الفيلم التسجيلي والبحث العلمي


 

يتفق الفيلم التسجيلي كثيرا مع البحث العلمي في كثير من الخطوات حيث يقوم على فكرة محدودة أو ما يمكن أن نطلق عليه مشكلة يحدد لها المخرج عنوانا يمثل اسم الفيلم و يخاطب العقل أساسا ، و يعتمد في ذلك على تقديم المعلومات و البراهين و الأدلة ، و قد يتطرق فيها بعد ذلك إلى العاطفة ، و الفيلم التسجيلي يتسم بالوضوح و التوجه إلى جمهور معين مستهدف لتحقيق هدف محدد له بداية و له نهاية و التي قد تتمثل في طرح مزيد من الاستفسارات ربما تأتي في أفلام أخرى .

وكما نعلم أن السيناريو : هو وصف الحركة السينمائية على الورق ، فهو و ثيقة حركية مكتوبة بدقة تصف المناظر منظرا منظرا مع تفاصيل الصوت المصاحب للفيلم ، و يشتمل السيناريو التسجيلي على قسمين هما:
( أ ) القسم الأول : الحركة و المشاهد .
( ب) القسم الثاني : الكلام المصاحب للحركة و المشاهد .

وعكس الأفلام الروائية نتعامل في الفيلم التسجيلي مع العالم الحقيقي الذي حولنا ؛ و لذلك لا يستطيع كاتب السيناريو أن يكون منطلقاً في ابداعه بلا حدود فيظل دائما محكوم بالواقع والحقائق المجردة ، حيث إن هناك بعض الأفلام التي يضطر فيها المخرج إلى التخلي عن السيناريو بشكله التفصيلي و يستبدله بسيناريو نظري مبدئي يحوي مجرد خطة للتصوير منظمة و مرتبة .

ان السيناريو في الفيلم التسجيلي لا يمكن أن يكون – دائما – دقيقا تفصيليا ، لأنه يجب أن يسمح للمخرج و للمصور بقدر من حرية العمل للتعامل مع الأشياء غير المتوقعة و التي لا يمكن التحكم فيها .


والمثال هنا في مجموعة الأفلام التسجيلية التي صورت حول نهر النيل ، فنهر النيل في حد ذاته لا طرافة أو غرابة فيه فهو مجرد مجرى كبير من المياه الداكنة يجري بينه شطئان رتيبة خالية مما يلفت النظر ، و حينئذ تبين أن موضوع الفيلم لا ينبغي أن يكون النهر ذاته ، بل الناس الذين يعيشون على جانبيه و ما فعلوه بالنهر و ما فعله بهم .

و في الأفلام التسجيلية في أغلب الأحيان نجد عن بداية كتابة السيناريو بعض الاحتمالات التي تترك بدون تحديد نهائي حتى وقت التصوير، و هذا الأسلوب لا يظهر انخفاض مستوى المخرج و الذي هو في الغالب كاتب السيناريو أو صاحب الفكرة و لكنه مرتبط بخصائص المجال الفني للعمل التسجيلي و أهدافه و فلسفته. و لا يعني ذلك التخلي النهائي عن السيناريو المبدئي أو ما يمكن أن نطلق عليه التصوير المقترح لسير العمل في ضوء الهدف المطلوب حيث إنه إذا تخلي المخرج في الفيلم التسجيلي عن السيناريو تماما و عن التفكير و التحديد النسبي المسبق حيث يجد نفسه هو و الكاميرا أمام كل العناصر منشقة و غير منظمة لأن الحياة الواقعية الحقيقية أكثر اتساعا بحيث لا يمكن أن يختار منها صور بدون ترتيب سابق و اختيار منظم . و في نفس الوقت لا يمكن أن تحدد بدقة شديدة كل لقطة يقوم بها المخرج أو المصور بتسجيلها مثلما يحدث في الفيلم الروائي .

أما تاريخياً ، فالأصل في اختراع السينما أن الغرض منه توثيق الاحداث الحقيقية والواقعية ولم يدر في خلد صانع السينما الأول أن السينما سوف تأخذ الاتجاه الروائي والدرامي لتزيح السينما التسجيلية من صدارة الأهمية وتصبح استثناءاً على القاعدة .

لا تعليقات

اترك رد