سرقوا الصندوق يا محمد …!

 

عنوان المقال جزء من أغنية شعبية انتشرت في العقد الثاني من القرن العشرين ، كتب كلماتها : بديع خيري ، ولحنها موسيقار الشعب : سيد درويش، والمقطع يقول:
دنجي دنجي دنجي .. دنجي دنجي دنجي
جالت لي هالتي ( خالتي ) أم أحمِد كلمايه ( كلمة ) في متلايــــه
سرقوا الصندوق يا محمد .. لكن مفتاحه معايا
يا مصيبة و جاني من بدري .. زي الصاروخ في وداني
مافيش حاجة اسمه مصري ولا حاجة اسمه سوداني
تتناول الأغنية إحساسا وطنيًا مهما ، ألا وهو لا فرق بين مصري وسوداني ، فكلاهما من وطن واحد ( وقتئذ ) ، ومن الخطأ التفرقة بينهما ، فكلا البلدين تحت التاج الملكي المصري ، فالأغنية تحض على وحدة أبناء الوادي شماله وجنوبه .
تناسى الناس الأغنية ، بعدما انفصل السودان عن مصر ، وتبقى هذا الشطر العجيب ” سرقوا الصندوق يا محمد .. لكن مفتاحه معايا ” ، وقد بدا قلقا في موضعه من الأغنية ، فلا نعرف من هو محمد ، ولا نعرف صندوقه ؛ ومن ثم تحوّل إلى مثل شعبي يُضرَب للرجل المغفّل ، الذي إذا سرقوا صندوقه ، فلا مشكلة عنده ما دام المفتاح معه ، وينسى أنه من السهل كسر الصندوق ، ولتهنأ يا محمد بالمفتاح.
ويكون السؤال : لماذا الصندوق تحديدا وليس باب البيت أو المال ؟ وتأتي الإجابة ، في كون الصندوق في المجتمع المصري والسوداني القديم هو الحاوي لكل شيء: الملابس ، والمال ، والذهب ، والأشياء الغالية ، وهناك صناديق أخرى توضع فيها نواشف الطعام مثل : السكر والشاي والأرز .. إلخ . لذا ، كان جهاز العروس عبارة عن صناديق عديدة ، تشمل ملابسها ، وحاجيات البيت الجديد من الطعام ، وصندوق أواني الطعام , وآخر لملابس الزوج ، وغير ذلك .
-وإذا استحضرنا فيلم ” شيء من الخوف ” ، وحكاية عتريس وفؤادة ، واسترجعنا لقطة خروج فؤادة من منزل والدها ، وهي مكرهة رافضة للزوجالمفروض عليها والظالم لأهل قريتها ، وقد قررت أن تواجهه وحدها ، إذا استرجعنا لقطة خروجها ، ركّزنا عيوننا على المشهد وتفاصيله ، سنجد اثنين من أتباع عتريس وقد حملا صندوقا وضعت أمها فيه ملابسها المستعملة ( وليست الجديدة ) ، ثم استقر الصندوق في غرفة نوم عتريس ، وراحت فؤادةتخرج منه ملابسها الريفية السوداء ، وتعصب رأسها بطرحها الغامقة ، وأذلت عتريس ومن معه ، وخرج أهل البلد عن بكرة أبيهم يصرخون : زواج عتريس من فؤادة باطل .
*****
في العصر الحديث ، يشكل الصندوق رموزا لأشياء عديدة في حياتنا ، فهناك “In box ” الذي يحوي رسائل الإيميل ، وللمفارقة فإن له مفتاحا أيضا يتمثل في كلمة السر التي يفتح بها صاحب الإيميل صندوق رسائله . ولك أن تتخيل أن تفقد كلمة السر ، أو يتم السطو على إيميلك بفعل الهاكرز ، وساعتها لن ينفعك مفتاح الصندوق ، ولن تغنّي مع محمد ” لكن مفتاحه معاك ” .
-وإذا مددنا أبصارنا نحو عالم المال والأعمال سنجد أن لفظة صندوق تعني صناديق الاستثمار التي تشمل الحسابات البنكية الخاصة للأفراد ، والمخصصة أكثر للأموال الفاسدة المهربة ، ويكون مفتاح هذا الصندوق / الحساب مع الشخص نفسه إما ببصمة الصوت أو حركة العينين ، أو بصمة الأصابع .
– أيضا هناك الصناديق السيادية للدول حيث الاسثمارات الضخمة لما يفيض من مال وثروات في مشروعات عملاقة داخل الدولة وخارجها ، وكذلك هناكصندوق النقد الدولي ، الذي يسمى – تندرا – في أقطار العالم الثالث المبتلى بروشتة العلاج الاقتصادي بأنه صندوق النكد الدولي ، فكل الدول الققيرة التي استدانت منه ، أصابتها الفاقة والعوز ، وسقطت تحت هيمنة الدول الكبرى الممولة للصندوق .
– ولا زلنا نذكر عبارة ” حسني مبارك ” عند حديثه عن أحد قروض صندوق النقد الدولي ونادي باريس المخصص للدول الدائنة ، أنه قال ساخرا ( أو بالأدق مقروفًا): ” لقد اقترضنا أربعة مليارات دولار ، قمنا بسداد أقساطها المركبة على سنوات ، فوصلت إلى ستة عشر مليار دولار ” .
– وهناك شخصية ثرية في إحدى دول الخليج ، أقرضت مئة مليون دولار لإحدى دول المنظومة الاشتراكية عام 1970 ، فعادت إليها – بالفائدة المركبة طبعا – بعد عشرين عاما مليار دولار. فلا عزاء للفقراء ، ومرحبا بأي شخص في نادي الأغنياء، ومستثمري القروض الدولية، حيث الفائدة البشعة ، التي خرّبت ديارا ، وشتتت عيالا، وأفقرت دولا .
*****
-ولكن ماذا لو طرحنا سؤالا جدليا : هل يمكن أن يكتفي المرء بالمفتاح فقط عوضا عن الصندوق ؟ بمعنى أن الأهم هو المفتاح وليس الصندوق .
أكاد أن أجزم أن المفتاح هو الشخص نفسه : عقله وروحه وطموحه ، وأن الصندوق مجرد وعاء مادي ، لا قيمة له ، ويمكن للإنسان أن يأتي بعشرات الصناديق ، ويمتلك مفاتيحها جميعا ، حتى لو فقدها ، فهو قادر على تعويضها متى شاء، وأينما ذهب، فالعبرة في الشخص ذاته وليس في الصندوق.
-هل الأمر ملغز ؟ ربما .
-دعنا نقص هذه الحكاية لتتضح الصورة أكثر . فهذا أحد رجال الأعمال البارزين في الولايات المتحدة الأمريكية ، وقد صار مليونيرا (يمتلك عشراتالملايين) في سنوات قليلة ، ومن تجارة بسيطة . سألته مذيعة في إحدى القنوات : كيف كوّنت ثروتك ؟ فرد عليها : أنا تعليمي بسيط وكنت أتنقل من عمل إلى عمل حتى قرأت إعلانا لشركة مايكروسوفت تطلب مستخدمين (فراشين) للتعيين فيها ، فذهبت إليهم ، فطلبوا مني ملء استمارة ، وبالفعل ملأتها ، ثم توقفت عند البريد الإلكتروني ، وتركت الخانة فارغة، فتعجبوا مني ، فقلت: أنا لا أملك بريدا إلكترونيا ولا أعرف استخدام الحاسوب أصلا ، فقالوا له : تريد أن تعمل في مايكروسوفت وأنت لا تعرف كيفية استخدام الحاسوب ؟ واعتذروا عن تعيينه .
-فخرج من عندهم مكسور الخاطر ، وراح يتجول في الشوارع ، وهو يفكر ، وينظر في محفظته ، ويعد ما فيها من دولارات قليلة . فسمع بعض الباعة الجائلين، ينادون على فاكهة وخضروات ، فأسرع ، واشترى بما معه بعض صناديق الفاكهة ، ووقف يبيع مثلهم ، وكم كان ماهرا في بيعه ، وسرعان ما تحول إلى تاجر كبير ، يمتلك المتاجر والمبردات المخصصة لهذه التجارة، وكوّن ثروته الكبيرة .
– فسألته المذيعة : وهل تجيد الآن استخدام الحاسوب وتملك بريدا إلكترونيا ؟
-ابتسم الرجل ، وقال : لا ، ولن أفعل ، ولو كنت فعلت وقتها ، لكنت لا زلت مستخدما في شركة مايكروسوفت .
– لننظر جيدا : إن المفتاح معه في ذكائه ومهارته ، والأجمل أنه اشترى صناديق قليلة ليبدأ تجارته ، وبها صار تاجرا كبيرا في آلاف الصناديق .

*****
– وإليكم قصة أخرى، من عالمنا العربي ، عن معلم في المرحلة الابتدائية ، كان ذا نشاط سياسي إبان حقبة الستينيات ، حيث الأنظمة القومية ، والنزعة التسلطية ، وسيادة الصوت الواحد للزعيم الأوحد . ضاقت أجهزة الأمن بالمعلم ، ففصلته من عمله لانتمائه السياسي ، فلم يدرِ ماذا يعمل ، فدخل إلى المسجد للصلاة ، مبتهلا إلى الله ، وهو يتذكر أسرته وأطفاله ، وقد حمل الشهادة الأمنية الحمراء ، التي تحظر عليه العمل معلما ، ولو في مدرسة خاصة أو حتى معلم خصوصي . خرج الرجل من المسجد ، وقد اطمأن قلبه بالدعاء ، وما لبث أن سمع صوت الباعة في سوق الخضار ، فتوجه إليه ، وهناك جلس في السوق ، عسى أن يشتري القليللعياله بما تبقى معه من مال ، فوجد من يعرض عليه العمل لمدة ساعات بائعا للفاكهة الموجودة في أقفاص وصناديق أمامه ، فقبل مشكورا وسعيدا وحامدا الله الله على هذه الفرصة . مرت سنون قليلة، وصار المعلم أكبر تاجر في سوق الخضار ، وتعاظمت الصناديق في مخازنه، وكثر عمّاله ، وتجار التجزئة الذي يتكالبون على محلاته للشراء ، لأنه الأرخص والأجود ، وعندما لا يجدونه جالسا خلف مكتبه في السوق ، كانوا يعرفون أين سيقابلونه ، حيث يدخلون للصلاة معه في المسجد ، ومن ثم يصطحبهم ويستمع لمطالبهم وهو عائد..

*****
-يمكن أن يكون الفرد هو المفتاح ، ولا ضير عليه إذا سرقوا الصندوق، فلنا إذن أن نغني مع محمد وهو واثق من نفسه ونردد أن المفتاح معه ، وليذهب سارقو الصندوق هانئين به أو متعاركين عليه ، فيمكنه أن يأتي بعشرات الصناديق .

1 تعليقك

  1. Avatar نورالدين مدني

    مقال رائع يجمع بين التاريخ والوقايع والحكمة
    الانسان مفتاح نفسه ومستقبله

اترك رد