الذات… الهوية… التشتت في تجربة الشاعر يوسف الصائغ – الجزء الثالث


 

يوسف الصائغ ظاهرة مهمّة في الكتابة الشعرية على مستوى التجريب، إذ تتضمن قصائده مستويات جمالية كثيرة في الإفادة من المرجعيات المقدسة والموروث الحكائي (الكتاب المقدّس، والقرآن الكريم) تارة، ومن الفنون المجاورة تارة أخرى، وربما الامتياز الآخر الذي يضاف إلى تجربته هو صناعة الصورة التي تكسر النمطي وتهتم بالدهشة وتقدم المفارقة بلغة تراثية الطابع في مجموعاته الأولى (اعترافات مالك بن الريب)، ويومية في (سيدة التفاحات الأربع)، وما بعدها من مجموعات، فضلاً عن هيمنة الجانب السردي وصراع الشخصيات في محاولة لتقديم مفارقة، تمثل مفارقة الثقافة والحياة في عراق استمر لأكثر من نصف قرن في تحوّل مستمر.
يوسف الصائغ في ظل تلك الفوضى تعرض إلى كثير من الاغتيال من أحزاب ومثقفين واتحادات (وحادثة رفض اتحاد الأدباء والكتاب تأبينه علامة على ذلك في زمن الناقد فاضل ثامر والشاعر الفريد سمعان)، دليل على تورط الثقافة واغتيالها للحقيقة.

الفصل الأول:
يوسف في الجب
يتلهى بكتابة أشعار الحب
الفصل الثاني:
يوسف في قصر زليخا
يخفي تحت قميصه تأريخه
والفصل الثالث:
يوسف بين يدي فرعون
محتار كيف يبرر أخطاء الكون(19)

تجربة الشاعر يوسف الصائغ من التجارب الإبداعية المهمة في المشهد الشعري العراقي، وتنطلق هذه الأهمية من تميّزه المتواصلة في تشكيل فضاءات شعريّة خاصّة بعد جيل الريادة، ولا سيما الاهتمام بالقصيدة السردية واليومية، بحيث أصبح بناؤه تأسيساً لقصائد أخرى.
ولم تتوقف موهبة الصائغ عند ذلك، وإنّما تجاوز ذلك إلى نجاحاته المتواصلة في الكتابة المسرحية والروائية والقصصية والتشكيلية،وهذه السمة هي التي جعلته يرسم قصائده ويشعرن رواياته.

وظل الصائغ طوال حياته يصرخ:

ما هذا زمني
ما هذا زمن الشّعر…
ولا هذا زمني
هذا زمن مسدود
يخرج منه الدّود
صار الشّعراء قروداً فيه
والعشّاق يهود
باركني بيديك الحانيتين
وامنحني غفرانك يا وطني(20)

وتنبع حاجتنا الأساس إلى تدوين السيرة الشخصية للرّاحل المبدع يوسف الصائغ من ذلك التنوع في مفاصل حياة الشاعر، فالصائغ من تولّد الموصل 1933، عاش في بيئة يسود فيها الطقس الكنائسي، لذلك قد يلاحظ قارئ سيرته ذلك الوهج الخلاّق في التعبير عن كنيسة يوسف الصائغ وما منحته من أجواء، ويكبر يوسف الصائغ وتكبر معه مأساته، فبعد التحاقه بدار المعلمين العالية وبعد انضمامه للحزب الشيوعي تعرض إلى كثير من الأذى بسبب ذلك الحب، ودفعه التمسك بالحزب إلى أن يقضي شطراً من عمره في السجون، بما يقارب تسع سنوات، بين نقرة السلمان وسجن الحلة، وتعرف في أثناء اعتقاله على كثير من رفاقه الشيوعيين الذين لهم أسماء إبداعية لامعة، ولا سيما الشاعر مظفر النوّاب، وساعدته هذه الأجواء على أن ينجز -وهو في سجن نقرة السلمان- روايته المهمة (اللعبة) التي شكلت حضوراً مهماً بالنسبة إلى الرواية العراقية.
والمطّلع على تجربة الصائغ قبل سجن نقرة السلمان، من أيام مجموعته المشتركة مع هاشم الطعّان، وشاذل طاقة، وعبد الحميد اللاوند (قصائد غير صالحة للنشر)(21)، سيجد سهولة التعبير عند الصائغ في قصيدته (لو سحقنا العنكبوت):

يا حبيبي..
لو سحقنا العنكبوت
لو سحقناه يموت
وانتهينا.. يا حبيبي
ما علينا
لو كفرنا.. بخيوط العنكبوت؟
ففعلنا ما أردنا
وانتصرنا
ما علينا ما يقول الناس عنّا
ذاك أنا، يا حبيبي
قد فعلنا ما أردنا
وانتصرنا
وخنقنا قيدنا المسلول
ما كان علينا؟
يا حبيبي
فأناديك ((حبيبي))
ملء صوتي
وألبي شفتيك
آه ما كان عليك
آه ما كان علينا
لو فعلنا.. لانتصرنا
يا حبيبي… وكفرنا..
((بالليالي السود… بالشوق المذيب))
ورأفنا
((بالتياع القلب- بالحب الغريب))
أنت تدري يا حبيبي
لو فعلنا
لاجتمعنا.. ونسينا… وغفرنا
ودفنا العنكبوت (22).

ولكن هذه السهولة تزدادُ عمقاً مع تقدّم العمر والدّخول في سجن نقرة السلمان الذي أضاف إلى تجربة الشاعر الشيء الكثير، ولعلّ ملاحظة الشاعر مظفر النوّاب له: من أن نثره أجمل من شعره جعلته يتمسك بها بوصفها مراكز القوّة في القول الشعري(23).
يخرج الصائغ من السجن فيتزوج جولي التي لم يرتبط بها نتيجة علاقة غرامية، وإنّما بفعل العلاقات الاجتماعية التي تتحرّك فيها النّساء لطلب الزواج إلى أبنائهن، وعلى الرّغم من نمطية زواجه من جولي، نجدها تكبرُ في عينيه نتيجة سلوكها غير المتشدِّد تجاهه، وحينما ينوي الصائغ السّفر إلى الدّول الاشتراكية للسياحة مع زوجته والشاعر إبراهيم اليتيم وزوجته، ولكنّ الظروف تمنع عودة جولي بسبب تعرض سيارتهما إلى حادث في أضنة، بسبب سرعة القيادة التي كان يقوم بها اليتيم، وفي أثناء نقل جولي إلى المشفى في تركيا تتعرض وهي ميتة إلى سرقة خاتم الحب منها، يقول في قصيدة: (أهذا إذن كلُّ ما تبقّى):

إذا انتصف الليلُ.. واسودَّ‏
ليلٌ بلا قمرٍ، أو نجومٍ،
وصارَ الندى مُبْهما في الحديقةِ..‏
سيّدتي،
ستجيء كعادتها،
ستعبر هذا الممَرَّ الكئيبَ،
وتمشي على العشب حافيةً،
لحظةً‏
وأرى وجهها، ملصقاً، في زجاجة نافذتي، مِنْ هنا،
حيث ينكسرُ الضوءُ والوهمُ:‏
عينانِ ذاهلتانِ،
وشعْرٌ من الأبَنْوس، قد اخضرّ من بلِلِ الليلِ،
والتمعتْ خصلةٌ منه،
فوق الجبينْ،
ومن دونما كلمةٍ،
وبصمْت المحبّين،
سوف تمدّ أصابعَها‏
وتشيرُ إلى بُنْصرٍ، نزعوا خاتمَ الحبّ عنهُ،
فموضعه، أبيضٌ، مثلُ جرحٍ قديمٍ،
وتبسم لي…‏
هكذا.. لمحةً‏
وتغيبْ،
وتترك فوقَ ضباب الزجاجةِ،
هذا الحنينَ الغريبَ-‏
حنينٌ غريبٌ..‏
أنا.. يشبه القبُلاتِ حنيني..‏
سأبحثُ عن شعرةٍ عَلِقَتْ، في الوسادةِ‏
قنينةِ عطرٍ.. علاها الغبارُ،
قميصٍ به عرَقُ امرأةٍ…‏
أهذا، إذن، كلّ ما يتبقّى من الحبّ؟‏(24).

وبعد عودته إلى بغداد يظلُّ مصاباً بالدهشة لفقدان الحبيبة، بحيث يتّخذ له صومعةً يرفض فيها مقابلة الأصدقاء، وفي أثناء ذلك يبدأ بتخطيط بيت جولي كلِّه إلى لوحة.
ويدخل الصائغ في هذه الدوامة التي جعلته يشعر بالضياع على النّحو الذي تشجعه على كتابة ديوان (سيدة التفاحات الأربع)، وقوله: التفاحات الأربع بسبب طلب جولي قبل وفاتها شراء التفاح والإبقاء على أربع تفاحات وهو يطلب منها الإجابة عن سرِّ تلك التفاحات الأربع، وبعد وفاتها لم يبقَ منها سوى التفاحات الأربع (يُقال إن الصائغ ظل يصرخ بعد صحوه وهو يناشد جولي بصوت عالٍ إلى أين أمضي بهذه التفاحات… إلى من كنت تأخذينها؟).
وبقي الصائغ في هذه المجموعة يبكي جولي بحيث يستعيدها من الموت إلى الحياة، يقول في قصيدته (سيدة التفاحات الأربع):

قبل قليل ،
جاءت سيدة ،
وابتاعت أربع تفاحات ،
أربع تفاحات حمر ،
ورأيناها ، تمضي مسرعة ،
نحو القفر
كانت تضحك …
تضحك ،
والتفاحات الأربع ،
تكبر
تكبر …
ثم انقطع الضحك ،
وأعقبه صوت أبيض
ورأينا التفاحات الأربع تسقط ،
فوق الأرض
أربع تفاحات حمر
أربع ضحكات
وانقطع الصوت
وساد الصمت
………
أصغوا …
سيدة التفاحات الأربع
تضحك بعد الموت (25)

ويتزوّج بعدَ تلك الأزمة الصائغ من أم مريم وداد، ولكنّه لم يستمر معها، فيطلقها، وشاءت الظروف أن تتعرض أم مريم إلى حادث مروري فتموت هي الأخرى، وكأنّ أقدار زوجات الصائغ الوفاة بالحوادث المرورية، وتبقى علاقة الصائغ بابنته مريم غريبة وغير واضحة بسبب تركه لمريم عند أمِّها وخالاتها، ويستمر الصائغ في حلمه في أن تكبر مريم ويشاهد حبيبها الذي افترض بأن يشبهه إلى جانبها:

يا مريمُ
أحلمُ، أن أحيا،
حتى يغدو عمرك عشرين…
وأراكِ مزيّنةً، بالحكمة والحبّ
وأعرف، كيف تُحبّين
ومن ستُحبّينَ….
يا مريمُ…. يا نور عُيوني
أحلمُ
أنك سوف تُحبّينَ
فتىً يُشبهني
أحلمُ…. أنك
سوف تحبيني (26)

وفي 1984 تولّى منصب مدير عام دائرة السينما والمسرح، ويشير كثيرٌ إلى أنّ السبب هو (المقدّمة التي كتبها).

كتب الصائغ عدّة مسرحيات حازت على جوائز مهمة، ولا سيما جائزة قرطاج سنة بعد أخرى وذلك عن مسرحيتيّ ديزدمونة، والباب، وهو -بذلك- يؤسِّس لتأريخ حقيقي للمسرح العراقي.
وتستمر عذابات يوسف يوما بعد يوم عندما تُعتقل حبيبته هيام 1985، نكاية به وهو لا يعرف مصيرها حتى وفاته ،وظلّ الصائغ مع أصدقائه يقول دوماً: ربّما تدخل هيام في أيّما لحظة.
بعد ذلك يتزوّج الصائغ من عدّة زوجات، يعلن إسلامه على أيديهن من بينهن الدكتورة سلسل العاني والصحفية صباح الخفاجي، ولأسباب عائلية شائكة يسعى الصائغ إلى أن يبدل من أجوائه بالسفر إلى سورية، ولكن شاءت الأقدار أن يموت مثل شخصية مالك بن الريب التي تمثلها في شعره وسيرته، خارج أسوار بغداد التي أحبها كثيراً.
وربّما يتساءل كثير عن موقف الصائغ بعد التغيير، فنقول: إنّ الصائغ عن طريق أعمدته التي كتبها في جريدة الزمان كان متفائلاً من الدستور حينما قال: مرحى للدستور فهو حلم أجيال (27).
وإذا كان الكلام الذي يلاحقه اليوم بسبب المقدّمة التي كتبها، فكيف نبرِّر روايته السرداب رقم 2 التي كتبها إبان السلطة التي طبعت في مصر، وهي رواية توثق لتأريخ المعتقلات العراقية وعذابات المناضلين(28)، وكيف ننظر إلى السودان ثورة وشهداء(29)، وماذا نقول لديوان سيدة التفاحات الأربع، أو ديزدمونة والعودة والباب والبديل، كلّها أعمال وثّقت اللحظة التأريخية للإبداع العراقي.

يبقى يوسف الصائغ في آخر المطاف من المبدعين الذين مثّلوا لحظة فارقة في الثقافة العراقية بتمثل الثنائيات التي انسحبت على تجربته الشعرية. وتكشف مصادر البحث أن الصائغ انسجم مع هذه الثنائيات على نحو خاص بحيث لا يستطيع القارئ الاصطفاف معه أو إدانته بسبب تلك المواقف الملتبسة التي تمثل التباس الثقافة في ظل سلطة استبدادية ومناخ ثقافي مربك يقدم الولاء الحزبي بوصفه استراحة المبدع الأخيرة التي لا بد من أن يتخذها محراباً لصلاته الأخيرة. لذلك جاء عنوان البحث على هذا النحو (الذات… الهوية… التشتت) لنعبّر فيه عن أزمة الثقافة العراقية وإشكالية الانتماء والهوية الثقافية في ظل هذا الالتباس.

المصادر والمراجع:

(*) ارتبطت علاقتي بالشاعر يوسف الصائغ لحظة التفكير بكتابة رسالة ماجستير عن تجربته الشعرية (الموروث في شعره) في كلية التربية، جامعة تكريت 2001، إذ سحرتني تجربته وأنا ما زلت طالباً في كلية الآداب/ الجامعة المستنصرية 1997، وحينما باشرت بالكتابة، تشكلت صداقتي معه بزياراتي له في وزارة الثقافة والإعلام آنذاك، ومن ذلك الوقت بدأت علاقتي تتخذ صفة أخرى، إلى أن استقرّ بي الحال أن أكون مدوّناً لمقالاته (أنا والشعر والشعراء) التي كان ينشرها في جريدة الأديب.

1. اعترافات مالك بن الريب، دار الأديب البغدادية، 1972.
2. الاعتراف الأخير لمالك بن الريب، دار الأديب البغدادية، في جزأين 1987-1989.
3. قصائد، دار الشؤون الثقافية العامة، وزارة الثقافة، بغداد،1992: 51- 52.
(**) وهي اللحظة التي اتفق فيها الشيوعيون والبعثيون على إيجاد صيغة للتوافق، وإذا ما مرت الأيام ادرك الشيوعيون أن هذا الاتفاق جاء بمنزلة التفاف للإيقاع بكل الشيوعيين بين معتقل ومسجون ومعدوم ، وهذا ما دفع بالقيادات الشيوعية إلى الهرب، وبقاء القاعدة تحت نيران الحزب الحاكم.
4. ثقافة العنف في العراق، سلام عبود، دار الجمل، ط1، 2002.
5. الخاكية، عباس خضر،دار الجمل-المانيا ، ط1، 2005.
6. موقع كتابات الإلكتروني الذي يديره الكاتب اياد الزاملي: kitabat.com
7. ثلاث مسرحيات، يوسف الصائغ،دار الشؤون الثقافية العامة، بغداد، 1994: 11.
8. المسافة، يوسف الصائغ، منشورات اتحاد الكُتّاب العرب، دمشق، 1974: 107.
9. الإبداع في الفن، قاسم حسين صالح، دار الشؤون الثقافية العامة، بغداد، 1986: 55.
10. ينظر: قصائد، يوسف الصائغ، دار الشؤون الثقافية العامة، بغداد، 1992.
11. م.ن: 265-266.
12. ينظر: يوسف الصائغ، لاقل وداعاً رغم كل شيء، نبيل ياسين، موقع إيلاف، 18/12/2005.
13. مقدمة لقصيدة عن حبٍّ فاشل، يوسف الصائغ، جريدة الثورة، العراق، 10/7/1983، تموز، صفحة دراسات.
14. الشخصية بين الحرية والعبودية، فؤاد كامل، كتابك 140، دار المعارف، القاهرة: 7.
15. مقالة في العبودية المختارة، إيتيان دي لابوسيه، ترجمة: مصطفى صفوان، وزارة الثقافة والفنون والتراث- قطر، كتاب الدوحة، 2014: 46.
(***) قصر النهاية أحد المعتقلات التي تعرض فيها المثقف والمعارض السياسي إلى التعذيب القاسي والوحشي، بحيث تحوّل هذا المكان مع مرور الوقت إلى أيقونة للعذاب والخوف، وقولهم (النهاية) إشارة إلى أيقونة الانتهاء.
16- زهرة العقل والضمير والقلب، يوسف الصائغ، جريدة الثورة، العراق، تموز، 26/7/1983.
17- قصائد، يوسف الصائغ، دار الشؤون الثقافية العامة، بغداد، 1992: 430- 431.
18- م. ن: 433 وما بعدها.
(****) النسخة الاخيرة والمصحّحة من ديوانه موجودة لديّ،اذ قام الشاعر بسام صالح مهدي مع الشاعر وهو في سوريا بتنقيح هذه المجموعة الكاملة، ورفع كل ما يمت بصلة لسلطة الديكتاتور، وربّما هذا التحول هو جزء من الإحساس بالتحوّل في تجربة الشاعر.
19- من مخطوطة للشاعر التي بحوزتي.
20- م.ن.
21- قصائد غير صالحة للنشر، يوسف الصائغ، وهاشم الطعّان، وعبد الحليم لاوند، وشاذل طاقة، دار طباعة الهدف، الموصل، 1956.
22- م. ن: 110 وما بعدها.
23- من لقاء شخصي، بتاريخ 22/5/ 2004.
24- قصائد: 183 وما بعدها.
25- م.ن: 187 وما بعدها.
26- م. ن: 5.
27- – مبارك، يوسف الصائغ، جريدة الزمان، ع 2249، 31/10/2005.
28- السرداب رقم2، يوسف الصائغ، الهيأة العامة لقصور الثقافة في مصر، 1997.
29- السودان ثورة وشهداء، قصيدة نثر سياسية، 1970.

لا تعليقات

اترك رد