مستقبل العرب – ج5


 

لقد وصلت الشعوب العربية لحد تأليه القائد ونصب تماثيل له واعتباره قائدا لن يعيد التاريخ أمثاله، للأسف لا زلنا نفكر بهته الذهنية القديمة ونجددها على الدوام. وهي من مخلفات الفكر الإستبدادي فالإنسان العربي لم يستطع تطوير فكره وطريقة تفكيره ليستطيع تغيير ظروف عيشه، كل شيء يتغير من حوله وهو أحيانا يواكب هذا التغيير لكنه لا يعيشه فكريا.

هذا التعظيم للزعيم هو في نفس الوقت تحقير العامة التي تفضله والعامة هي التي يستمد منها شرعيته، وهذا الزواج اللامنطقي بين القمة والقاعدة هو من يطيل عمر الإستبداد ويعيد إنتاجه في الزمان والمكان ويحكم على العامة البقاء دوما في مرحلة المراهقة.

هذا التفضيل من مساوئه أنه يتم توزيع الأفضلية تنازليا كما يتم توزيع الثروة، حيث لا تستفيد عامة الشعب إلا من القليل في حين تنعم القلة بخيرات البلد. ولعل الضمير الجماعي أو المخيلة الجماعية تحتفظ ببعض الأسماء تاريخيا كقادة عادلين كعمر ابن الخطاب، فالمجتمع العربي يحلم دوما بقائد عادل لكن لا يأخذ بعين الإعتبار الزمان والمكان والظروف الإجتماعية والسياسية والإقتصادية.

فحتى في مرحلة ما بعد الخراب العربي، عادت بعض المجتمعات إلى صناعة قادة مستبدين على النهج القديم بمسميات حديثة، وهذا دليل على عدم نضجها وعدم استفادتها من أخطاء الماضي وتؤجل بذلك عملية البناء الديمقراطي العادل، فهم بذلك يريدون بناء المدينة الفاضلة بمستبد وبذلك يباعدون العدل الإجتماعي ويعيدون إعادة إنتاج دولة القهر والبؤس.

فالشعوب المضطهدة والتي تؤمن بهذا القائد الأوحد لا ترى سوى شخصيته وترفض النظر إلى الواقع أو تنظر إليه بعين واحدة، وهذا يظهر من خلال إعلامه وحديث الناس عنه، فالناس تخلط بين الواقع والخيال أي الأحلام التي نريد تحقيقها. فأحيانا كثيرة يحقق العرب متمنياتهم من خلال الأحلام لأن الواقع صعب وحتى التفكير فيه متعب.

كلها أمور تزيد من تعقيد مهام الفكر إن لم نقل اغتياله لذلك حين تظهر حركات تصحيحية أو تغييرية يصعب فهمها لأن المجتمع يعيش حالة تخدير وفترة تقهقر طفولي حيث تصدق فيه الأحلام وتصدق فيه الكلمة وليس الفعل. تكون ردة فعل النائمين متوقعة حين يأتي الفكر الناضج لإيقاظها فيقطع عليهم لذة الأحلام وإحساسهم بآلام اليقظة أيضا.

أنا متأكد أن النظريات والأفكار ستتغير حين نستفيق ونرى الواقع بأعين ناقدة كما حدث في بعض المجتمعات وسنبدأ بمحاسبة أنفسنا وواقعنا وماضينا ونستعد للتفكير مليا وبعقلانية في مستقبلنا الذي لا يمكن لأحد أن يبنيه سوانا وبسواعدنا. يجب أن ننهي مع الحزب الواحد والشخص الواحد والأسلوب الواحد ونقبل التعددية والفكر الآخر ومعارضة الرأي، هي البداية نحو تشكيل وعي عربي جديد يطمح نحو الأفضل.

الشعوب العربية بحاجة لتحقيق الانسجام بين كل مكوناتها وتفادي الانشقاقات والعصبية ولا يتحقق ذلك إلا بالرأي الحر والمحاسبة والتدقيق والتقييم، فهذا سر قوة البناء الحقيقي ومصدر استمراريتها وتتيح فرص تصحيح الخطأ والإصلاح المناسب في الوقت المناسب من أجل وطن قوي ومتماسك.

لا تعليقات

اترك رد