قرن مَر على وعد بلفور المشؤوم

 

في الثاني من الشهر الجاري، انقضى قرن كامل على وعد بلفور المشؤوم الذي منح فيه من لايملك الى من لايستحق، الذي نتج عنه تشريد شعب كامل ونوزحه بجحافل لها بداية ولم يكن لها اخر حتى هذه اللحظة من ارضه التى عاش عليها منذ آلاف السنين، والاتيان بناس من مختلف الاعراق ومن مختلف الدول، لاتربطه بالارض التى هاجروا اليها اي صلة سوى الديانة اليهودية. هذا الوعد الذي اضاف بعد اربعة عقود من تاريخ اعلانه، الى عدد دول العالم في ذلك الوقت، دولة جديدة، دولة اسرائيل والتى لعبت منذ نشئتها ادوار تأمرية وتخريبية في الاوطان العربية والحقت ضررا بليغا في شعوب العرب،

عوامل وعناصر التخريب تلك، تئن منها دول المنطقة العربية حتى هذه اللحظة والى ما يقدر ويشاء الله جل جلالة. لقد ساهمت عناصر وعوامل عديدة في انجاح هذا الوعد المشؤوم، هذه العناصر والعوامل تم تخليقها بإرادة الاستعمار البريطاني في ذلك الوقت. من اهمها هو استمرار السيطرة الاستعمارية رغم الجلاء المعلن والبقاء المختفي وراء حكام من ورق تم صناعتهم لهذا الغرض وغير هذا من عوامل التاثير والتغيير، لم تزل هي ذاتها في لعب الذات الدور وان اختلفت البيئة السياسية ومدخلات صناعة المواقف فيها، في طرق ومسارات جديدة. وهنا نسأل، لماذا لم يقرأ العرب التاريخ جيدا او قراءة عميقة له ولمن عمل جاهدا في صناعته بالضد من ارادة شعوب العرب في اوطان العرب، ان كانت النوايا صادقة بتحقيق اسس الكرامة الوطنية كما حاصل وحصل في الكثير من بلدان العالم وشعوبها، لكن الامر يختلف في اوطننا وحكامنا على مر قرن من الزمن الذي لم تحقق فيه شعوب العرب موطيء قدم لها في حركة التاريخ كي تكون احد عناصر الفعل فيه. السبب في تقديرنا المتواضع هو السعي المذل و اللهفة المهينة من اجل الوصول الى كراسي الحكم البئيسة، التى من اوجدها لهم سلب منها، القرار المستقل والسيادي. لم يكن وللامانة والتاريخ، وعد بلفور على قوته واهميته التى تكاد تكون كلية الفعل وهو كذلك اي كلي العمل في صناعة وتاسيس دولة اسرائيل، إذ كان بالامكان ان لايكون ما هو كائن الان من تجبر اسرائيل وغطرستها وكذلك هيمنتها على الكثير من دول العرب من غير تطبيع معلن، او على الاقل لتوقفت في الحدود التى رسمتها لها الامم المتحدة بقرار التقسيم الظالم،

لولا تأمر العرب الحكام على بعضهم البعض وعلى ما ظل تحت السيطرة العربية من ارض فلسطين، بإرادة من يستعمرهم، تاركين حتى هذه اللحظة، مصير وحاضر ومستقبل اوطانهم وشعوبهم وفي مقدمة ذلك الوطن الفلسطيني والشعب الفلسطيني، لخطط المستعمرون بطبعتهم الجديدة. الحكام العرب او الاصح من كانت عيونهم ترنوا الى كراسي الحكم والتي هي بدروها تنتظرهم كما وبنفس الدرجة، ينتظرهم الاستعمار البريطاني حينها، وكما ينتظرون الان من يدعون المعارضة…، ينتظرون على عتبات ابواب الاستعمار الامريكي الجديد، تهيئة الارض والبيئة السياسية لهؤلاء البائسين ممن انتظروا على نار احر من الجمر، كي يجلسوا على كراسي الذيلية والتبعية. في الصراع الذي دار بين الشريف حسين وعبد العزيز بن عبد الرحمن بن الفيصل آل سعود في السيطرة على ارض الحجاز، اثناء الحرب العالمية الاولى وقبلها وبعدها بالقليل من السنوات،

كان هناك دور لبريطانيا العظمى كما كانت تنعت حينها، دور قوي جدا وفعال ومؤثر في مقدمات هذا الصراع والنتائج التى انتجتها. كانت بريطانيا قد اتفقت مع الشريف حسين على مساندتها في الحرب ضد الدولة العثمانية، مقابل ان تمنحه دولة واحدة في الشام وبقية المشرق العربي وارض نجد والحجاز ومن الجهة الثانية كانت قد اتفقت مع آل سعود في دعمهم ومساندتهم في اقامة دولة لهم في ارض نجد والحجاز، بالاضافة الى الاتكأ على دعم المؤسسة الدينية والتى كان مقرها منطقة الخوالد، ومن الجهة الثالثة كان هناك اتفاق بين فرنسا وبريطانيا وغيرهما على تقاسم مناطق النفوذ في المنطقة. في لعبة شبيه بالعاب السيرك؛ جعلت فيصل بن الشريف حسين يشرف او يكون ملكا على سوريا. بعد انتهاء الحرب وعندما حان وقت الحقيقة الموجعة، نزلت القوات الفرنسية في سوريا تطبيقا لأتفاق تقسيم مناطق النفوذ، ودار ما دار من معارك طاحنة بين المقاومون السوريون وجنود الاحتلال الفرنسي ودارت معركة طاحنة، بين الاحتلال الفرنسي والمقاومون بقيادة يوسف العظمة، في معركة ميسلون، وهي واحدة من اشرس معارك مقاومة الاحتلال في الدفاع عن قدسية الارض وكرامة الوطن وشرف الناس، والتى استشهد فيها البطل يوسف العظمة. بريطانيا وحتى تهيء البيئة السياسية لمشروعها الاستعماري، طلبت من فيصل بن الشريف حسين، ان يصعد قطار الشرق السريع ويذهب الى بغداد ليكون ملكا على العراق الذي اندلت فيه ثورة العشرين الشهيرة، والتى تحولت فيها ارض العراق من جبال شمال العراق حتى ابعد نقطة في فم الخليج العربي الى نار ملتهبة، احرقت اقدام الاحتلال، مما اجبره على فعل ما فعل في سابق هذه الكلمات.

وولت اخيه على شرق نهر الاردن وبهذا عزلت فلسطين عن شرقها وخضعتها لسيطرتها المباشرة، تلك السيطرة التى لعبت دورا كبيرا في اقامة دولة اسرائيل. هذه النتائج، في جانب منها، انتجها الدعم البريطاني اللامحدود الى آل سعود في السيطرة على كامل الارض في نجد والحجاز، ضمن اتفاق غير معلن في حينه بين الجانبين وعلى حساب الاتفاق بينها وبين الشريف حسين إذ تنصلت عن جميع ما اتفقت عليه لينتهي به به المآل منفيا. عبد العزيز أل سعود وحتى يوطد علاقته مع الاستعمار البريطاني ويزيدها تركيزا ورسوخا وثباتا، بلغ السير برسي كوكس بموقف آل سعود من وعد بلفور ومدى تعاطف الملك السعودي مع قضية اقامة وطن لليهود المساكين كما سماهم في رسالته الشهيرة والمعروفة. في ادناه النص الكامل لها: بسم الله الرحمن الرحيم..انا السلطان عبد العزيز بن عبد الرحمن بن الفيصل آل سعود اقر واعترف الف مرة للسير برسي كوكس مندوب بريطانيا العظمى لا اعتراض عندي من اعطاء فلسطين الى المساكين اليهود او غيرهم كما تراه بريطانيا العظمى التى لا اخرج عن رأيها حتى تصبح الساعة. ما شبه اليوم بالبارحة. هذا اليوم الذي يتم فيه رسم الخطط الخفية تحت عناوين متنوعة ومختلفة شتى، في مجملها تداعب عواطف الناس وتلبي حاجتهم الى الامن والاستقرار والسلام والحرية والديمقراطية والتطور، بينما الحقيقة تختلف كليا عن المعلن…الامر والادهى والذي يوجع القلب ويوغل في الصدر الألم، ادواتها حكام دول المنطقة والمعارضين لهم في آن واحد. نعود الى موضوع وعد بلفور وما انتجه من اقامة دولة اسرائيل ومدى علاقة حكام العرب في ذلك الحين في المساهمة بانجاح هذا المشروع الامبريالي الاستعماري، فهو حقا مشروع امبريالي استعماري ومن الطبيعي ان يستند هذا المشروع على الفكرة الصهيونية ومخططها في اقامة دولة لبني صهيون على ارض فلسطين، انه خطة امبريالية حتى وهو لم يزل سوى كلمات واعدة على الورق، فقد كان الموقعون عليه من الجانبين البريطاني والصهيوني، رجال مال وعمال من العيار الثقيل جدا، واصحاب شركات عملاقة، حتى وهي تمارس اعمالها في ذلك الوقت الذي لم تتسع فيه حركة رأس المال، بالدرجة التى احكم فيها الان قبضته على اقتصاديات العالم، وفي علاقة متواشجة، هؤلاء، هم من يديرون الحكم والبرلمانات وانتخابتها في دول المال العالمي. اسرائيل كانت ولم تزل رأس الحربة في مشاريعهم في المنطقة، سواء عن طريقها كدولة في المنطقة او عن طريق اللوبيات اليهودية من اصحاب الشركات العابرة للحدود والجنسيات، تلك اللوبيات هي جزء من انظمة الادارة والحكم والبرلمانات في الدول العظمى والكبرى للمال العالمي. اللورد ليونيل ووالتردي روتشيلد الذي استلم رسالة اللورد ارثر جيمس بلفور وكان قد تم المصادقة عليها من الحكومة البريطانية والبرلمان ومجلس اللوردات، لأبلاغها الى الاتحاد الصهيوني في بريطانيا، ورئيسه اللورد حاييم وايزمن، وهو مخترع الاسيتون الذي يدخل في صناعة المتفجرات وقذائف المدافع…،

لاحقا اصبح اول رئيس لدولة اسرائيل، لضمان تأييدهم ودعمهم للحكومة البريطانية في السنة الاخيرة من الحرب العالمية الاولى، فقد كانا روتشيلد ووايزمن من اصحاب رؤوس المال الضخمة جدا، حتى ان عائلة روتشيلد تصنف من اغنى الاسر في اوربا كلها.( وهنا نسأل بمضض هل استفاد العرب من المال الضخم في خزائنهم في انتزاع المواقف المؤيدة لقضايهم من الدول العظمى والكبرى في المحافل الدولية، ان كان لهم مواقف وهذا امر غير وارد في اجندتهم حتى اللحظة.. الوارد والموجود هو العكس تماما). نعود الى وعد بلفور، عندما اعلن التقسيم بعد الانسحاب البريطاني وتسليم ادارة فلسطين الى العصابات الصهيونية والتى اعلنت بدورها قيام دولة اسرائيل. دخلت جيوش العرب لتحرير ارض فلسطين تحت الضغط الشعبي، الشديد والقوي جدا حينها، مما اجبرها على ارسال جيوشها. وهنا نتوقف امام تسليح تلك الجيوش والتى جاءت من بلدان، خاضعة للسيطرة الاستعمارية البريطنية بواجهات حكام من الكارتون، جيوش العرب هذه كانت تفتقر وبدرجة كبيرة جدا الى التسليح، لأن المندوبين الساميين المسيطرون على ادراة تلك البلدان من وراء ستر كراسي الحكم الخزفية، كانوا يمنعون التسليح الفعال لتلك الجيوش كما هو حاصل الان لجيوش بعض البلدان العربية، مما افقدها القدرة على المناورة وتحقيق نتائج سريعة على الارض. رغم هذا حققت تلك الجيوش بعض النتائج. لكن هذه النتائج ضاعت عندما اعلن عن وقف اطلاق النار، ليتم اصدار اوامر الانسحاب من الحكام العرب،الى خطوط التقسيم، خضوعا لإرادة الاستعمارية البريطانية. في حين كان بأمكان جيوش العرب ان لا تنسحب وبحجة القانون الدولي، وهو الزامهم بما الزموا انفسهم فيه، فقد صدر من الامم المتحدة، القرار رقم 194والذي يقضي بعودة جميع الذين نزحوا من ارض المعارك بالعودة الى ارضهم وبيوتهم، كان بامكان العرب، لو كان لديهم قرار مستقل وسيادي، ان يطالبوا الامم المتحدة بات تنسحب جيوش العرب في تزامن مع عودة النازحين الى ديارهم، تلك حجة ملزمة قانونيا..بالاضافة الى هذا فهي حجة لها رصيد قوي من القانون والواقع على الارض، لأن اعداد النازحين كانت كبيرة جدا، تتفوق برقم كبير على اعداد اليهود فوق الذي احتلوه من ارض فلسطين، لكن هذا لم حدث ابدا، لأن الدول العربية لم تكن تمتع باستقلال كامل، لذا جرى ما هو بالضد منه بشكل كامل. في الختام نؤكد ان العرب لم يتعضوا وهنا نقصد الحكام، لم ياخذوا العضة مما مر بغيرهم ومما سبقهم من الحكام العرب وما جرى لهم.

ولم ياخذوا العبرة من تاريخ ما مر. ان الذي يؤلم، الى الان ذات الرؤوس وان اختلفت الوجوه، يركضون وراء مضطهديهم كي يضطهد شعوبهم وفي مقدمة هذه الشعوب، شعب فلسطين والوطن الفلسطيني اللذان يتعرضان الان الى مخطط خطير جدا، بالاضافة الى شعوب العرب الاخرى واوطان العرب. وفي هذا الوقت، يصنع مضطهدوهم وناهبوا خيرات بلدانهم، واقع ظلم جديد، يلائم شكل العالم الجديد، تحت عناوين نشر الديمقراطية ومحاربة الارهاب وايجاد حل للصراع الفلسطيني الاسرائيلي، وجميعها محض خداع وكذبة كبرى والذي يؤيد هذا الفحص، منتجات الواقع الموضوعي وما يطفو على سطوح الاحداث. ففي خانة الحل لقضية فلسطين يتراجع الحل بشكل مخيف وكارثي، والاخريان، الديمقراطية ومكافحة الارهاب، ففي الاولى لم نشهد لها حتى ولو بصيص امل، اما مكافحة الارهاب، امريكا هي من اوجدت وقامت بتخليق الحواضن والبيئة في الدول التى نشط فيها جنون الارهاب وقسوته ووحشيته…كي تفتح الطرق امام مخططها الاستعماري بنسخته الجديدة..

لا تعليقات

اترك رد