المختصر المفيد في قانون الاحوال الجديد

 

اثار مشروع قانون تعديل قانون الأحوال الشخصية العراقي والذي صوت عليه البرلمان العراقي من حيث المبدأ الاسبوع الماضي موجة من الغضب الجماهيري باعتباره يمثل انتكاسة لحقوق المرأة ومكتسباتها فيما اعتبره البعض بانه نسخة محسنة من قانون الاحوال الجعفري والذي سبق ان اثار حفيظة الكثير من الفعاليات الشعبية لدى الحديث عن اقراره في البرلمان .. واولى المواد القانونية التي اثارت موجة الغضب هذه هي زواج القاصرات والتي يرى الكثيرون بأنها عودة لعصور الجاهلية والتخلف..
و رغم ايماني المطلق بان القانون النافذ اصبح قانوناً متهرئاً بحاجة الى الكثير من التعديلات (وليس الالغاء) الا انني سجلت عدداً من الملاحظات على المشروع من خلال اطلاعي على بنود التعديل هذه ..
اولا : التعديل هذا يكرس الطائفية المجتمعية بفجاجة لانه يزج بالخلافات الطائفية في عمق المجتمع من خلال العلاقة الزوجية من نص هذا المادة الاولى في التعديل والتي تقول انه : يجوز للمسلمين الخاضعين لأحكام هذا القانون تقديم طلب إلى محكمة الأحوال الشخصية المختصة، لتطبيق الأحكام الشرعية للأحوال الشخصية وفق المذهب الذي يتبعونه.
وهذا يعني اننا نقحم الخلافات المذهبية والعقائدية في صلب العلاقة الزوجية و هو ما يعني انقساماً اكبر في المجتمع العراقي المنقسم اصلا !
ثانياً : المشروع يضع سلطة دينية فوق القانون وهو ما يعني استحالة قيام دولة مدنية مستقبلاً من خلال الفقرة ب من البند الثالث المادة الاولى التي تنص : تلتزم المحكمة المختصة بالنسبة للأشخاص الوارد ذكرهم في الفقرة (أ) من هذا البند عند إصدار قراراتها في جميع المسائل التي تناولتها نصوص قانون الأحوال الشخصية رقم 188 لسنة 1959 المعدل وغيرها من المسائل المتعلقة بالأحوال الشخصية، بإتباع ما يصدر عن المجمع العلمي في ديوان الوقف الشيعي، والمجلس العلمي والإفتائي في ديوان الوقف السني، وتبعاً لمذهب الزوج، ويصح أن يكون سبباً للحكم.
لاحظ عزيزي القارئ كلمة تلتزم المحكمة ان التعديل يلزم المحكمة باتباع ما يصدر عن المجمع العلمي في الوقفين الشيعي والسني تبعا لمذهب الزوج في جميع المسائل التي وردت في القانون والتي لم ترد وهذه المادة بالاضافة لكونها وضعت هذه السلطة فوق القانون فأنني اتسائل من جدوى وجود قانون مكتوب اصلا اذا الزم المشرع المحكمة باتباع ما يصدر عن جهة دينية ؟؟!
ثالثاً : المشروع يضع الخلافات الزوجية في متاهة الخلافات الفقهية داخل المذهب نفسه اذ تنص الفقرتين ج , د من البند الثالث من المادة الاولى : يلتزم المجلس العلمي في ديوان الوقف الشيعي بإجإبة المحكمة عن استيضاحاتها، وفقاً للمشهور من الفقه الشيعي وفتاوى الفقهاء الاعلام، وعند عدم الشهرة يؤخذ برأي (المرجع الديني الأعلى) الذي يرجع اليه في التقليد أكثر الشيعة في العراق من فقهاء النجف الأشرف. د. يلتزم المجلس العلمي والإفتائي في ديوان الوقف السني بإجابة المحكمة عن استيضاحاتها، وفقاً للمشهور من الفقه السني .. و الملاحظ هنا ان المشروع اذ يغفل النصوص القانونية المكتوبة في القانون الاصلي وهو شرط من شروط اي قاعدة قانونية ان تكون مكتوبة و معلومة للجميع فالمشروع يستعيض بدلاً عنها باراء فقهية من الطبيعي ان تكون مختلفة من فقيه الى اخر .. وهي بالتالي (اراء فقهية) يمنحها المشروع صفة الالزام !
رابعاً : المشروع يجيز العقد خارج المحكمة ويلغي العقوبة الواردة في صلب القانون وهو ما يعني ضياع حقوق الزوجة بوقوع الطلاق او وفاة الزوج .. اذ يلغي المشروع البند (5) من المادة العاشرة والتي تنص : يعاقب بالحبس مدة لا تقل عن ستة أشهر، ولا تزيد على سنة، او بغرامة لا تقل عن ثلاثمائة دينار، ولا تزيد على ألف دينار، كل
رجل عقد زواجه خارج المحكمة، وتكون العقوبة الحبس مدة لا تقل عن ثلاث سنوات، ولا تزيد على خمس سنوات، إذا عقد خارج
المحكمة زواجاً آخر مع قيام الزوجية
و حل محلها : يجوز إبرام عقد الزواج لأتباع المذهبين (الشيعي والسني) كل وفقاً لمذهبه، من قبل من يجيز فقهاء ذلك المذهب ابرامه للعقد بعد التأكد من توافر أركان العقد وشروطه وانتفاء الموانع في الزوجين، على أن يجري تصديق العقد لدى محكمة الأحوال الشخصية خلال فترة لا تزيد على (60) ستين يوماً من تاريخ إبرامه .. وهذا التعديل اذ يجيز انعقاد العقد خارج المحكمة واشتراطه تصديق العقد خلال مدة زمنية الا انه لم يورد اي جزاء يذكر عند عدم تصديق العقد خلال المدة المذكورة !! وهو ما يعني هدر حقوق الزوجة و اطفال بلا حماية قانونية !!
اضف الى ذلك ان المشروع سمح لكل (فقيه) وهو وصف مطاطي لم يبين المشرع على من ينطبق .. ابرام العقد خارج المحكمة و كان الاولى بالمشرع استحداث تجربة (المأذون) وهو شخص مكلف بخدمة عامة يخول بموجب القانون ابرام عقود الزواج و القيام باجراءات التصديق نيابة عن الزوجين …
فيما تقدم بعض الملاحظات التي سجلتها على بنود التعديل المثير للجدل وهي تحتمل الصواب والخطأ بالتأكيد .. لكن ما اثار حفيظتي فعلاً لماذا يصر الساسة على اقحام موضوع الطائفية في صلب العلاقة الزوجية و ماذا سنجني لو اقر هذا القانون غير اتساع ظاهرة الطلاق واتساع الخلافات في المجتمع عندما يحصل اي شرخ في العلاقة الزوجية اذ يتسع ليشمل عوائل الزوجين وهو سيكون بالضرورة مغلفاً بغلاف طائفي .. ! وهو ما يعني استحالة الزواج بين المذاهب مستقبلاً و يعني بالضرورة ايضا استحالة التعايش بين افراد المجتمع .

1 تعليقك

  1. Avatar مصطفى احمد

    احسنت كلامك صح وقد ارجعنا البرلمان الفاشل عده قرون الى الوراء

اترك رد