احتفال التقييم

 

المدعوون كثيرون ، ازدحمت القاعة بهم ، وامتلأت المقاعد بمئات من الحاضرين ، الذين اطلعوا على الدعوة العامة ،في الصحافة الورقية والتلفاز ، كنت شخصية عامة ، يشار اليك بالبنان ، تتكلمين في أي موضوع يطرح عليك التحدث فيه ، وتناقشين بهدوء ، ما تسمعين به من آراء ، لم يكن صوتك يعلو ، فقد كنت تؤمنين إيمانا راسخا ، ان ارتفاع الصوت ينتج غالبا عن الخواء الفكري ، وعدم امتلاك الحجج والبراهين التي تقنع الخصم ، وتفحمه بالحجة الدامغة ، كما يقول علماء الإقناع ، والمحاججة ، والنقاش الهادئ المستنير.

جلس المتكلمون الأربعة في مقاعدهم ، وطلبوا منك الجلوس في وسطهم ، اثنان منهم على يمينك ، والاثنان الآخران على يسارك.

يغبطك حضور الجماهير العريضة الى مكان الاحتفال ، ويملؤك اعتزازا وثقة بنفسك ، لقد استطعت ان تحققي شيئا ، وأن تثبتي جدارتك في شأن من شؤون الحياة ، وان يكون لسانك منطلقا في الوقت الذي يزيد الطلب عليه ، وحججك قوية ، ساطعة أمام العيان.

– سيداتي ، سادتي ، أهلا بحضوركم الكريم ، نرحب اليوم بشخصية عامة ، أثبتت نجاحها الكبير ، وفصاحتها المثيرة للإعجاب في أي مجال ، تتطرق إليه

حاولت ان تخبريه ، بأمر الاحتفال ، الذي يطمحون فيه إلى تقييم مسيرتك الخطابية ، والتي أثبت جدارتك ونجاحك اللافتين للنظر فيها ، ولكنك تراجعت في آخر لحظة ، وآثرت ان تكوني وحدك في هذا اليوم ، كما هو الشأن في المرات السابقة ، التي كنت تحضرين فيها احتفالات عامة ، فينطلق لسانك الفصيح مؤيدا ، وجهة النظر التي تريدين تقويتها ، ويستمع إليك الحاضرون بصمت ، وهدوء ، تسكت الأصوات جميعا ، ولا يسمع الا صوتك الرخيم ، يتفوه بأعذب العبارات وأقوى الجمل ، عارضا مختلف الآراء ، ومبينا تعدد وجهات النظر ، وحين تصلين الى نهاية خطابك ، وقد أثبت بالدلائل والبراهين صحة رأيك ، وصواب فكرتك ، تنطلق الأكف بالتصفيق المتواصل ، وأنت تنظرين مستبشرة الى رضا الجماهير العريضة.

كثيرا ما تناول سيرتك السابقة بالسخرية منها ، ومن تقليل شأنها ، وإنها هزيلة جدا ، وانك يجب الا تبالغي ، في تكبير ما وصلت اليه من نجاح ، فأنت ما زلت في مكانك ولم تحققي شيئا.

ينطلق الصوت متكلما:

– أنها مثال ناصع في النجاح ، وتحقيق الهدف ، وفي تحدي الصعاب ، والوصول إلى الغاية.

كنت في بداية عهدك به ، تظنين انه عازم على إبعاد شبح الغرور ، عن نفسك الحساسة ، وان هذا الماّل يصيب عادة من كان يمتلك الثقة بنفسه ، ورضا الجماهير عنه.

– إنها قدوة للأجيال الصاعدة ، في ضرورة النضال ، والاستهانة بالعراقيل ، التي توضع أمام العازمين على السير المثابر ، والإصرار المستمر.

يحدثك عن الأيام التي حققت نجاحا فيها ، وكتبت عن تلك النجاحات الصحف ، وتناولتها وكالات الأنباء ساخرا ، مستهزئا :

– لم تحققي شيئا ، لأنك امرأة أيدك الناس ، وصفقت لك الجماهير معلنة استحسانها ، ان حاولت اليوم إعادة مجدك القديم ، لن تستطيعي ، سوف يصيبك الفشل الذريع ، لاتعودي ، الأيام حين تسير ، لاتعود الى الوراء ، وأنت لاتملكين صوتا جهوريا ، ويصيبك التعب منذ البداية.

– إنها خطيبة مفوهة ، أمدتنا بالكثير من الخطب الرائعة ، البليغة ، والساحرة في البيان ، وهي مدرسة في أصول الخطابة الصحيحة ، والهيمنة على عقول الجماهير.

ينتهي المتحدثون في إيراد ما تتمتعين به من خلال ، تسر بها الأذن ، وترنو إليها القلوب ، وتميل الى سماعها الأفئدة.

– تركت الفصاحة عامين اثنين ، لأعمال منزلية ، و الآن تعود إليها ، بكل جمالها القديم ، نترك السيدة مها تحدثكم بسطور قليلة ، عن تجربتها في هذا المضمار الصعب واللذيذ.

تتزاحم الكلمات في فكرك ، ولا تملكين القوة لإطلاقها ، تتيه منك الإرادة ، ويتراجع ما عرف عنك من عزم ، وصوت داخلك ينطلق عنيفا : لن تستطيعي ، سوف يصيبك الفشل الذريع.

تصفق الجماهير بحرارة ، منتظرة ان تلبي النداء ، يبرد التصفيق ، ينظر إليك المحتفلون باستغراب.

المقال السابقصرير الروح
المقال التالىحوار شعري مع الشاعرة المبدعة جهاد مثناني
صبيحة شبر، كاتبة عراقية، بدأت الكتابة في الصحف العراقية عام 1960،أصدرت أربع مجموعات قصص قصيرة:الثمثال من مطبعة الرسالة في الكويت عام،امرأة سيئة السمعة ،لائحة الاتهام تطول ،التابوت ،لست انت صدرت عن دار ضفاف لها اربع روايات الزمن الحافي رواية مشتركة مع الادبا العراقي سلام نوري ، العرس رواية صدرت عن ا....
المزيد عن الكاتب

لا تعليقات

اترك رد