُـو ولاَ لنْ أنَام
أزِيـحُ عنِ الحُـلمِ بعضَ الجِراحِ 
وأرْمِي إلَـى الرّيحِ ذاكَ الحُـطام
و”بيروتَ” تَـزْهُـو إذا ما نَثرْتُ 
على الشَّوْقِ شوقًا وبعْضَ الهُـيَام
“طرابلس” وجْـدِي أراهُ سَـبِـيَّــا 
لِـذاكَ الــتُّـرابِ فكَـيْـفَ أُلاَم ؟
أرَانِي عشقتُ ومَا عَـاد فِــيَّ 
و”تُـونس” مِـنِّي كَـبَـدْرِ التّـمَام
خَـلَـعتُ النِّـعالَ بتلكَ الرّبوعِ 
.. وأسْـرَجْـتُ حَـرْفِـي لِـقَـوْمٍ كِرامْ
و”طَـنْـجةُ” تـبْدو بِـذاكَ المَـضيقِ 
. رِحَــابًـا لِـقَـلْـبِي وحُــبًّـا لِــزامْ
“بخرطُـومَ” كـنتُ أغنّـي لِـكُـحْـلِي 
أوَزِّعُ عِــطرِي ودُونَ انْـقِـسامْ
وأنْـضُو عَـنِ اللّيْلِ بَـعَـضَ السّـوادِ 
لكَـيْ لاَ أرَاهَـا “النّـهودَ” تُــضـامْ
“لِـمصْـرَ” الكِـنَـانهْ إذا مَـا كتـَبتُ 
..تَــرُدُّ الجِــبالُ وتَــزْهُـو الآكَــامْ
بِـقَـبـْرِ الحُـسيْنِ أصلِّـي قِــيـامًا 
بـخان الخـليـلِيّ يضيعُ الكلامْ
وللنِّـيلِ ماءٌ إذا ما احتَسَيتُ 
أعودُ وبِي نشْوةُ كالمُــدام
لِ”عمّانَ” أسْـرِي فقَلْبِي هُناكَ 
وفي راحَـتَـيْها أقـيـمُ الخِيـام
وأخْـتَـارُ بَـحْـرًا وبَحْرًا لِشِعْرِي 
أسوِّي من الشّـمْسِ حَـرْفًا حُــسَام
أَ”بَـحْـرَيْـنُ” ذُبْـتُ بِـحُسـنٍ تَـجـلّى 
فـهَـلاَّ غَـفَـرتِ لِـقَـلْـبِي الغَــرام
“فـلـسطينُ” وَجْـهُ الإلَــهِ بِـقَـلْبِي 
وحُـلْـمٌ يـغَـنّـيه ذاكَ الـغَـمَـام
متَـى يستَعيدُ النّزيفُ دِمَـانَا؟ 
وحَـتّامَ نَـرْضَـى رحِـيلَ الحَمام؟
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
جهاد المثناني / القيروان تونس

______________________________

مِنْ لهْفَتي قدْ صُـوِّرَ
قُولُوا لِمـَنْ أشْتاقُهُ بِـدمِي سَــرى      إنّي المُـتيـّمُ بالحَبِيبِ تعـطّـرَا
لاَ كأسَ تُغْنِي عنْ وِصالٍ يُرْتجَى     أنْفاسُ مَنْ أهْوَى كَخمْرٍ أسْكَرَا
لَـهَفِي عَلى زمَنٍ مَضَى ما عِشْتُهُ     بِلَظَى الّذي مِنْ لَهْفَـتِي قدْ صُوِّرَا
يا ربُّ إنّـي مَـنْ خَلـَقـتُ نَعِـيمَهُ       وأنَا أُسَوّي مِنْ جَحِـيمِهِ كَـوْثَـرَا

خابَ المـجـازُ وَإنْ رآهُ تَـعَطّـلَ       وكذَا بِوَصْـفِـهِ لمْ يُـوَفَّـقْ عَـنْـتَـره
شمْـسٌ أرَاها تَـخْـتَفِي إنْ أشْرَقَ      وأرَى نَـهَـارًا فِي نَـهَارٍ أقْـمَـرَا
يَـا ليْلُ لاَ تَــشْـقَ وقَدْ ضَـيَّـعْـتَهُ       قَـدَرُ اللَّـيـالِي أنْ تَـعِي مَـا قُـدِّرَا
بُـشِّـرتِ مَرْيَمُ بالخَلاصِ يـوْمَها      وأنَـا بِمَنْ أهْـوَاهُ قَـلْـبِي بُـشِّـرَا
فَـضَمَمْتُهُ رُوحًـا بِـرُوحِي تَـسْـكُنُ    وأذَقْـتُهُ مِـنْ عَـذْبِ مَـائِي سُكَّرَا
ـــــــــــــــــــــــــــــــ

الشاعرة جهاد مثناني
ـ الاسم واللّقب : جهاد المثناني / ـ مولودة في 14 جوان 1973 بالقيروان
ـ أستاذة أولى مميّزة في اللغة العربيّة وآدابها / وشاعرة
المهامّ :
ـ رئيسة فرع القيروان لجمعيّة خيمة علي بن غذاهم للشّعر العربي
ـ رئيسة فرع القيروان لرابطة مبدعون بلا حدود
ـ عضو مكلّف بالإعلام والإشهار بجمعيّة ابن شرف للأدب والفنون

المشاركات الوطنيّة : عدّة مشاركات في مهرجانات وطنيّة بمختلف ولايات الجمهوريّة التّونسية
المشاركات العربيّة : ـ المهرجان العربي للزّجل بمدينتي أزمور وسلا بالمغرب الأقصى
ـ مشاركات عديدة بالجزائر
ـ أسبوع الشعر التونسي بالقاهرة بجمهورية مصر العربية في دورتيْن متتاليتيْن
الإصدارات :
ـ مجموعة “ليلٌ بلا ذاكرة” صدرت عن دار الإسلام للطباعة والنشر بجمهورية مصر العربية
ـ مجموعة “ولاذَ الماءُ بالغرقِ” صدرت عن دار المبدعين للنّشر والتوزيع
ـ تحت الطّبع مجموعة ” وحْدها الأبوابُ تعرف الحكاية ” عن دار المبدعين للنّشر والتوزيع
ـ بعض المقالات في النّقد الأدبي نُشرت الكترونيا

حاورها : المستشار حسين علي الهنداوي


لا تعليقات

اترك رد