اوهام الحداثة ضمن واقع التشكيل


 
(اللوحة للفنان خوان ميرو)

قد نتكلم عن الكثير من الحركات والتجارب التشكيلية المهمة في هذا القرن ولكن نتوقف مع بدايات الرابع الثاني من القرن العشرين الذي ودعناه والحركة التشكيلية عربيا ودوليا تمتطي صهوة المدارس الفنية المعاصرة لاهثة خلف سراب فني اسمه الحداثة .

قاعات فنية كثيرة ، صالونات وفضاءات تشكيلية معظمها يعمل بهدف اداء الدور الحقيقي للفن عبر عروض لا فنية تفتقد تماما الى ابسط القيم الجمالية بالرغم من زحمة الوانها وشهرة اصحابها ، ولكي نعمل على تفادي خلط الاوراق لابد ان نشير الاى ان هناك فجوة كبيرة بين حداثة لا فنية تعتمد في تكويناتها على تقاطعات العبث وتشكيل عناصرها الاساسية من تراكمات الوان فوضوية ، وبين فن تشكيلي معاصر ينها تكويناته التجريدية من متتابع الحياة ويعتمد على القيمة الجمالية الازلية المتمثلة بالضوء والظل.

وعبثا يجاهد اصحاب الدعوة للحداثة تنظيرها بلغة تجافي واقع الاعمال المطروحة فالمدارس الفنية (الحداثوية) تأهلت بعيدا عن شواطئها وشقت غياب الامواج بلا اشرعة ولا شروط او قواعد فنية وأبحرت بواسطة سفن لا تمت للفن بصلة. وأغرقتنا بأسماء ارتقت شهرتها الى مستوى العالمية وأمطرتها بوابل من الاعمال الافنية وأصبحت بمرور الزمن الذي مر علينا وعليها مألوفة لدينا ، ولكن على حساب مصادرة ذوقنا حتى كدنا لا نفرق بين ما هو فني حين تصدق اكذوبة الحداثة وما هو غير فني حين نكذب صدق مشاعرنا باتجاه ما نرفضه من فوضى الاعمال ، ولا غرابة ان قلنا ان ما انتجته فرشاة بعض هؤلاء الكبار يمكن لأي طفل صغير ان يعبث بيده ويعطينا بل يتحفنا بما هو اجمل من تجريدية ميرو وأكثر براءة وشفافية من تكعيبية بيكاسو .

واعتقد بان معظم الفنانين العرب قد صدقوا كذبة التشكيل الغربي الحديث وساروا على خطاه وشططه واستأثروا بمغريات الشهرة قبل متعة البحث في مزج الالوان وتوزيعها توزيعا متناغما فتحاشوا إلا يقال بقلوبهم وألوانهم في عمق التاريخ الى وادي النيل وبلاد الرافدين اولى حضارات العالم الزاخرتين بأجمل ارث فني تشكيلي رسما ونحتا ، وتناسوا بان العرب في الاسلام فضل الاسبقية على الغرب في اكتشاف التجريد الاسلامي وتوظيفه تشكيليا عبر انواع الزخرفة الرائعة وانواع الخطوط التي زين العرب مساجدهم وقصورهم.

وبالرغم من بعض الاجتهادات والتجارب الفنية التي حاول بعض الفنانين العرب وخاصة ممن طالتهم الشهرة عربيا ان يضعوا فرشاة في الشرق وأخرى في الغرب املا في البحث عن صيغة فنية جديدة توصل الاصالة بالمعاصرة لإيجاد هوية فنية عربية في لوحة تحمل جسد التراث ومنقوشة بروح الحداثة ، إلا ان تلك التجارب الفنية التي سال من اجلها وعلى مدى عقود من الازمنة طوفان من الالوان الزيتية والمائية ومواد اخرى قد سقطت في شرك التبعية والتقليد العشوائي للغرب واستسلمت لرياح لونية هوجاء زعزعت من صرح الذوق العربي العام.

لا تعليقات

اترك رد